الاستراتيجية التركية المستقبلية تجاه الشرق الأوسط

د. وائــل شــديد

استراتيجي وباحث

8 فبراير 2017

منشورة على موقع اكاديميةعلى الرابط التالي:لمزيد من التفاصيل 

https://goo.gl/r0MjKS

 

الاستراتيجية التركية المستقبلية تجاه الشرق الأوسط

مقدمة

لقد وجدت تركيا نفسها منخرطة في الأحداث الجيوستراتيجية في الشرق الأوسط، سواء رغبت بذلك أم لا. تاريخيا كان معظم ما يسمى الآن بدول الشرق الأوسط وعدة دول إسلامية أخرى تحت حكم الإمبراطورية العثمانية، مما أوجد علاقات طويلة وواسعة مع تركيا. وجغرافيا تحتل تركيا موقعاً استراتيجياً بين أوروبا وآسيا، فهي سقف الدول العربية من الشمال، وسواحلها تمتد من البحر الأسود إلى البحر المتوسط. كما أن لها حدودا طويلة مع دول غير مستقرة مثل سوريا والعراق التي تشهد كلتيهما حالة من الفوضى والتعقيد الداخلي. إن هذه الفوضى تؤثر على تركيا كأمر حتمي لا مفر منه. ومن جهة أخرى لدى تركيا حدود مع إيران التي هي اللاعب الجيوستراتيجي الإقليمي الفعال في المنطقة وتحاول أن ترسخ مصالحها الاستراتيجية عبر تدخل علني لتفرض نفسها كجزء من المعادلة الجيوستراتيجية في الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك ليس لدى تركيا أي خيار سوى أن تنخرط بنفسها في الصيغة الجيوستراتيجية من أجل تحقيق مصالحها الاستراتيجية ولتأمين حدودها ولمنع أي تقدم متنام تجاه الداخل التركي. في خضم هذا الفراغ الاستراتيجي في المنطقة تبدو تركيا على أنها اللاعب الجيوستراتيجي الواعد والمؤهل جيداً للعب دورا جيوستراتيجيا في المنطقة.

وتلقي هذه الورقة من خلال أسلوب وصفي وتحليلي الضوء على السياق الجيوستراتيجي في الشرق الأوسط وعلى اللاعبين الإقليميين والدوليين، وتقترح ملامح لمبادرة استراتيجية تركية مستقبلية تجاه الشرق الأوسط.

السياق الاستراتيجي في الشرق الأوسط

يشمل الشرق الأوسط الدول العربية وتركيا وإيران. ويشهد هذا الجزء من العالم اضطرابا وتعقيداً ودينامية عالية جداً. حيث تمر الدول العربية في الشرق الأوسط بتغيرات ثورية حقيقية بسبب الربيع العربي والثورات المضادة له. حيث أصبح عدم الاستقرار وعدم اليقين والفوضى والاضطراب هي السمة العامة للدول العربية التي شهدت الربيع العربي مثل: مصر، واليمن، وسوريا، وليبيا، والعراق من قبلها. أيضاً هناك تفاعلات القضية الفلسطينية والتي هي رمز للصراع العربي – الإسرائيلي. بالإضافة إلى تشكّل بعض التنظيمات الإسلامية المتطرفة في ظل هذه الفوضى، مثل داعش التي برزت كوحش دولي، هذا الوحش استدعى مجدداً الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها وروسيا إلى المنطقة لوضع حد لتوسع داعش.

يحيط بتركيا من الجنوب والشرق سوريا والعراق وإيران. وكل دولة منها لديها اعتباراتها الجيوستراتيجية الخاصة بها. فكلا من سوريا والعراق في حالة عدم استقرار واضطراب هائل. حيث تشهد سوريا صراعاً داخلياً معقداً بين النظام مدعوماً من إيران وروسيا، ومقاتلو المعارضة المدعومين إلى حد ما من بعض الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية وقطر. وتدخلت الولايات المتحدة في الصراع السوري من خلال الحفاظ على التوازن بين الجانبين والأخذ بعين الاعتبار المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، ونزلت روسيا على الأرض السورية لدوافع جيواستراتيجية لتعزز موقعها المضاد للغرب. وبالتالي أضحت المشكلة السورية تعكس الصراع الدائر بين اللاعبين الخارجين أكثر مما تعكس الصراع الدائر بين اللاعبين المحليين.

أما في العراق فالوضع في تعقيد آخر يعكس الصراع بين الشيعة المدعومين من إيران، والأكراد المدعومين من الولايات المتحدة، والسنة وهم بدون أي دعم خارجي. وبهذا يبقي أهل السنة الجزء الأضعف في العراق، وفي نفس الوقت هم الجزء الأكثر أهمية إذا ما أريد تحقيق الاستقرار هناك. لكن الدور السني قُلِّصَ ولا يتم تمثيله كما ينبغي بما يتناسب مع الموارد الكامنة لديهم، وهم كذلك لا يستفيدوا من مواردهم وإمكاناتهم إلى الحد الأقصى، وغير مدعومين ومؤيدين خارجياً مثل الشيعة أو الأكراد، ويعانون من خلافات داخلية، وغير قادرين على ملائمة أنفسهم في موضع استراتيجي يعكس حجمهم الحقيقي، بالرغم من أنهم هم أصحاب الثورة الحقيقيين ضد الاحتلال الأمريكي وقد دفعوا الثمن وقدموا التضحيات لهذه المقاومة.

