الاستراتيجية السعودية إما التغيير الجذري وإما نقطة اللاعودة (Saudi Strategy: Either to Radical Change or Point of no Return)

24th Mrach, 2015

لتنزيل الورقة مجانا مع الرسوم التوضيحية اضغط على الرابط

http://goo.gl/AkFC4t

الملخص

تتسارع المتغيرات في المنطقة العربية لدرجة أصبح من الصعوبة التنبؤ بما سيأتي في قادم الأيام. فالأمور تتسارع في اليمن بطريقة غير عادية، والاوضاع في العراق التي تتعقد يوما بعد يوم، والوضع الدامي في سوريا ومآلاته التي يصعب الجزم بها، ومتغيرات القضية الفلسطيني، وتطورات الأحداث في ليبيا وغيرها. وفي نفس الوقت تعيش منطقة الشرق الأوسط حالة من الفراغ الاستراتيجي منذ سنوات عديدة حيث انكفأت دول المنطقة على نفسها وتركت الملعب الاستراتيجي خاليا مما سمح لإيران باختراق هذا الفراغ الاستراتيجي والتوسع فيه إلى أن أصبحت إيران هي اللاعب الاستراتيجي الوحيد في هذا الفراغ الاستراتيجي. والسؤال هنا ما امكانية أن تنهض الاستراتيجية السعودية وتملأ جزءا من هذا الفراغ الاستراتيجي ولا تترك الملعب لإيران فقط؟ وهل هناك فرص وظروف استراتيجة مواتية للسعودية لتحدث تغييرا جوهريا في استراتيجيتها؟ وما هي المعوقات المتوقعة؟ وماذا لو لم تقم السعودية بهذا التغيير.

مقدمة

أن هذا المقال ليس تحليلا سياسيا يغوص في أعماق الاحداث السياسية ويحلل مجرياتها ومقاصدها وآثارها السياسية، ولكن القصد هو تتبع أهم المتغيرات والمنعطفات الاستراتيجية من وجهة نظر تحليل استراتيجي قائم على مفهوم الاستراتيجية المدركة (realized strategy) أي الاستراتيجة التي ندركها بعد أن تحدث، وبالتالي يمكن معرفة ومشاهدة المسار الاستراتيجي الذي سُلك. هذا المنظور الاستراتيجي في التناول لا يعتمد على أساس التبرير للأحداث كما يحب أن يتعاطى معه المحلل السياسي لأن التبرير لا يعني بالضرورة الصوابية. فقد يكون السلوك أو الاجراء الذي أدى إلى الحدث مبرر سياسيا ولكنه ليس بالضرورة أن يكون هذا السلوك أو الاجراء الذي تم تنفيذه صائبا من الناحية الاستراتيجية. ولا تتعرض الورقة إلى قبول التبريرات أو رفضها فهذا شأن المحلل السياسي. والهدف هنا هو النظر الى الاستراتيجية المدركة بعد أن حدثت ثم وضع تحليل استراتيجي أولي للدلالات الاستراتيجية للاحداث ومن ثم الاجابة عن الاسئلة المطروحة.

كلمات مفتاحية: الاستراتيجية – السعودية – الامريكية– ايران-ميزات تنافسية–دورة حياة – منحنى استراتيجي– منافس استراتيجي – التوازن – فقدان التوازن- فقدان السيطرة – الجمود- الانكار– الاضطراب – التعقيد – التغيير – التمدد – التوسع – اصحاب الشأن – الاسلام السياسي – نقطة اللاعودة 

السعودية ومحيطها الجيواستراتيجي

تمثل السعودية قلب وجوهر الجزيرة العربية لكونها الاكبر عددا سكانيا إذ يزيد تعداد السكان عن ثلاثين مليون نسمة، وهي الاكبر مساحة 2149690 كيلومترا مربعا  وتطل على الخليج العربي والبحر الاحمر. كما تملك السعودية اكبر احتياطي نفطي وهي الاكبر انتاجا له في المنطقة. اضافة إلى وجود الكعبة المشرفة كرمز ديني كبير في الحجاز ضمن المملكة العربية السعودية وهي قبلة الحججاج والمعتمرين، وبالتالي تشكل السعودية مركزا دينيا معتبرا بين الدول العربية والاسلامية. كما أن إجمالي الناتج المحلي السعودي (GDP) يزيد عن 777 مليار دولار، وتجاور السعودية ثمانية دول عربية هي الكويت والعراق والاردن واليمن وعمان والامارات وقطر والبحرين، لذا فالسعودية دولة محورية لدول الجوار تلك، وهي الدولة الرئيسة في مجلس التعاون الخليجي المؤسس عام 1981. لكل تلك الاعتبارات وغيرها فان السعودية تعتبر لاعبا استراتيجيا في الشرق العربي بل هي مؤهلة تماما لتعلب دورا استراتيجيا ليس فقط اقليميا بل أيضا اسلاميا ودوليا.

ان وجود مكة المكرمة حيث المسجد الحرام والمدينة المنورة حيث الحرم النبوي أضفى على الدولة السعودية بعدا دينيا مميزا. وفي عهد الملك فهد بن عبد العزيز أصبغ على نفسه لقب “خادم الحرمين الشريفين” واستمر هذا اللقب إلى يومنا هذا حيث عهد الملك سلمان بن عبد العزيز. وفي ذلك اعلان صريح بقبول اللقب الديني كرمز للدولة السعودية. وبالتالي ينظر الكثير من المسلمين إلى المملكة العربية السعودية من منظار ديني لاحتضانها الحرمين الشريفين. ولقد احتضنت الدولة السعودية العديد من المسلمين من مختلف المنابت والأصول من الفلبين شرقا مرورا بشرق آسيا وجنوبها ووسطها والعديد من الدول العربية، بل ومنح العديد منهم الجنسية السعودية. كما استوعبت السعودية العديد من الاسلاميين إبان حكم جمال عبدالناصر في فترة الستينيات. وكذلك احتضانها للعديد من الاسلاميين من سوريا بعد أحداث عام 1980.وهكذا ظلت السعودية محضنا للأمن والأمان بدون أي استغلال سياسي جاد من طرفها لمن احتضنت.

لمًا كانت الدولة السعودية في قلب العالم الاسلامي بموقعها الجغرافي والاقتصادي والديني، فانها لاشك تواجه منافسة استراتيجية في المنطقة، سواء منافسة عربية أو غير عربية. ومن الممكن القول أن السعودية قد تعاملت مع هذه المنافسة بثلاثة نهج. النهج الأول هو عدم التصادم العسكري مع المنافس وعدم التدخل المباشر في شؤونه الداخلية، مع محاولة استخدام أطراف أخرى للتصادم معه إن امكن. وقد بدا هذا واضحا في التعامل مع المنافس الأول جمال عبدالناصر الذي رفع راية القومية العربية وحاول استقطاب الرأي الشعبي العربي، وتولد لدى السعودية شعور قوي بخطر عبدالناصر عليها خصوصا بعد تدخله المباشر في اليمن حيث ارسل قواته إلى هناك دعما للثورة اليمينية، وفي المقابل اصطفت السعودية في جانب الإمام الذي خسر الصراع.  ولعل منافسة الرئيس عبدالناصر في فترة الستينيات كانت من أشدها. إلا أن موقف السعودية انقلب رأسا على عقب في دعم مصر إبان حرب 1973 في عهد الرئيس أنور السادات، وكان موقفها مميزا دعما لمصر وسوريا شاركها في ذلك دول خليجية أخرى. ثم كان المنافس الآخر في فترة الثمانينات وكان  الرئيس العراقي صدام حسين بخلفيته القومية وقد اتخذت السعودية نهج الابتعاد عن الصدام معه.  النهج الثاني وهو استخدام مجلس التعاون الخليجي كواجهة أو غطاء للموقف السعودي تجاه المشاكل الاقليمية في صورة موقف خليجي مشترك في مواجهة المشاكل الاقليمية وفي اتخاذ قرارات ومواقف مشتركة تجاه الأحداث تشكل حصنا أوليا للاستراتيجية السعودية (بغض النظر عن متانة هذا الحصن). أما النهج الثالث فيتمثل في تجيير قوة المنافس لتحقيق مصلحة استراتيجية لها. وتجلى ذلك واضحا بدعم الرئيس العراقي صدام حسين في حربه ضد إيران لثمانية أعوام وتقديم الدعم له ومعها العديد من دول مجلس التعاون الخليجي فيما يمكن اعتباره حربا بالوكالة (proxy war)، حيث اعتبر العراق السد ألاول أمام التوسع الايراني أو أمام ما عرف بذلك الوقت “تصدير الثورة”، وعملت السعودية مع بعض الدول الخليجية والعربية على تقوية هذا السد ودعمه ليوفر لها الحماية من التمدد الإيراني في المنطقة.