لقد وصل الشيعة إلى ذروتهم القصوى من خلال حكم العراق بواسطة الدعم الكبير من إيران وبموافقة أميركية. فحشدوا كل مواردهم واستفادوا من كل إمكانياتهم ووصلوا إلى سقفهم الأعلى والذي يبقى أقل مما هو مطلوب للسيطرة على العراق كله. فإمكانياتهم القصوى غير كافية لتحكم العراق حتى مع الدعم الإيراني المطلق. فقد فشلوا في حكم العراق بطريقة متوازنة وذلك لعدة أسباب من ضمنها منظورهم الطائفي، ونقص الخبرة، والاعتماد على محاربين شيعة كُثر، وهوس الانتقام من الآخر، وغياب الروح الوطنية لتوحيد العراق.

ومن جهة أخرى فإن وجهة نظر الأكراد مكرسة تجاه كسب استقلالية أكثر بهدف إنشاء دولتهم المنشودة. فهم يستغلون الحالة العراقية المعقدة لاكتساب مصالح أكثر لأنفسهم، ويبدوا أنهم سيجدو أنفسهم متورطون في صراعات مستقبلية مع عدة لاعبين، مثل العرب، والتركمان وإيران إذا بقوا مصريين على مواقفهم.

عند قراءة الموقف التركي من الصراع التاريخي الأساسي في الشرق الأوسط وهو القضية الفلسطينية نجد أن هناك بعض التطورات الهامة حيث تحول الموقف التركي إلى الجانب المؤيد للقضية الفلسطينية، أي باتجاه حلم الأمة الإسلامية. مما وضعها في قلب تطلعات وآمال الأمة الإسلامية فيما يتعلق بتحرير المسجد الأقصى والقدس وفلسطين. وعلاوة على ذلك فإن شعبية تركيا وقادتها تتزايد بسرعة بين العرب والشعوب الإسلامية. ومن جهة أخرى فقد أظهر الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية موقفاً صلباً في مواجهة الحروب الوحشية للاحتلال الإسرائيلي خاصة في غزة بالإضافة إلى إصرار الشعب الفلسطيني وصموده في وجه الاحتلال الإسرائيلي في القدس والضفة الغربية. هذا الإصرار الفلسطيني المتواصل غير المسبوق خلال أكثر من 70 سنة يشكل قاعدة صلبة لأية تحركات استراتيجية، بمعنى آخر يشكل رهاناً رابحاً لأية مناورة جيواستراتيجية جدية في المنطقة.

 

اللاعبون الجيوستراتيجيون الإقليميون

يوجد عدد من اللاعبين الإقليميين في منطقة الشرق الأوسط من ضمنهم مصر، والمملكة العربية السعودية، وإيران، وتركيا. أما بالنسبة لمصر فهي تعيش حالة اضطراب بعد الانقلاب وما تزال غير مستقرة وبالتالي لم يعد باستطاعتها أن تكون لاعباً جيوستراتيجياً مؤثراً حتى هذه اللحظة. وما لم تصل مصر إلى حالة استقرار فستبقى غير قادرة على لعب دور جيوستراتيجي مؤثر في المنطقة.

وفي المقابل لا تبدي المملكة العربية السعودية أيّة استراتيجية واضحة في المنطقة. وبدلاً من ذلك فإنها تنأى بنفسها وترفض التعامل مع ما يسمى بالإسلام السياسي مما موضع المملكة العربية السعودية في زاوية الطرف المعادي لثورة الربيع العربي من خلال دعم الانقلاب في مصر ومعاداة الثورة في اليمن قبل سطوة الحوثي على الموقف. هذا الموقف السعودي من الربيع العربي متناغم مع موقف الولايات المتحدة. وقد أحجمت المملكة العربية السعودية في الماضي وحتى هذه اللحظة عن تقديم دعم سياسي حقيقي لسنة العراق، على الرغم من أنهم كانوا ومازالوا يرزحون تحت معاناة شديدة من الحكومة الشيعية التي تم تعزيزها بشكل واضح من إيران. أيضاً لا تبدي المملكة العربية السعودية دعماً واضحاً للمقاومة الفلسطينية في مواجهتها مع الاحتلال الإسرائيلي في الحروب السابقة في غزة، واكتفى الموقف السعودي بالتزام الموقف الرسمي المتماشي مع توجهات اللجنة الرباعية. فأصبح الموقف السعودي يتماشى تماماً مع وجهة نظر الولايات المتحدة فيما يخص المقاومة الفلسطينية. من جهة أخرى لا تبدي المملكة العربية السعودية أية استراتيجية مستقلة واضحة فيما يتعلق بالمشكلة السورية في حين أن إيران تدعم النظام السوري بكل قدراتها المالية والبشرية والعسكرية. ومرة أخرى يبدو الموقف السعودي غير قادر على فرض رؤيته ولا يستطيع تجاوز الرؤية الأمريكية مما أظهر السعودية وكأنها تقوم بأفعال تصب في المصلحة الاستراتيجية الأمريكية أكثر منها في المصلحة السعودية أو العربية. وعلى ذلك يمكن اعتبار المملكة العربية السعودية كتابع أكثر منها كلاعب جيوستراتيجي مؤثر.

وتظهر تركيا بتغيراتها الجيوستراتيجية بعد وصول أردوغان وحزبه للحكم وكأنها فارس الأحلام، وتبدي تركيا موقفاً واضحاً تجاه القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى، وتتخذ موقفاً صارماً حيال الأفعال العدائية لإسرائيل. وفي المقابل فإن تركيا تحت اختبارٍ كبير فيما يخص استقرارها الداخلي بسبب المعارضة الداخلية والدولية. وحتى الآن استطاع أردوغان مع حزبه أن يتغلب على الاضطرابات الداخلية ومنعها من تحقيق زعزعة الاستقرار الداخلي. وبالرغم من الأحداث الخارجية المحيطة بها إلا أنها ظلت لوقت قريب متحفظة في المجال الجيوستراتيجي الخارجي نتيجة لنقص الاستقرار الداخلي، ولعدم بلورة رؤية جيواستراتيجية في ظل هذه البيئة المعقدة، ولأنها ماتزال في مرحلة انتقالية. لذلك ركزت القيادة التركية على القضايا الداخلية والاستقرار أكثر من الأحداث الخارجية، خاصة مع هكذا أحداث خارجية معقدة، ومع ذلك تبقى لاعباً جيوستراتيجياً واعداً فيما يشاهد اللاعبون الإقليميون والدوليون الآخرون ويرصدون تطور هذا الاعب المتَوقع الجديد. ومما لا شك فيه ان الاستراتيجية التركية بعد فشل الانقلاب قد انطلقت نحو التعامل مع الفضاء الاستراتيجي الخارجي بشكل واضح واندفعت في قوات درع الفرات نحو فرض واقع على الأرض في الشمال السوري.

في الحقيقة، إن اللاعب الجيوستراتيجي الفعال الوحيد في المنطقة هو إيران، فإيران لها تاريخ طويل من التدخل في المنطقة منذ أيام الشاه الذي لعب دور الشرطي عن الولايات المتحدة في منطقة الخليج. لقد اعتبرت إيران البحرين جزءا من إيران، واحتلت الجزر الإماراتية الثلاثة. لقد عادت الرغبة الإيرانية في التوسع مرة أخرى بعد الثورة الإسلامية عندما حاولت أن تصدّر الثورة إلى دول إسلامية أخرى، ثم هدأت قليلا ثم عادت الرغبة في التوسع مجدداً وبشدة أكثر تحت مصطلح “حماية المصالح الاستراتيجية الإيرانية”. ولم تقف إيران عند هذا الحد لكنها تجاوزته بدعم الأحزاب الشيعية في لبنان والعراق والبحرين واليمن التي أصبحت ذراعها في نشر استراتيجيتها ومصالحها في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك فقد نجحت إيران في اختراق العراق بعد صدام حسين، وأصبحت المحرك الرئيسي للأحداث الداخلية في العراق، كما استطاعت أن تستغل تأثيرها في العراق في المفاوضات النووية مع الغرب. لقد أصبحت العراق تماماً كما ترغب إيران: عراقٌ ضعيف خاضع لحكومة شيعية مع أدوار متواضعة للسنة، وبالتالي استطاعت إيران أن تستثمر الحالة العراقية إلى حد كبير لتحقيق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. كما استطاعت إيران أن تحقق تغلغلاً عميقا في لبنان من خلال حزب الله ودفعه للقتال في سوريا.  وفي جميع الحالات فإن التدخل الأوضح لإيران هو في سوريا، حيث تتواجد بصورة مباشرة عبر إرسالها الحرس الثوري للمشاركة في الحرب ضد المعارضة، وبدفع أذرعها من المليشيات الشيعية مثل حزب الله والمليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية للقتال بصورة مباشرة في سوريا بحجة الدفاع عن النظام السوري. كما تعمقت إيران في جنوب غرب الجزيرة العربية حيث اليمن بدعم الحوثيين أيضاً لتثبت وتعمق مصالحها في تلك المنطقة. إنه توسع إيراني واضح فهو يستغل حالة عدم الاستقرار والاضطراب في محاولة لإثبات قوتها ومصالحها وتأثيرها وهكذا تكون إيران هي اللاعب الجيوستراتيجي الإقليمي الفعال الوحيد الذي يتدخل بصورة مباشرة وغير مباشرة في كل أرجاء منطقة الشرق الأوسط.