وعلى المستوى غير العربي فإن أهم المنافسين الاستراتيجين للدولة السعودية منذ عام 1980 هو ذاك المنافس المعمم القادم من بلاد فارس، إنه النظام الايراني الاسلامي ذو الصبغة المذهبية. قبل هذا النظام الاسلامي المذهبي التوجه، شكًل نظام الشاه في ايران شرطي المنطقة الأمريكي في فترة الستينيات والسبعينيات ومنحت الولايات المتحدة الأمريكية صلاحيات للشاه فتدخل في اليمن وفي عُمان. ولم يكن الشاه بالرغم من حمى التوسع التي انتابته ليشكل خطرا استراتيجيا حقيقيا على الدولة السعودية باعتبار أن كليهما تحت الحلف الأمريكي وكلاهما تحت مظلة الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. إلا أن ذاك المنافس الايراني انتهى بسقوط الشاه ومجيئ النظام الاسلامي الايراني حالا محل الشاه. وما هي إلا هنيهة حتى انتقلت حمى التوسع من جديد إلى هذا المنافس المعمم . هذا المنافس الذي ماانبت يعرب عن توسعه في المنطقة مبتدأ بتصدير الثورة إبان السنوات الأولى للثورة الايرانية ومحاول نشرها لدول الجوار، إلا أنه لم ينجح بذلك وتمت محاصرة النظام الايراني الديني ومقاطعته دوليا مما أجبر قيادته على التنازل عن فكرة تصدير الثورة.

مسار الاستراتيجية السعودية ومراحلها  

لقد وحد الملك عبدالعزيز بن سعود مكونات السعودية تحت اسم المملكة العربية السعودية عام 1932 حيث مرت الدولة السعودية في دورة حياتها بمنعطفات مختلفة، ابتداء من مرحلة التاسيس والمعاناة للمحافظة على الوحدة الجديدة مرورا بظهور النفط وتحسن الحياة بشكل متسارع نحو الإزدهار، ثم الطفرة الكبيرة في أسعار النفط بعد حرب رمضان (اكتوبر) عام 1973 وما قاد ذلك إلى نقلة اقتصادية وعمرانية وثقافية كبيرة في المملكة العربية السعودية.  وكذلك مرت الاستراتيجية السعودية في مراحل أيضا من تثبيت نفسها على خريطة المنطقة، والتحالف الاستراتيجي المبكر والمستمر مع الولايات المتحدة الأمريكية، ثم استراتيجية المحافظة على الذات وعدم التوسع الاستراتيجي مع الاحتفاظ بدور استراتيجي متوازن إلى حد ما دون أية مطامع استراتيجية متبلورة أو صارخة في أي من الدول العربية (باستثناء اليمن ولبنان والبحرين). وحلت أغلب مشاكلها الحدودية مع دول الجوار الخليجية، واحتفظت بدور محوري في مجلس دول التعاون الخليجي.

لاشك ان الموقع الديني والموقع الجغرافي والموقع الاقتصادي للدولة السعودية يجعلها في قلب الاحداث في المنطقة العربية مما يضعها نظريا في وضع جيوستراتيجي مهم ومؤثر في كل حدث مفصلي في المنطقة العربية. والمتتبع للاستراتيجية السعودية من منظار الاستراتيجية المدركة (realized strategy) يلحظ أنه منذ توحيد المملكة العربية السعودية عام 1932 لم ترتقي الاستراتيجية السعودية الخارجية إلى درجة الدور الجيواستراتيجي الرئيسي المؤثر في منطقة الشرق الأوسط بل في أحسن أحواله كان دورا له اعتباره. وظل الدور السعودي الرسمي ينأى بنفسه عن التدخل في الشئون الداخلية للدول العربية بشكل عام بإستثناء اليمن ولبنان. بمعنى آخر لم تصبح السعودية لاعبا استراتيجيا اقليميا صانعا للاحداث برؤية استراتيجية واضحة واكتفت بدور محدود لها وإن كان مؤثرا أحيانا.  إلا أن أبرز دور استراتيجي كبير قامت به العربية السعودية كان في حرب عام 1973 ليعلن الملك فيصل بن عبدالعزيز المقاطعة النفطية عن الغرب  وتتعاضد معه دول الخليج العربي الأخرى في موقف سعودي وخليجي جرئ، لا ليضع الاستراتيجية السعودية  كلاعب استراتيجي اساسي في المنطقة في تلك الفترة، بل ليكون هذا الموقف نداً للاستراتيجية الامريكية في المنطقة ومتحديا للادارة الامريكية في موقفها من الحرب ومربكا لهنري كسنجر داهية السياسة الخارجية الامريكية في ذاك الوقت. ينجم عن هذا الموقف الاستراتيجي السعودي المدعوم من دول الخليج تغييرا حقيقيا في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الاقتصادية والسياسية، ولأول مرة تحدث مواجهة استراتيجية بين دولة عربية تعتبر الولايات المتحدة الامريكية حليفا استراتيجيا لها وبين الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. هذا الموقف الاستراتيجي التاريخي نتج عنه أمران مهمان. الأول أنه وضع عنوانا واضحا للاستراتيجية السعودية وهي أنها تقف في صف الحق العربي، والثاني أنه أثقل على من بعده بهذا التوجه الاستراتيجي الصارخ. ومن اللافت للنظر أن السعودية بعد هذا الموقف ومقتل الملك فيصل لم تطور أي بعد جيواستراتيجي رئيسي لها في المنطقة بالرغم من قدرتها على ذلك لو أرادت، وظلت تنأى بنفسها عن أي أدوار جيواستراتيجية كبرى. واستمرت السعودية تراوح في استراتيجيتها بين نهج عدم المصادمة والدخول في مواجهات عسكرية مع أحد، والاستظلال بمجلس التعاون الخليجي، وابعاد الخطر عنها مع استخدام طرف ثالث ما أمكن. كذلك حافظت على دعم لدول الطوق العربي (مصر وسوريا والاردن) وظل التوجه بدعم الحق العربي مستمرا بين زيادة وتيرة أو نقصانها.

ولعل من المحطات المهمة في الاستراتيجية السعوديه تبنيها توجها جديدا تمثل في دعم المجاهدين الأفغان، وفتح المجال أمام الشباب السعودي للمشاركة في الجهاد الأفغاني والذي أنتج مجاهدين سعوديين وعلى راسهم اسامة بن لادن الذي سيتحول فيما بعد لرجل مطلوب سعوديا وأمريكيا. إلا أن هذا الدعم السعودي للجهاد الأفغاني ما كان خارجا عن الموافقة الأمريكية وإنما في ظل الاستراتيجية الأمريكية من أجل استنزاف الموارد الروسية في حرب طويلة الأمد، واضعاف قدرات السوفيت الاقتصادية، وبالتالي دفعه نحو حافة الانهيار. ولعل هذه الاستراتيجية كانت أول خطوة نحو تدخل ما في خارج المنطقة العربية وانتهت بخروج الروس من افغانستان عام 1989.