اللاعبون الجيوستراتيجيون الدوليون

الدول الشرق أوسطية مثل: مصر، وسوريا، وتركيا، والعراق، والمملكة العربية السعودية، ومنطقة الخليج، وفلسطين موجودون في قلب المصالح الجيوستراتيجية للولايات المتحدة، وأوروبا، وروسا، والصين. إذ يقع الشرق الأوسط في مكان استراتيجي مميز فهو يحتوي على أغنى مصادر الطاقة مثل النفط والغاز والطاقة المتجددة، أي الرياح والشمس. إن موقعه الجيوستراتيجي يجلب اهتمام الآخرين إليه جلبا، فالعيون على المنطقة طوال الوقت. وأصحاب المصالح الخارجية لن يتوقفوا عن التدخل في المنطقة لدوافع وأهداف مختلفة، زد على ذلك الصراع العربي-الإسرائيلي وهو سببٌ آخر للاهتمام والتركيز على هذه المنطقة. كما أن دول الشرق الأوسط تقع في نطاق “حزام الاستقرار” بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا، وحزام الاستقرار هو المنطقة المحيطة بروسيا وأوروبا الشرقية من الجهة الجنوبية.  كما تسيطر دول الشرق الأوسط على طرق ملاحة بحرية وممرات جوية هامة، وتفصل روسيا عن المياه الدافئة. بالإضافة لذلك هناك الصراع العربي-الإسرائيلي، الذي يؤثر على الجيوسياسية الداخلية لمعظم دول الشرق الأوسط، ويؤثر على التحركات الجيوستراتيجية الخارجية في المنطقة أيضاً.

ووفقاً لذلك فإن المنطقة تحت تركيزٍ ليس فقط من القوى العظمى بل من القوى الناشئة أيضاً مثل الصين. ويضاف إلى ذلك العديد من المشاكل الجيوسياسية الخطيرة في دول الشرق الأوسط كغياب الديمقراطية، والحوار، والتسامح، وفن الاختلاف، والانقسامات الطائفية، والمشاكل السياسية القومية، والأيديولوجيات القسرية، وقلة القواعد المشتركة في البلد نفسه، وعدم قبول الرأي الآخر، والاقصاء، والتهميش، والمفاهيم الخاطئة، وإثارة وإعادة الأحقاد التاريخية إلى الذاكرة. هذه المشاكل الجيوسياسية الخطيرة تولّد قضايا جيواستراتيجية صعبة وأزمات تؤدي إلى مواجهات إقليمية معقدة. إن مثل هذه المواجهات الجيوستراتيجية تخلق منافذاً سهلة لتدخل دولي في المنطقة.  تحت بند الحاجة إلى الحماية. حيث أن القوى العظمى لها مداخل مختلفة للتدخل في السياسات الداخلية والخارجية للشرق الأوسط. فأحد أنواع المداخل هو مدخل الحماية من قوى إقليمية أخرى كما هو الحال في بعض دول الخليج العربي الطامحة في حماية أمريكية ضد تدخلٍ إيراني متوقع في دولها. وهناك مدخل امتلاك الأسلحة للوصول إلى تكافئ استراتيجي مع معارضين آخرين في المنطقة، مما يفتح الباب على مصراعيه على تدخل جيوستراتيجي كبير كما حدث إبان غزو الكويت، ثم غزو العراق في 2003، ثم التدخل الروسي في سوريا. ومن قبل اندفاع بعض الدول لطلب الحماية الأمريكية ضد حركة التوسع الإيرانية وتصدير الثورة وبالتالي التوجه بعيداً نحو تعزيز أمنهم متحالفين مع واشنطن. وهناك أيضا المدخل الاقتصادي والتكنولوجي للمساعدة في استخراج الموارد الطبيعية ولتطوير البلاد وهو يمهد الطريق لهذه التدخلات أيضاً. وليس ذلك فقط بل أصبح وللأسف مبدأ السيادة قابلاً للمساومة.

ورغم أن القوى الأوروبية لها اعتبار جيد في المنطقة غير أن الاقتصاد الغربي الضعيف في ظل الأزمات الاقتصادية الحالية منذ عام 2008 لن يسمح للغرب بأن يكون قادرا على فرض قيادته ورغباته على المنطقة كما كان في العادة.  وما من شك فإن الولايات المتحدة هي القوة الأساسية في وتلعب دوراً حيوياً في تشكيل استراتيجية المنطقة وتبقى هي اللاعب الجيوستراتيجي الأساسي.

الجيوستراتيجية التركية المستقبلية

في هذه البيئة الخارجية المضطربة والمعقدة لن تستطيع تركيا أن تقف على الحياد بدون تحركات جيواستراتيجية، فحتى لو رغبت في أن تفصل نفسها عن الأحداث الديناميكية العالية الخطورة فسينتهي المطاف بهذه الأحداث إلى أن تنتقل وتضرب تركيا من الداخل.

مخاوف تركيا الخارجية

في الحقيقة إن إحدى المخاوف الرئيسية هي القضية العراقية التي كانت أول حدث. والعراق كواحد من البلدان الهامة في المنطقة يعاني من اضطراب دائم منذ عام 1990 وحتى الآن. ومازالت الحالة هناك متصاعدة وتتطور باتجاه التعقيد يوماً بعد يوم وهذا من آثار الاحتلال الأمريكي، والتباينات الديموغرافية، والنزاعات الداخلية، وكذلك مشكلة داعش والتدخلات الدولية والإقليمية كلها تساهم في اضطراب المشهد العراقي. والعراق بتعقيده وغموضه يجاور تركيا ويحدث تأثيراً في العديد من شؤونها مثل السياسة الخارجية، والعناصر الداخلية، والقضية الكردية، والعلاقات الاقتصادية.

وهنا تبرز بقوة مجموعة من المخاوف قادمة من العراق ولها تأثير سلبي على تركيا، منها كيفية الحصول على معلومات كافية لإدارة نتائج التعقيدات العراقية، وكيفية تجنب استعمال القوة والتورط المباشرة في حل المشاكل الناجمة عن الوضع هناك، ومخاوف من جر تركيا إلى الدوامة العراقية، ومخاوف بأن تصبح مشتتة الانتباه بإدارة الأزمات أكثر من إيجاد حلول جذرية وحقيقية، ومخاوف من توسع إيراني في المكونات العراقية يمتد نحو تركيا، ومخاوف من استغلال الأكراد في الجانب العراقي لمشكلة حزب العمال الكردستاني.

أما القلق الآخر فهو المنبثق من سوريا متمثلاً بالعدد الكبير من اللاجئين السوريين في تركيا والمتزامن مع نتائج اجتماعية واقتصادية وسياسية سلبية. وأيضاً الارتباك السياسي الناجم عن الصراع العسكري بالقرب من الحدود مع سورية، كالمواجهات الدائرة عند نقاط العبور والحدود البرية، إضافة لذلك العداوة التي تعززت بين النظام السوري والحكومة التركية والتي قد تؤدي إلى أعمال عدائية من قبل النظام السوري داخل تركيا، أو استغلال بعض أفراد الطائفة العلوية التركية لزعزعة الأمن والسلم الداخليين، وإمكانية استغلال تداعيات المشكلة السورية من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، وروسيا، لفرض نوعٍ من الضغط عليها.

أما القلق الثالث فهو المشكلة الفلسطينية والعناد الإسرائيلي. في الواقع هذا القلق جليٌّ لأن قادة حزب العدالة والتنمية يعتبرون المساعدة في قضية المسجد الأقصى، والقدس، ودعم الشعب الفلسطيني واجباً دينياً. إن العناد الإسرائيلي أدى إلى مقتل عددٍ من النبلاء من الشعب التركي كانوا على متن سفينة مساعدات إنسانية، مما أدى إلى نزاع سياسي جدي مع إسرائيل، لذلك فإن هذا الصراع المستمر في فلسطين سيؤثر على الاستراتيجية التركية أيضاً، وسيلقي بظله على سياساتها الخارجية.

السياق الجيوستراتيجي بخصوص تركيا

إن عملية التغيير في المنطقة ليست منفصلة عن البيئة المحيطة، وما من شكٍ بأن دول الجوار تتأثر بصورة مباشرة، وفي وسط هذا التعقيد وجدت تركيا نفسها متورطة، ليس لأنها ترغب في الانخراط، بل لأنه فرض عليها بسبب موقعها الجغرافي، والمتطلبات الدولية، والمسؤولية الإنسانية، والواجب الإنساني. والتحرك التركي الأخير باتجاه الداخل السوري لم يكن خيارا بل اجبارا للانخراط في هذه الصيغة الجيوستراتيجية الإقليمية، وإلا فإنها ستدفع ثمناً أغلى داخلياً وخارجياً وستظهر نتائجه سلباً على المكونات السياسية والاجتماعية الداخلية التركية. ليس هذا فحسب بل ستجد نفسها محاطة بمصالح استراتيجية لدول أخرى، مما سيؤدي إلى تآكل مصالحها. على الرغم من أن تركيا اتجهت نحو صفر مشاكل خارجية في السنوات الماضية إلا أن الواقع فرض أحداث خارجية ضخمة تضاعفت أكثر مما أملت. في واقع الأمر تواجه تركيا حالة جيواستراتيجية معقدة تستوجب تكيفاً سريعاً، وتحديدا لموقعها الجيوستراتيجي، وإلا فإنها تخاطر بنفسها إذا ظلت ثابتة في موقفها دون أي مناورة استراتيجية، إذ أنه من وجهة النظر الاستراتيجية فإن البقاء على حالة وضع السكون في بيئة معقدة سيمكّن القوى المنافسة وقوى التوازن الاستراتيجي الداخلية من دفع الكيان (تركيا) نحو نقطة اللاعودة.

ويظهر في السياق المنافس الآخر وهو إيران التي اندفعت بقوة في المنطقة للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية إلى الحد الذي أصبح فيه من الصعب تطوير تفاهم مع إيران لتهدئة المنطقة. وما لم يكن لدى تركيا القوة لتكون لاعباً مهماً في الصيغة الجيوستراتيجية سيكون من الصعب وضع حدٍ لتأثير توسع المصالح الإيرانية عليها داخلياً وخارجياً. لقد أصبح واضحاً على وجه التحديد أن المصالح الإيرانية تعارض المصالح التركية في المنطقة، ليس في العراق فقط بل في سورية أيضاً. إن الاندفاع الإيراني حافزٌ آخر لتركيا لتصبح جزءا من الصيغة الجيوستراتيجية في المنطقة بدلاً من كونها مراقباً فقط.