إلا أن المسار الاستراتيجي السعودي بدأ يتعرض للاختبار الحقيقي بعد الثورة الايرانية الخمينية ومحاولة تصديرها للجوار إبان عام 1980. لكن وبالرغم من هذا التحدي استمرت السعودية في نفس التوجه الاستراتيجي المعتمد لديها في المنطقة العربية حيث دعمت صدام حسين، منافسها، في حربه مع ايران ليكون العراق حاجزا منيعا امام التوسع الايراني، وشن علماء الدين السعوديين حملة دينية قوية ضد التمدد الشيعي في المنطقة المدعوم من إيران وبدا وكأن الأمر صراع مذهبي وطائفي. كان ذلك متوقعا في سياق الاستراتيجية السعودية المعروفة. إلا أن المنعطف الحقيقي الذي هز الاستراتيجية السعودية كان يوم احتلال صدام حسين للكويت في اغسطس من عام 1990 حيث تقدمت القوات العراقية لتحتل دولة الكويت مبررة ذلك بدوافع تاريخية وغيرها. ومها كانت المبررات فإن هذه العملية كانت بالتاكيد خارجة عن المألوف وعن المنطق السياسي. شكل هذا اليوم نقطة الانعطاف الأولى الحقيقية للاستراتيجية السعودية، ومنذ هذا المنعطف فقدت الاستراتيجية السعودية زمام المبادرة والسيطرة في المنطقة، وتحول الأمر إلى الاستراتيجية الأمريكية وقواتها التي حررت الكويت واستقرت في المنطقة للأكثر من عقدين من الزمن. ثم تم تصميم الحرب الخليجية الثالثة وهي غزو العراق عام 2003 بحجة تدمير اسلحة الدمار الشامل. وهنا واجهت الاستراتيجية السعودية عقدة تواجد القوات الامريكية بعشرات الآلاف على أراضيها وبما يزيد عن 100 الف في مجموع دول الخليج عامة. وتحول المجاهدون السعوديون من افغانستان إلى السعودية ذاتها لقتال القوات الامريكية المتواجدة على أرض السعودية. واجهت الاستراتيجية السعودية عقدة وتبعات تنفيذ الاستراتيجية الامريكية منذ عام 1990 الى سنة 2003 عام غزو العراق التي استخدمت الأراضي السعودية سواء بشكل مباشر في حرب تحرير الكويت أو غير مباشر في غزو العراق من خلال استخدام القواعد الجوية في الأراضي السعودية. في فترة فقدان زمام المبادرة هذه، اضطرت الاستراتيجية السعودية لدفع الأكلاف السياسية للاستراتيجية الأمريكية على المستوى الجيوستراتيجي حيث كان المنافس الايراني هو المستفيد الأول. ودفعت السعودية الكلفة السياسية على المستوى الداخلي حيث دخلت في مواجهة مفتوحة مع تنظيم القاعدة في الداخل السعودي نفسه. أي أن السعودية دفعت الثمن الجيوستراتيجي الخارجي والثمن الجيوسياسي الداخلي دون أن تقبض شيئا ذا قيمة معتبرة. كذلك أخذت الاستراتيجية السعودية تفقد ميزاتها التنافسية (competitive advantage)واصبحت المنطقة ما بين عام 1990 و 2003 ترتب حسب المصالح الاستراتيجية الأمريكية مباشرة أكثر بكثير من اعتبار مصالح دول المنطقة. واستمرت الترتيبات الامريكية في المنطقة منذ غزو العراق 2003 إلى هذه اللحظة، بل انتقلت بشكل مباشر إلى الداخل السوري مع بداية الثورة السورية في 2011.

تنتقل الاستراتيجية السعودية من مرحلة فقدان زمام المبادرة التي استمرت ما بين 1990 و 2003 إلى مرحلة الانكار والجمود الاستراتيجي بعد سقوط بغداد بيد القوات الأمريكية في عام 2003 وتستمر مرحلى الجمود والانكار إلى بداية الربيع العربي عام 2011.  بسقوط العراق في أيدي القوات الأمريكية المدعومة من شيعة العراق فُتحت المنطقة تماما أمام التوسع الإيراني، وقضت الولايات المتحدة الأمريكية (وهي الحليف الاستراتيجي للسعودية )على السد الواقي الحامي للسعودية نفسها وللدول العربية عموما وانهار السد المنيع الذي عجزت إيران عن تحطيمه طيلة عمر الدولة الايرانية الحديثة منذ تأسيسها. عندها أضحت منطقة الشرق الأوسط في فراغ استراتيجي كبير لم تتمكن مصر من ملئه بقيادة حسني مبارك حيث انكفأت مصر على نفسها وابتعدت عن لعب الدور الاستراتيجي الحقيقي المتوقع منها في المنطقة. واصبحت السعودية مقابل إيران وجها لوجه لكن بفارق استراتيجي كبير.

حينها يتقمص الاستراتيجية السعودية حالة من الانكار للواقع العراقي وخصوصا السني  يتسبب لها في حالة جمود وتوقف عن اي نشاط أو حراك استراتيجي ذا مغزى حقيقي. فبينما تحقق إيران اختراقا هائلا لم يحدث لها أن حققته منذ الدولة الايرانية الحديثة ألا وهو السيطرة على العراق والتحكم فيه من خلال إيصال نخبة سياسية من لون طائفي واحد و ذات ميول تتناغم مع الاستراتيجية الايرانية. لأول مرة تستطيع ايران ان تتحكم ليس فقط في السياسة الخارجية العراقية بشكل عام، بل في تفاصيل ومكونات السياسة والترتيبات الداخلية العراقية. وفيما يندفع أهل السنة للمقاومة التي في اغلبها كانت ذات توجهات اسلامية سلفية واخوانية وصوفية ضد الاحتلال الامريكي المدعوم من أنصار إيران في العراق. وفيما كانت تزج إيران بامكاناتها لتثبيت نفسها وحلفائها الموالين لها وتقدم الدعم بالمال والعتاد والخبرة، كانت الاستراتيجية السعودية في حالة انكار ملفتة للنظر تجاه دعم أهل السنة والجماعة وتركتهم يواجهون قدرهم بامكاناتهم الشبه معدومة وبتفككهم وعدم وجود راية واحدة تجمعهم، واستمرت الاستراتيجية السعودية على هذا الموقف إلى أن تحقق ثلاثة أمور. الأول نجاح المقاومة العراقية بالرغم من امكانناتها المتواضعة في تحقيق خسائر كبيرة في القوات الأمريكية واضطرارها إلى الانسحاب في عام 2011 وتحمل أهل السنة في العراق ثمن المقاومة كاملا دون مساعدة رسمية من الدولة السعودية، بل ونأت السعودية بنفسها حتى عن الدفع باتجاه تخفيف الضغط عن أهل السنة في التشكيلات الحكومية العراقية المتتالية. الأمر الثاني كان افساح المجال تماما أممام إيران لتثبيت نفسها في العراق بقوة وتواجدها على الارض العراقية وتحكمها في الدولة العراقية باتجاه تحقيق مصالحها الاستراتيجية بل استخدام الورقة العراقية في الضغط على الولايات المتحدة في حالة التهديد بتوجيه ضربة لايران وكذلك في مفاوضات الملف النووي الايراني. والأمر الثالث ظهور حركة متطرفة شكلت حالة داعش حاليا. وبالتالي تجمد الاستراتيجية السعودية بين واجب الأمن القومي لها قبل غيرها، وبين الواجب الديني والعربي وحق الجوار في نصرة أهل السنة في العراق، وبين ضرورة صد الاختراق الايراني وافشاله بدلا من اتاحة الفرصة امامه ليتمكن من اتمام مناورته في العراق والمنطقة (ليلتف لاحقا على السعودية من الشرق والشمال والجنوب)، وبين ظل الاستراتيجية الامريكية في المنطقة التي كانت تعتبر دعم أهل سنة دعما للمقاومة ضدها. تجمد الاستراتيجية السعودية من عام 2003 إلى بداية الربيع العربي في 2011 دون اجتراح مبادرات أو مناورات استراتيجية حقيقية لتترك المجال واسعا أمام الاستراتيجية الايرانية المنافسة لتحقق أهدافها ومطامحها ومطامعها. وبدلا من ذلك تُشغل الدولة السعودية نفسها باستراتيجية محلية منصبة على مكافحة الارهاب وكأنها حاولت أن تقنع نفسها بأنها تمارس مناورات حيوية لم تكن في أحسن أحوالها (على أهميتها) سوى تنفيس عن حالة الجمود الجيوستراتيجي الذي اصيبت به، وكأنها وجدت المبتغى المنشود في التهليل الأمريكي لها على هذا الأداء الداخلي وقبلت به ليحل محل الشعور بالقصور الاستراتيجي أمام المنافس الاقليمي.

في يناير 2011 يفاجئ الربيع العربي الاستراتيجية السعودية وهي في حالة الجمود تلك فيفقدها حسني مبارك (الرئيس المصري) الحليف الاستراتيجي. هذا الحليف الذ انكفأ بمصر إلى داخلها ولم يعد يمارس دورا استراتيجيا جوهريا في المنطقة وتوافقت السعودية معه التي انكفأت هي بدورها إلى داخلها ليتركا لإيران المجال مفسوحا بالكلية لتملأ إيران جزءا معتبرا من الفراغ الاستراتيجي في المنطقة. ثم يتقدم الربيع العربي فيسقط حليف السعودية الثاني علي عبدالله صالح (الرئيس اليمني) على كره منها. ثورات شعوب عربية ضد انظمة حكم لم تمارس من مفهوم الدولة الحديثة (أو الدولة القومية) إلا مفهوم التسلط وجمع الضرائب والرسوم، لكن مفاهيم أخرى كالعدل وحرية التعبير والرفاهية أو العيش الكريم فلم تكن ضمن القائمة. يقرر راسم الاستراتيجية السعودية أن هذه الثورات ستصل إليه بعد أن أسقطت بعضا من حلفائه كحسني مبارك وعلى عبدالله صالح متناسيا أن السعودية تختلف في تركيبة الحكم وتختلف تماما من حيث الموارد المالية الكبيرة من النفط. لكن من الملاحظ أن الثورات العربية التي انطلقت من رحم المواطن العربي المغلوب على أمره قد تداخلت مع الاسلاميين الذين كانوا طيلة تجربتهم السياسية من المنبوذيين سياسيا إن صح التعبير وفي أحسن أحوالهم يكونوا في المعارضة، ومن المعلوم أن المواطن العربي بطبعه متدين ويلجأ إلى الله كقوة ربانية لتحميه وتنقذه مما هو فيه فتوافق موقف المواطن العربي البائس مع موقف الاسلاميين المستبعدين فظهر وكأن الاسلاميين هم من يشعلون الثورات العربية وليست المعاناة والقهر هي التي اوقدت وأشعلت هذه الثورات. وهنا يربط راسم الاستراتيجية السعودية بين الاسلاميين والثورات العربية ويتماهى مع ما يسمى بالثورة المضادة التي يقودها بقايا الانظمة المنهارة وبعضا من رجال الأعمال المستفيدين وبقايا أجهزة الأمن في العهود البائدة ليندفع نحو رفض الاسلام السياسي (إن صح التعبير) ويرفض تبعا لذلك الحركة الاسلامية التي تغذي الاسلام السياسي.

تتقدم الاستراتيجية السعودية في مصر بقوة لتدعم الانقلاب على الرئيس الشرعي المنتخب محمد مرسي الاسلامي التوجه في خطوة واضحة المعالم أن الاستراتيجية السعودية متحسسة جدا من الاسلاميين. وفي نفس الوقت تحاول بقوة دعم حليفها الرئيس اليمني على صالح ضد توجهات الثورة الشعبية اليمنية فتفشل في تثبيته ولكن تنجح في المحافظة عليه كلاعب سياسي في الداخل اليمني.  تثور الشعوب العربية وبغض النظر عن التفسيرات والتبريرات لكنها ثورات شعوب قد سجلت في التاريخ الحديث. بل يصل الحد إلى سكوت راسم الاستراتيجية السعودي عن توسع خصمه الحوثي (المدعوم من منافسه الاستراتيجي الايراني) متوقعا من الحوثي القضاء أو تهميش الحركة الاسلامية في اليمن وهو هدف بسيط بكل المقاييس والمعايير الاستراتيجية لا يستحق المغامرة ليكون الثمن جلب المنافس على الحدود. فتضطرب بوصلة الاستراتيجية السعودية في خضم الربيع العربي وتفقد توازنها، وكأنها تنظر إلى الربيع العربي ومستتبعاته من زاوية جزئية وهي زاوية الاسلام السياسي فقط الذي هو مكون من مكونات النتعقيد العربي، وليس من المنظور الشامل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والاستراتيجي للربيع العربي واضطراباته . قد يبرر العديد من المحللين هذا الموقف السعودي من مصر واليمن ولكن هذه التبريرات لن تبرر حقيقة أن الاستراتيجية السعودية دخلت في حالة فقدان التوازن في هذا التعقيد والاضطراب في المنطقة العربية.

تستمر حالة الاضطراب والتعقيد في المنطقة لتنتقل إلى سوريا، فتدفع ديناميكية الربيع العربي الاستراتيجية السعودية الفاقدة للتوازن لتواجه الاستراتيجية الايرانية

الواضحة المعالم في سوريا وجها لوجه. حيث تقدم إيران الدعم بالرجال والمال واللوجست للنظام السوري لهزيمة الثوار السوريين وتصرح بذلك جهارا من أجل مصالحها الاستراتيجية وتدفع بقيادات عليا من الحرس الثوري ومقاتليه وتدفع بالشيعة المواليين لها من حزب الله اللبناني ومن المجاميع الشيعية في العراق وغيرها للقتال المباشر مع النظام السوري. بينما تفقد الاستراتيجية السعودية توازنها في سوريا بين موقف رسمي معلن مضاد للنظام السوري وبين دعم غير معلوم الملامح وغير مهدف استراتيجيا لمجموعة من المعارضين السوريين، وغير معروف الأهداف والغايات، وكأن الهدف هو مناوشة النظام وليس اسقاطه. لا يخفى على أي محلل استراتيجي أن الاستراتيجة االسعودية في سوريا لاتنفذ استراتيجية واضحة المعالم تصب في مصلحة الشعب السوري الثائر ولاتتناسب مع الحجم الهائل من التضحيات الذي يدفعه الشعب السوري من أجل التخلص من نظامه، أو على الأقل تحقيق مصلحة سعودية واضحة المعالم. بدت الاستراتيجية السعودية في سوريا خجولة فلا هي تسير باتجاه اسقاط النظام بقوة ووضوح ولا هي قادرة على حماية الشعب السوري من القتل والدمار. بدت الاستراتيجية السعودية وكأنها تتماهى مع الاستراتيجية الأمريكية في سوريا وتتحرك في آفاق ظلها. ومن المعلوم أن الاستراتيجة الأمريكية تتقاطع إلى حد كبير مع المصالح الاستراتيجية الاسرائيلية في المنطقة. تفقد الاستراتيجية السعودية توازنها بين الاستراتيجية الأمريكية ومصالحها المتشابكة مع المصالح الاسرائيلية وبين

الاستراتيجية الايرانية الواضحة المعالم الداعمة للنظام السوري والعاملة على اسقاط المعارضة بشكل عملي على الأرض.