وهنا تجدر الملاحظة أنه بالرغم أن إيران واحدة من اللاعبين الرئيسيين إلا أنها هي ذاتها تعاني من التعقيدات في العراق وسوريا بل في المنطقة كلها. لقد اقحمت إيران نفسها في العراق إلى حد كبير ثم اقحمت نفسها في سورية ثم في اليمن، مما يشير إلى أن إيران تغرق الآن في ثلاثة مستنقعات. وفي نفس الوقت تعاني إيران من العقوبات الاقتصادية وإنفاق الكثير من الأموال على مشروعيها النووي والصاروخي اللذان يستهلكان الكثير من دخلها القومي. إذاً، الغرق في ثلاثة مستنقعات مترافقٌ مع عقوبات اقتصادية يشير إلى أنه ليس من السهل على إيران أن تتحمل أربعة أعباءٍ ثقيلةٍ معاً وهي: العراق، وسورية، واليمن، والمشروع النووي. وعلى ذلك فإن إيران معرضة لصعوبات جمة ولفشل في خطتها الجيوستراتيجية في ظل هذه الظروف، أو أنها ستدفع ثمناً باهظاً لتعزيز مصالحاها التي ستهدد جدياً وضعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي. إضافة إلى ذلك، فهناك روسيا التي انغمست في التعقيد في سبتمبر 2015 ولم يكن التدخل الروسي لأسباب سياسية روسية داخلية ولا لأسباب اقتصادية ظاهرة إنما لمصالح جيواستراتيجية بحتة من خلال فرض نفسها في المعادلة الاستراتيجية في الشرق الأوسط وأروبا لتستعيد مجدها السابق ولتعزيز موقفها في أوكرانيا، وبذلك تصبح روسيا عاملا مؤثرا في التموضع الاستراتيجي التركي.

وبالتالي، فأنه من المنظور التركي، فقد تجمعت مجموعة من المخاوف الاستراتيجية الحقيقية منها على سبيل المثال لا الحصر: صدى المواجهات الداخلية السورية عليها، والقلاقل التي قد يسببها النظام السوري في الداخل التركي، ومشكلة اللاجئين السوريين وتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية، وآثار القلاقل في العراق، والاستغلال الإسرائيلي أو الأمريكي لهذا الوضع والضغط عليها، والموقف الأمريكي السلبي والمتمثل بدعمه لأكراد سوريا على الحدود التركية، والمشكلة الكردية الداخلية، والتحالف الروسي الإيراني في سوريا، والتوجه الطائفي الإيراني في المنطقة، وعواقب الانقلاب العسكري الفاشل. وبناء على كل ذلك فان الانخراط التركي في تعقيد البيئة الخارجية قد يكون أصبح حتمية استراتيجية لحمايتها من ارتدادات التدخلات الخارجية، ولإعاقة تقدم الخطر الخارجي نحو الداخل التركي، وللمحافظة على المصالح التركية في المنطقة. علما بأن مثل هذا التوجه يستوجب عليها امتلاك عناصر وأدوات القوة الاستراتيجية قبل انغماسها فيه. وبالرغم من هذا التعقيد إلا أن هناك مجموعة من الفرص التي تستطيع تركيا استغلالها لتشكيل استراتيجيتها.

  بما أن اللاعبين الآخرين هم أنفسهم غير متأكدين من صوابيه خطواتهم القادمة فإن ذلك يعطي تركيا فرصة لموضع قدم مناسب لها، كما أن جميع المناورات والتحالفات والنوايا أصبحت معروفة وبالتالي أضحى فهم اللعبة سهلا. كذلك فإن جميع اللاعبين أصبحوا تحت ظروف التعقيد وعدم اليقين والضعف في التنبؤ ويجدر التنويه إلى أن حدوث تغيرات درامية واردة في ظل هذه الظروف إلا أن أقل المتضررين هو الأكثر جهوزية. وكما أن لإيران أذرع محلية في المنطقة، فإن على تركيا أن تشكل لها أذرعا حتى تستطيع المناورة على الأرض خصوصا أن الموقف التركي من القضية الفلسطينية أوجد لها قبولا في الشارع العربي والإسلامي ممكن أن يسهل تشكيل تحالفات شعبية وسياسي رسمية مع السعودية وقطر وغيرها من الدول.

وبناء عليه فإنه بإمكان تركيا تطوير مبادرة جيواستراتيجية باتجاه الشرق الأوسط وستطرح تركيا هذه المبادرة كلاعب أساسي في المنطقة بدلاً من ترك الملعب للآخرين ليفرضوا استراتيجياتهم ومصالحهم، كما أن ملأ الفراغ سيمنع الآخرين من التدخل لوحدهم في المنطقة، وستحد من التأثير على المصالح التركية، علاوة على ذلك فالمبادرة الجيوستراتيجية ستساعد في تحقيق توازن في العلاقات الإقليمية السياسية، وستوجد حراكا سياسيا بين الحكومات والكيانات الجديدة المتوقعة، وستدعم المكون السني الذي يشكل حجر زاوية في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، مضافا لذلك تطبيق دور أخلاقي وتأدية واجب إسلامي أيضاً.

ملامح المبادرة الجيوستراتيجية التركية المستقبلية

بما أن هناك فراغ استراتيجي في المنطقة فيجب أن تشغل تركيا حيزاً بارزاً فيه، وإلا فإن هذا الفراغ سيملأ تماماً بواسطة لاعبين آخرين، هذا الفراغ لا يجذب القوى الأجنبية العظمى فقط، بل يجذب القوى الناشئة في المنطقة، مثل إيران، وفي نفس الوقت جذب وسيجذب قوى صاعدة أخرى، مثل الصين، وروسيا. أما في حقبة أوباما فقد انكفأت واشنطن عن المنطقة معتمدة على حلفائها لتأدية مصالحها الاستراتيجية المطلوبة. وهم من الدول الأعضاء في الناتو ودورهم الاستراتيجي مقدر تماما من قبل الولايات المتحدة وأروبا، على الرغم مما يبدو من صعوبة الموقف فليس من المستحيل تغيير الوضع الجيوستراتيجي في المنطقة. خاصةً وأن هناك حدٌ لقوة الولايات المتحدة وقدراتها في السيطرة على المتغيرات الاستراتيجية المستقبلية.