تفقد توازنها في الربيع العربي بين مؤيد خجول للشعوب كما هو في سوريا وبين مضاد لحركة الشعوب الثائرة كما في اليمن ومصر. تدعم السعودية اسقاط الرئيس الليبي القذافي في بداية الأمر وعندما يتحقق ذلك تبدأ بوصلة الاستراتيجية السعودية تضطرب عندما ترى امامها ثورة ليبية تضم في جنباتها عددا معتبرا من الإسلاميين، فتفقد التوازن بين اكمال الدعم والتأييد لثورة فيها عدد ليس بالقليل من الاسلاميين وبين إيجاد حالة ثورية غير اسلامية المعالم. تضطرب الاستراتيجية السعودية كذلك في اليمن حيث تدعم الرئيس اليمني على عبدالله صالح المثارعليه، وتحت ضغط الشعب الثائر تحافظ عليه وتدعم بقاءه في المشهد السياسي اليمني وتؤيد استبداله بنائبة عبد ربه منصور هادي. لكن الاستراتيجية السعودية تتيه بشكل أكبر عندما تقف ساكتة تماما عن تقدم الحوثيين (الذين دخلوا معها في حرب مباشرة بين 2009- 2010 على حدودها الجنوبية) آملة من هذا السكوت أن يقضي الحوثي على الاسلام السياسي. ثم تفاجأ الاستراتيجية السعودية بأن الاستراتيجية الايرانية قد سبقتها تماما في اليمن وحققت من خلال الحوثي (الشيعي المذهب) اختراقا هائلا في اليمن مستغلة هذا الصمت السعودي عن تقدم الحوثي الذي اجتاح أجزاء كبيرة ثم تسقط العاصمة صنعاء. تفيق الاستراتيجية السعودية في اليمن لتكتشف أن حليفها الرئيس السابق على صالح ينسق مع الحوثي ويدعمه، وتجد المناورة العسكرية الحوثية تنفذ على حدودها الجنوبية في مارس 2015 ثم محاصرة عدن في نفس الفترة التي اصبحت على وشك السقوط أيضا.

تُعَبر الاستراتيجية السعودية بشكل فاقع عن فقدان توازنها في مبادرة غريبة من نوعها وهي مقاطعة دولة قطر وسحب سفيرها من الدوحة. في مبادرة غير معهودة في مجلس التعاون الخليجي والعرف السائد فيه. لم يكن من تبرير لهذه الخطوة إلا أن قطر تقف موقفا متقدمة من الثورات العربية وفي صف الشعوب الثائرة (بغض النظر عن دوافع قطر) وبالتالي فإن قطر اكثر قربا من الحركات الاسلامية والشعوب العربية، وبدا التوجه القطري معاكسا لنظيره السعودي مما اغضب موجه الاستراتيجية السعودية. كانت هذه المبادرة باتجاه هز النهج السعودي المذكور سابقا وهو استخدام مجلس التعاون الخليجي كغطاء لها في المواقف الاقليمية من خلال ابراز موقف خليجي موحد امام القضايا المهمة بحيث يظهر هذا الموقف  كأنه موقف خليجي وليس موقف سعودي. وبالتالي تسقط السعودية بنفسها إحدى أدواتها الاستراتيجية التي تستعين بها منذ أكثر من ثلاثين عاما.

تتيه الاستراتيجية السعودية في تعقيدات أم القضايا العربية وهي القضية الفلسطينية ليجد موجه الاستراتيجية السعودية نفسه  غارقا في صراع فصائلي فلسطيني بدلا من أن يكون راعيا استراتيجيا موجها للبوصلة نحو الحق العربي كما هي الوقفة الفيصلية السابقة (نسبة الى الملك فيصل) . تجد الاستراتيجية السعودية نفسها امام حركة مقاومة فلسطينية اسلامية من أهل السنة والجماعة (حسب المصطلح الديني المعتمد في السعودية) فتدخل معها في حالة انكار. تفقد الاستراتيجية السعودية البوصلة الفيصلية  في اهم قضية عربية واسلامية في التاريخ الحديث وتضع الاستراتيجية السعودية نفسها في طرف فصيل ضد فصيل بدلا من أن تكون في صف حق عربي ضد مغتصب. تهاجم اسرائيل قطاع غزة في فلسطين ثلاث مرات عام 1988-1989، وفي عام 2012 ثم في عام 2014 وتدمر ما يقارب من 25% من القطاع وتقتل وتجرح عشرات الالاف ليأتي المقف الرسمي السعودي خجولا في الحرب الشرسة الأخيرة عام 2014. يأتي هذا الموقف من راسم الاستراتيجية السعودية الرسمية ليتقاطع مع ظلال الاسراتيجية الأمريكية المعادية لحركة المقاومة الاسلامية في فلسطين. ولابد من التنويه هنا على مصطلح الاستراتيجية السعودية الرسمية خصوصا في موقفها من فلسطين وليس الموقف السعودي الشعبي العام الذي ظل محافظا على البوصلة في موقفه من المقاومة الاسلامية في فلسطين ومن مفهوم الجهاد في سبيل الله حسب الفهم الديني الشعبي المعتدل.

استطاع المنافس الاستراتيجي الايراني في المنطقة أن يكون نقطة المثابة وأن يكون الراعي الاستراتيجي لكل الحركات الشيعية ليس في الدول العربية فحسب بل في كل البلدان الاسيوية والافريقية وحتى في امريكا اللاتينية. واستطاع أن يكوِن منهم حلفاء وأذرع استراتيجية في جميع انحاء العالم من خلال تبنيه لمختلف الحركات والاحزاب والفصائل الشيعية ويكون مرجعا عمليا لها. إن تكوين الحلفاء الاستراتيجين من الدول والحركات والشعوب والمنظمات غير الحكومية هو أمر في غاية الأهمية في تنفيذ الاستراتيجيات حيث أنه يجمع الفرص ويركز الأعمال والأهداف ويوزع المخاطر ويقلل الكلفة الاقتصادية والمعنوية والسياسية. لم تكتفي إيران بذلك بل استطاعت إيران في ظل حالة الانكار السعودية الرسمية لحركة المقاومة الاسلامية في فلسطين بمختلف مكوناتها من دعم هذه الحركات لتبدو إيران وبكل براعة استراتيجية وكأنها الداعمة والراعية لحركات المقاومة الاسلامية ليس فقط من الشيعة بل ومن أهل السنة والجماعة. تحقق إيران هذا الخرق الاستراتيجي الهام  بينما تقف الاستراتيجية السعودية مكتوفة الأيدي. تخطف الاستراتيجية الايرانية حلم الشعوب العربية بأمل تحرير المسجد الأقصى الذي أصر الملك فيصل على الصلاة فيه وتقف الاستراتيجية السعودية معزولة عن هذا الأمل العربي الشعبي. تحقق ايران تحالفات استراتيجية مع حركات اسلامية من اهل السنة والجماعة، وفي المقابل تقف الاستراتيجية السعودية عاجزة عن ايجاد صورة استراتيجية تتحالف فيها مع الحركات والاحزاب الاسلامية التوجه، في حين أن السعودية تعتبر نفسها عنوانا للدين. تقف الاستراتيجية السعودية غير قادرة على اجتراح مبادرات أو حلول توجه الحراك الديناميكي في المنطقة العربية باعتبرها محورا استرتيجيا مهما. وفي المقابل تخطف إيران منها هذا الدور لتجد الاستراتيجية السعودية نفسها محاصرة ومنهكة في خانة محاربة الحركات الاسلامية والاسلام السياسي تحت راية مكافحة الارهاب.

 تتوسع وتتمد الاستراتيجية الايرانية في المنطقة  وتتجاوز الحدود وحدود الحدود لتصل إلى العراق ولبنان وسوريا وشواطئ البحر البيض المتوسط، ثم تتجه من خلال الحوثي إلى اليمن جنوب السعودية حيث شواطئ البحر الأحمر وباب المندب، إضافة إلى دعمها لشيعة البحرين ولشيعة المنطقة الشرقية للسعودية. أي أن إيران قد أحكمت الإلتفاف حول السعودية من الشمال والجنوب والشرق. يبادر الحليف الاستراتيجي التاريخي الامريكي بعمل استدارة لا تخفى على اي محلل سياسي أو استراتيجي باتجاه ايران وتبقى الاستراتيجية السعودية على نفس النهج القديم بل تُتهم الاستراتيجية السعودية بأنها غير قادرة على الخروج من حدود ظل الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. في الطرف الآخر عندما شعرت السعودية بالخطر الايراني يقترب منها من بوابة البحرين تقدمت مع دول الخليج بقوات درع الجزيرة في مارس 2013 ودخلت البحرين حفاظا على وجود النظام الحاكم في البحرين، وتعتبر هذه خطوة استراتيجية ذات رسائل واضحة منها أن السعودية لا ترضى عن أي تغيير استراتيجي في جارتها البحرين ومنها أن السعودية تستبق الأحداث قبل أن تنتقل إلى المنطقة الشرقية في السعودية ومنها أن السعودية لا تسمح بأي تغيير مدعوم من إيران في دول الخليج، ولكن الأهم أن هذه الخطوة توحي بأنه مازال في الاستراتيجية السعودية بقية من رمق يمكن البناء عليها في أي خطوة استراتيجية حقيقية مستقبلا.

الاستراتيجية السعودية أمام مفترق طرق  

عند الحديث عن امكانية احداث نقلة نوعية أو تغير رئيسي في الاستراتيجية السعودية تبرز مجموعة من الاسئلة منها:

ما هي الفرص والامكانات الاستراتيجية المتاحة أمام الاستراتيجية السعودية؟

هل الظروف مواتية لإحداث تغييرات جوهرية أو تبني تعديلات استراتيجية أساسية؟

هل تتوفر الامكانات لدى الدولة السعودية لإحداث نقلة استراتيجية نوعية؟

ماهي المعوقات والتحديات التي تواجه هذه النقلة الاستراتيجية؟

ماذا لو لم تنفذ السعودية أي تغيرات حقيقية في استراتيجيتها؟

لقد اتخذت الاستراتيجية السعودية ثلاثة نهج على مدى تاريخها تتمثل في عدم التصادم مع أي منافس والدخول في صراع عسكري معه، وعدم التدخل المباشر في شؤونه الداخلية، مع محاولة استخدام أطراف أخرى للتصادم معه إن امكن. واستخدام مجلس التعاون الخليجي كحلف يساعد في مواجهة المشاكل الاقليمية وفي اتخاذ قرارات ومواقف مشتركة تجاه الأحداث تشكل حصنا أوليا للاستراتيجية السعودية. إضافة إلى تجيير قوة المنافس لتحقيق مصلحة استراتيجية لها. إلا أن الاستراتيجية السعودية في فترة الربيع العربي أخلت بأحد النهج وأضافت نهجا آخر. أخلت بنهج مجلس التعاون الخليجي بل كادت تشقه عندما سحبت سفيرها من دولة قطر في بادرة ملفتة للنظر لولا أنه تم امتصاص هذا الأثر من خلال مرونة أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الذي قدم ليونة في موقفه من النظام الجديد في مصر. أما النهج المستحدث فهو الوقوف في وجه الاسلام السياسي عموما. إنه من المفهوم أن تقف السياسة السعودية الخارجية والداخلية في وجه الحركات الاسلامية المتطرفة كالقاعدة وداعش وإلى غير ذلك من الاتجاهات المتطرفة، ولكن الاستراتيجية السعودية لم تكتفي بذلك بل أضافت إليها الحركات الاسلامية المعتدلة والتي أوصلتها شعوبها بصناديق الاقتراع إبان الربيع العربي إلى سدة الحكم كما في حالة مصر وتونس والمغرب وتركيا. وبالتالي وضعت الاستراتيجية السعودية الرسمية نفسها في مواجهة مع كل التيار الاسلامي المتطرف والمعتدل ومن هم في سدة الحكم ومن هم ينتظر. ومما لا شك فيه أن هذا الموقف قد عزل السعودية عن محيط شعبي كبير وموضَعها حصرا في صف الأنظمة التي تتوقع التغيير أو في صف الثورات المضادة للربيع العربي. لم تستطع الاستراتيجية السعودية أن تكون حاضنة للإسلام السياسي الذي بدا فارسا متوقعا في فترة الربيع العربي وفي اللعبة السياسية الداخلية في أغلب الدول العربية. أصبح الاسلام السياسي حقيقة واقعة على خريطة السياسة والحكم بغض النظر عن كفائتهم وقدرتهم ولكنهم مازالوا حتى اللحظة في سدة حكم المغرب وتركيا وأصاحب شأن وعلاقة قوية في اليمن ومصر وتونس وفلسطين وغيرها. ناهيك عن أن الشعوب العربية بمجملها شعوب متدينة رضخت تحت سطوة أنظمة حكم قهرية وكان الاسلاميون في تلك الحقبة معارضة بارزة مما ولد تعاطفا شعبيا معهم. لم تستطع الاستراتيجية السعودية قراءة ذلك أو لم ترد أن تره.

وما يلوح في الافق من استدارة واضحة المعالم للاستراتيجية الأمريكية تجاه تقبل إيران والتعامل معها بمنظار تنسيقي تعاوني لا من منظار عدائي كما كان باديا في السابق. وبالتالي استدارة معتبرة عن الحليف السعودي واعتبار المنافس المعمم هو اللاعب القوي في المنطقة. ومن هنا، إذا كان الأمريكي قد  اعطى نفسه الحق من أن يلتفت إلى مصالحه ويتقرب من إيران فإن طرف الحلف الآخر وهو الطرف السعودي يحق له أن يجد له حلفاء ويشكل له استراتيجية يستقل فيها في بعض ابعادها عن ظل الاستراتيجية الأمريكية. أن هذه الاستدارة في الاستراتيجية الامريكية تعطي للقيادة السعودية الجديدة فرصة لاتخاذ أو تبني تغيرات وتعديلات استراتنيجية تخدم المصلحة السعودية والعربية ومصلحة المنطقة بشكل صريح. كما أن الدولة الأمريكية تواجه مشاكل اقتصادية جادة وهي بطبيعة الحال لن تستطيع أن تهيمن على كل العالم بأسره وحالها حال كل الامبراطوريات السابقة التي اصبحت تاريخا بعد ذكر وما الامبراطورية اليابان وبريطانيا العظمى والامبراطورية العثمانية عنا ببعيد.