إن تغيير الخريطة الجيوستراتيجية يستلزم استيعاباً للحالة الجيوستراتيجية تحديداً حاجات القوى العظمى، ومعرفة بالإمكانات والقدرات الإقليمية وحدودها. وتركيا لديها إمكانيات اقتصادية عظيمة وموارد طبيعية وتمثل أحد ركائز مكونات الأمة الإسلامية وهم (العرب، والترك، والفرس). وعليه فإن تركيا مؤهلة تماماً لتخطو خطوة نحو تبني مبادرة جيواستراتيجية منطقية وجدية.

وفي المقابل فإن العرب وهم الأضعف في السياق الجيوستراتيجي مطالبين بالمثل أيضاً. فمشكلة العرب هي في عدم وجود ممثل لهم متفق عليه مثل الأطراف الأخرى مما يتركهم دون وحدة وفي تفكك، جاعلاً إياهم في موضع هشّ ومن السهل أن يتم التلاعب بهم من قبل القوى الخارجية. في المقابل تواجه الأمة العربية في معظمها عملية تغيير حادة في دولهم بما يسمى بــ “الثورات المضادة” ضد “الربيع العربي” وقد دفعوا ومازالوا يدفعون ثمناً باهظاً لتحقيق التغيير. حيث قتل مئات الألوف منهم وشرد الملايين في عملية التغيير القاسية هذه. إن هذا الوضع يزيد من الضغط على تركيا لتقود التغيرات الجيوستراتيجية في المنطقة حتى تتعافى الأمة العربية (الحليف المستقبلي لها) من نتائج عملية التغيير الحادة هذه.

وهنا ينبغي لتركيا عند التقدم باتجاه المبادرة الجيوستراتيجية المستقبلية ملاحظة بعض المحددات والتي من ضمنها على سبيل المثال لا الحصر: الاستقرار الداخلي التركي من ناحية التماسك الاجتماعي والوضع الاقتصادي اللائق والاستقرار السياسي. طبعاً إن الاستقرار لا يعني صفراً من المشاكل، لكن الاستقرار يعني أن المشاكل تتجه نحو حدها الأدنى، أو أنها عند درجة معقولة تجعل التحرك نحو مبادرة جيواستراتيجية ممكنا. بالإضافة إلى ذلك فإن هذه المبادرة تتطلب دعماً من الشعب التركي مع تطوير عوامل داخلية مهمة مثل بلورة رؤية جيوسياسية محلية للانتقال نحو الاستراتيجية الإقليمية. إن التركيز على الأولويات الداخلية يجب أن يظل مستمراً للحفاظ على الازدهار الداخلي حياً. كما يجب الانتباه إلى عدم الانزلاق نحو التشتت وفقد التركيز والتوجه نحو معالجات سطحية في إدارة الأزمات في دول الجوار وتجاهل الأسباب الحقيقية وعدم تقديم الحلول الجذرية. وعلى هذا الأساس يمكن لتركيا أن تستفيد من عدة معطيات في صياغة وتصميم مبادرتها الاستراتيجية مثل:

  • السنة في العراق وهم الجزء الأضعف فيه لكنهم يمثلون حجر الزاوية في العراق فما من حل دائم يمكن أن يصمد دون موافقتهم.
  • جزء – معتبر -من الأكراد شمال العراق الساعين إلى إنشاء الدولة الكردية يرغبون في إقامة علاقات جيدة مع تركيا، على الرغم من وجود حزب العمال الكردستاني.
  • الحركة الإسلامية المعتدلة التي أثبتت أنها متجذرة في العالم العربي، وقد فازت في العديد من الانتخابات كما حدث في تونس، ومصر، والمغرب. وهم لاعبون رئيسيون في اليمن، وليبيا، والسودان، والكويت.
  • جزء كبير من الشعب العربي يدعم الموقف التركي وخاصة أردوغان الذي يتمتع بشعبية كبيرة، ليس فقط في العالم العربي فحسب بل في الأمة الإسلامية أيضاً.
  • معظم أطياف المعارضة السورية الذين أثبتوا مقدرتهم على الوقوف وتحدي النظام السوري على الرغم من الدعم الروسي والإيراني
  • العديد من علماء المسلمين الذين يمثلون كيانات إسلامية عديدة ومرجعيات دينية ذات وزن وثقل ومصداقية.

إن المبادرة الجيوستراتيجية المقترحة ضرورية لتركيا للوصول إلى نقطة التكافؤ الجيوستراتيجي مع اللاعبين الإقليميين. بعد الوصول إلى نقطة التكافؤ هذه يمكن تطوير فهم إقليمي مشترك بهدف تجنب مواجهة استراتيجية والاستفادة العادلة من الفرص الاستراتيجية المتاحة. ثم بعد ذلك التقدم نحو مرحلة الإدارة التكاملية للمصالح الاستراتيجية حيث يتمكن اللاعبون الإقليميون من إدارة مصالحه استراتيجية لوحدهم، وبعد ذلك الوصول إلى نقطة تكافؤ أخرى ولكن هذا التكافؤ سيكون مع اللاعبين الدوليين، لكي يستطيعوا تطوير مبادرات جيواستراتيجية إقليمية ودولية متماسكة.