ومما يصب في خانة الفرص والامكانات الاستراتيجية هو قلة امكانية الشعوب العربية التي تبحث عن مخلص وهي مصممة على الخلاص. وقد دفعت أمة العرب ما لايقل عن ثلاثمائة الف قتيل وأضعاف هذا العدد من الجرحى والمفقودين والمعتقلين أي ما يزيد عن مليون عربي وعريية بين قتيل وجريح وملايين النازحين، في رسالة واضحة للقاصي والداني ولمخططي الاستراتيجيات أن الشعوب العربية مصممة على التغيير. وهذا يعطي الاستراتيجية السعودية فرصة فريدة من نوعها لتكون محورا استراتيجيا حقيقيا لشعوب المنطقة. صحيح أن هذه الوجاهة الاستراتيجية لها تكلفتها المعنوية والسياسية والمالية، إلا أنها تستحق الاعتبار والتفكير العميق. كذلك هناك فرصة كبيرة جدا لإيجاد رزمة قوية فاعلة من التحالفات الدولية والمحلية والعربية والشعبية، منها تركيا كدولة كبيرة في المنطقة تقف ندا أمام إيران، ومنها قطر كلاعب استراتيجي صحيح أنه صغير الحجم لكنه لاعب صاعد يبحث عن ظهير، ومنها الاحزاب السياسية الفاعلة في المنطقة العربية وخصوصا الاسلامية منها. لكن هذا الجانب من الحلفاء يحتاج إلى تحليل استراتيجي صريح جدا من راسمي الاستراتيجية السعودية خصوصا أن السنوات السابقة كانت تسير بشكل واضح بعكس هذا النوع من التحالفات.

في المقابل هناك مجموعة من المعوقات في ظل أي تغيير حقيقي في الاستراتيجية السعودية منها ظل الاستراتيجية الامريكية الذي ظل يعكس ظلاله بثقل على الاستراتيجية السعودية لدرجة أن ثقل هذا الظل يحجب عن الاستراتيجي السعودي ضوء الإبصار (على أخف تقدير). والتحدي هو قدرة الاستراتيجية السعودية على ترك مسافة بينها وبين الاستراتيجية الامريكية لصالح المصالح الاستراتيجية السعودية والعربية. إن مثل هذه المسافة إن كانت كافية فإنها ستعطي للسعودية مجالا معقولا للتحرك بالفضاء العربي بحجم معقول من الحرية، وتناغما مع المبادئ الاسلامية والعربية، وتقاربا أكثر من شعوب المنطقة وخصوصا في دعم المقاومة في فلسطين بعد فشل كل المبادرات والمفاوضات السسياسية على طيلة اكثر من عشرين عاما. هناك بعض المعوقات التي نتجت من آثار المواقف السعودية السابقة إبان عهد الملك الراحل عبدالله وخصوصا تجاه دعم النظام في مصر. وكذلك معوقات طرأت تجاه الاسلام السياسي مما يستوجب صياغة ثقافة تصالحية مع العديد من أصحاب الشأن (stakeholders) في المنطقة العربية وعلى رأسهم الاسلام السياسي ممثلا بالحركات الاسلامية ذات المد الشعبي الواسع. لايسع الاستراتيجية السعودية حاليا إلا ان تسارع في التصالح مع الاسلام السياسي لتضمن قاعدة شعبية معتبرة تستطيع معها أن تحدث التوازن الاستراتيجي في الداخل السعودي أولا وعلى مستوى المنطقة ثانيا. إن وصول الاستراتيجية السعودية لمرحلة التوازن مع الاستراتيجية الايرانية المنافسة أمر ملح بكل المعايير الاستراتيجية في هذه الفترة. إضافة إلى بعض النقلات الضرورية المطلوبة على مستوى البيئة الداخلية السعودية كالحريات والانفتاح الايجابي وحقوق المرأة التي لا تتنافى مع الشريعة إلى غير ذلك مما هوأكثر وضوحا عند راسم الاستراتيجية السعودية.

إن وفاة الملك عبدالله بن سعود في 23 يناير 2015 أحدثت بداية منعطف يمكن أن ينتج عنه تغيرات جوهرية أو تَبني لتعديلات استراتيجية أساسية. إن استلام قائد جديد لزمام الأمور سواء في بلد أو وزارة أو منظمة أو شركة هو بحد ذاته فرصة حقيقية لإحداث تغيرات جوهرية. وبالتالي يتشكل لدى المنظر الاستراتيجي السعودي الجديد فرصة لإعادة تقيم البيئة الاستراتيجية الداخلية والخارجية من جديد، ولإعادة تقييم المسارات الاستراتيجية للدولة، ولرسم معالم استراتيجية جديدة، وبناء تحالفات جديدة، ولبدء ارساء ثقافة جديدة أو إحداث تعديلات ثقافية. كل ذلك مبني على القيم الاسلامية التي تتناسب مع المملكة العربية السعودية، وعلى القيم والاعراف العربية وعلى القيم المحلية. ذلك لتحقيق الازدهار الداخلي ونشر العدل والمساواة حسب القيم الاسلامية التي تعتمد بالاصل على البعد الأخلاقي بشكل كبير. وكذلك الاستقلال الاستراتيجي الخارجي وضمان هامش استقلال استراتيجي معتبر لمواجهة التحديات الداخلية والتحديات الاستراتيجية الخارجية.

تتطلب النقلة الاستراتيجية النوعية توفر الرؤية الواضحة والاتجاه المحدد للاستراتيجية السعودية وفي أي إتجاه ستكون، مع توفر الامكانات مصحوبة بظروف استراتيجية مناسبة. من السرد أعلاه يتبين توفر فرص استراتيجية تاريخية تهيئ لصانع الاستراتيجية السعودية احداث نقلة نوعية، لكن هذه الفرص لابد أن يرافقها امكانات قادرة على دعم هذه الاستراتيجية ومن هذه الامكانات المطلوبة هي الامكانات المالية وهي بالتاكيد متوفرة حتى مع انخفاض اسعار النفط فانه بالامكان إحداث تغييرات نوعية في الاتجاه الاستراتيجي المنشود. اضافة إلى الامكانات السياسية وطاقم سياسي ينسق العلاقات السسياسية بالاتجاه المطلوب وهذه من السهل توفيرها في دولة بحجم المملكة العربية السعودية. أما بالنسبة للظروف الاستراتيجية، فالمنطقة في حالة فراغ استراتيجي منذ سنوات عديدة واللاعب الوحيد فيه هي ايران، أما تركيا فمازالت تحتاج إلى مزيد من الاستقرار الداخلي اضافة إلى تطوير رؤية استراتيجية تجاه المنطقة من وجهة النظر التركية، ومصر لمًا تتعافى بعد ومازالت في حالة ضعف اقتصادي وعدم استقرار داخلي. وبالتالي فإن هذا الفراغ الاستراتيجي يبحث عمن يملؤه حتى لا يترك لايران وحدها. كما أن الشعوب العربية تنتظر ظهيرا معتبرا يعينها على التخلص مما هي فيه. صحيح أن بعض المحللين يذهب على اعتبار أن الربيع العربي عبارة عن مؤامرة تحاك على الأمة وأن الشعوب مجرد أداة لمن يقف خلف هذه الثورات. وسواء كانت الثورات العربية مؤامرة أم حقيقة فلا أحد ينكر أن هناك حراكا شعبيا قويا في الشارع العربي أصبح واقعا وقد ثبت نفسه على الخريطة الجيوسياسية العربية. إن المطلوب هو التعامل مع هذا الحراك فان كان حقيقيا يتم التعامل معه على هذا الأساس ولمصلحة الوطن، وإن كان صنيع مؤامرة فالمطلوب استيعابه بهدوء واحتواء هذه المؤامرة المزعومة دون تحطيم للوطن.

لكن الأمر الأكثر اهمية بالنسبة للدولة السعودية هو ضرورة وضوح الرؤية وعلى أي اساس ستنطلق الاستراتيجية السعودية وما هي ثوابتها ورؤيتها وقيمها وغاياتها وفي أي إتجاه ستسير. كل ذلك يحتاج إلى حوار سعودي داخلي حقيقي وصريح حتى يتم تحديد الحلفاء وطرائق التحرك في هذا الوضع المعقد. وبالتأكيد فإن مصمم الاستراتيجية السعودية لابد له أن يجيب على مجموعة من الاسئلة الحرجة الصعبة منها: ما موقف الاستراتيجية السعودية الجديدة وأين ستتموضع بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة؟ وهل ستبقى في ظلها أم أنها ستستقل وإلى أي حد؟ وإلى أي مدى تستطيع أن تفرض الاستراتيجية السعودية نفسها مقابل الاستراتيجية الأمريكية؟ وهل ستستطيع السعودية تنفيذ استراتيجيتها بعيدا عن الظل الامريكي؟ وأي نوع من الحلفاء سيتم التعامل معهم وخصوصا الاسلام السياسي؟ وهل ستستطيع الاستراتيجية السعودية أن تفرض قيمها تجاه الصراع العربي الاسرائيلي على أرض فلسطين؟ وما هو المدى الذي تستطيع أن تذهب اليه الاستراتيجية السعودية تجاه المقاومة الفلسطينية ؟ مجموعة من الاسئلة الحرجة لابد لمخططي الاستراتيجية السعودية أن يجيبوا عليها بكل وضوح مع أنفسهم. ولو تم فرضا أن حدث اتفاق على احداث تغيير حقيقي في الاستراتيجية السعودية، فهل سيؤخذ القرار؟ ثم، هل ستتوفر الارادة لتنفيذ القرار.

لقد وصلت الاستراتيجية السعودية نقطة حرجة حتى دخلت في فخ التناقض الاستراتيجي والمفارقات غير المتقابلة (strategic paradox) الذي أوصلها إلى حالة لاتستطيع الحراك فيه وتعجز عن اجتراح مبادرات حقيقية. فهي إن انتفضت ودعمت السنة في العراق لتحقيق التوازن الاستراتيجي مع ايران فإن ذلك سيتقاطع مع الولايات المتحدة الامريكية. وإن هي اندفعت نحو الحق العربي في فلسطين لتحقق التوازن مع الاسرائيلي فإن تبعات الاستراتيجة السعودية السابقة بتحالفها مع النظام المصري المحاصر لغزة وموقفها السابق غير الايجابي من حركة المقاومة الاسلامية ستلقي بظلالها، ولكن التحدي الأكبر سيكون مع الاستراتيجية الأمريكية المؤيدة لإسرائيل. وهي إن اندفعت ضد الحوثي بدعم من الاسلام السياسي اليمني والحراك اليمني الشعبي فستجد نفسها في تناقض مع سكوتها السابق عن الحوثي وفي تناقض مع موقفها السابق من الاسلام السياسي، وستجد أن القاعدة ستقاتل بعد حين في صف السعودية مما سيغضب حليفها الأمريكي. وهي إن اندفعت في تعديل مسارها في سوريا تجاه وقفة استراتيجية صارمة توازي على الاقل وقفة المنافس الايراني فإن الاستراتيجة الأمريكية الحليفة لها ستكون بالمرصاد للاستراتيجية السعودية.

في البيئات ذات الديناميكية العالية حيث التعقيد والاضطراب فإن البقاء على نفس الاستراتيجية دون تغيير يقود إلى التدهور والانحدار على المنحنى الاستراتيجي باتجاه نقطة اللاعودة. إن الاستراتيجية شبه الثابته ستواجه بسبب الحراك العالي والتعقيد والاضطراب قوتين الأولى قوة التنافس الاستراتيجي في البيئة الخارجية والثانية وهي قوة التصحيح الاستراتيجي الذاتي وكلا القوتين تعملان باتجاه الدفع نحو انحدار الاستراتيجية القديمة، هذا الدفع الانحداري غالبا ما يؤثر سلبيا على موجه الاستراتيجية القديمة. والاصرار والاستمرار بالتوجهات القديمة غالبا مايؤدي إلى الفشل وتزداد احتمالية الخروج من حلبة التنافس انتهاء إلى الخروج الكلي من البيئة.

إن الحراك العربي ماانفك مستمرا، وايران ستستمر بالتوسع في المنطقة مالم يحدث تغيير في الداخل الايراني، والديناميكية عالية جدا في المنطقة، والاضطراب في سوريا وليبيا واليمن سيرتد أثره على كل البلدان العربية وإن كان بأوزان مختلفة، والتعنت الاسرائيلي سيزداد، وفي المقابل فإن المقاومة الاسلامية في فلسطين من المتوقع أن تستمر، والحراك في العراق من المتوقع أن يتفاقم وسيبقى في اضطراب، وكذلك لبنان فمن الواضح صعوبة وصول الأطراف اللبنانية إلى اتفاق داخلي ينهي الصراع والانقسام الداخلي، وسيبقى الاسلام السياسي حاضرا في المشهد. إن أحداث الربيع العربي ستدفع السعودية دفعا لأن تتخذ مواقف استراتيجية جادة تجاه ما يجري من أحداث في اليمن وسوريا والعراق ومصر وليبيا والبحرين وكل هذه الاحداث في هذه الدول وغيرها ستعكس نفسها بطريقة أو أخرى على الاستراتيجية السعودية بالذات. كل ذلك ومع وصول الاستراتيجية السعودية إلى نقطة الصدمة في اليمن يفرض على الدولة السعودية ضرورة تبني استراتيجية جديدة تستوعب هذا التعقيد وتطور استراتيجية فاعلة تتعامل مع أصحاب الشأن المحليين دون انكار وتحقق أهداف مقبولة للشعوب على مستوى المنطقة. إن الاستراتيجية السعودية مدعوة وبسرعة لإيجاد وبعث دورة حياة جديدة لها منطلقة من استثمار التغييرات والحراك العالي في المنطقة العربية والفرص المتوفرة كوجود حلفاء ذوي اعتبار ووزن في المنطقة مثل تركيا، ,ومصر في حالة تعافيها، وحلفاء محليين مثل قطر، إضافة إلى امكانية توفير حلفاء ذوي وزن شعبي كبير مثل الاسلام السياسي. يضاف لذلك عطش الشعوب العربية لمخلص يحقق شيئا من أحلامها، والشعوب العربية ستبقى وفية لكل مناورة جادة.  مطلوب من الاستراتيجي السعودي أن يغير ويتبنى تعديلات أساسية جذرية وبسرعة حتى يشكل دورة حياة جديدة للدولة السعودية وإلا فإن الاستراتيجية السعودية إذا ظلت على ما هي عليه دون تغيير حقيقي وجذري وسريع فستفقد ميزاتها التنافسية وستزداد اضطرابا وستجد نفسها تنحدر على منحناها الاستراتيجي إلى نقطة اللاعودة.

Advertisements

The Changing process in the Middle East A Strategic Implementation Perspective An Initiative for a Leading Team

No doubt that the Middle East Arab countries are witnessing not only substantial changes but revolutionary ones after high oppression levels, poverty, exclusion of others, and the security-based regimes that have made winds of change inevitable. The changing process in the region is not separated from the surroundings and its external context. No doubt that the neighboring countries are being and are going to be influenced directly. It is very essential for the actors interested in the region to develop appropriate polices and strategies in order to maintain not only the stability in the region but also their strategic interests in this region. Furthermore, it is their duty to participate in spreading freedom and dignity after decades of oppression and humiliation. The changing process In the Middle East needs to be honestly guided to achieve its Noble goals. The paper sheds the light on an initiative for a leading team. Continue reading The Changing process in the Middle East A Strategic Implementation Perspective An Initiative for a Leading Team