بالرغم من الوضع الحالي بالغ التعقيد، إلا أن تركيا مع تحالفاتها المستقبلية ما تزال قادرة على لعب دورٍ مهم في تشكيل هذه النقلة الجيوستراتيجية وتحقيق الأهداف والنتائج اللازمة، آخذين بعين الاعتبار أنه وعند تنفيذ المقاربة الاستراتيجية قد لا تتناسب المخرجات مع المدخلات بسبب النمط غير الخطي للحالة المعقدة. لذلك على تركيا أن تكون مستعدة لتكيفٍ سريعٍ مع أية تطورات خلال هذه العملية لمواجهة الحالات المعقدة بطريقة مرنة وليست جامدة.

الخلاصة

يشهد الوضع العام في منطقة الشرق الأوسط تغيرات جيواستراتيجية عميقة نتيجة للربيع العربي وارتداداته في المنطقة، ونتيجة للتورط الإيراني الطائفي، والتدخل الروسي، والانكفاء الأمريكي عن المنطقة، وتعكس هذه الدينامية العالية تغيرات استراتيجية حقيقية على تركيا بشكل خاص.

كما تتعرض منطقة الشرق الأوسط لحالة من الاضطرابات والتعقيدات حيث تتدخل بها القوى العظمى ليس في سياساتها الإقليمية فحسب بل حتى في سياستها الداخلية. وبالرغم من ذلك فإن للقدرات الأمريكية والقوى الكبرى الأخرى حدودا لا تستطيع تجاوزها، مما يفسح المجال لطرح مبادرة جيواستراتيجية على مستوى المنطقة.  وبما أن تركيا حققت مستويات اقتصادية مميزة وتحاول جاهدة للوصول إلى استقرار سياسي داخلي، ووقفت بجانب الشعوب العربية، ولا تضع عقبات في وجه التعامل مع الحركات الإسلامية المعتدلة الجادة أو ما يسمى بالإسلام السياسي فإنها مؤهلة للتقدم بمبادرة استراتيجية للمحافظة على مصالحها الاستراتيجية ولتقود المنطقة نحو التوازن والاستقرار. وهذا يستلزم من تركيا تبني استراتيجية متطورة ومدروسة بشكل جيد من أجل تأمين مصالحها الاستراتيجية الخارجية، وتأمين حدودها، ولتكون جزءا معتبرا من أي معادلة استراتيجية تتشكل في المنطقة.

 

Advertisements

انتهاء عصر الحركة الإسلامية التقليدية

د. وائل خليل شديد

استراتيجي وباحث

25/12/2015

 

انتهاء عصر الحركة الاسلامية التقليدية

 

يأتي هذا المقال كتطوير لمقال كتبته منذ أشهر عن ضرورة التغيير الكلي للحركة الإسلامية خشية الدخول في مرحلة الموت السريري، وفي هذا المقال بعض الاضافات على المقال السابق خصوصا بعد التغيرات المتسارعة في منطقتنا العربية.

تصدرت الحركة الاسلامية بمفهومها الواسع تفاعلات مجتمعاتها وبلدانها وكان لها إسهاماتها الفكرية والدعوية والسياسية والاجتماعية إضافة لتقديمها نخبة من المفكرين والعلماء والدعاة. وخاضت الحركة الإسلامية في تاريخها الطويل تجارب عديدة متنوعة. ولا شك فإن جماعة الإخوان المسلمين وهي أكبر هذه الجماعات وأطولها عمرا من حيث البنية والتماسك، وخاضت تجارب مختلفة من سياسية واجتماعية ودعوية وفكرية ونقابية. كما خاضت تجارب متنوعة مع الأنظمة الحاكمة، فمنها الهادئ ومنها العاصف ومنها ما بين المنزلتين ووصلت الى سدة الحكم في الانتخابات الرئاسية في مصر، وشكلت الحكومة في تونس والمغرب. ولقد تميز مؤسسها حسن البنا بأنه استطاع في وقت مبكر أن يقدم بانوراما إسلامية واسعة من حيث: النظرة والاستراتيجية والفهم. ولم يتمكن أحد من بعده أن يقدم طريقة أو آلية واضحة المعالم في كيفية إسقاط هذه البانوراما على الواقع. وظلت الجماعة تنادي بشعار إقامة الدولة الاسلامية (أو الحكم الإسلامي) دون تحديد خارطة طريق واضحة. لقد كانت الخارطة العامة إصلاح الفرد ثم الأسرة ثم المجتمع ثم يأتي إصلاح الحكم، لكن هذا الطريق عام جدا وليس بالضرورة أن هذه الانسيابية في عملية التغيير حتمية. وهي كذلك ليست قطعية الانتقال من مرحلة إلى أخرى، ولم تبين شروط الانتقال بين المراحل. وظلت جماعة الاخوان المسلمين منذ ذلك التاريخ وإلى الآن وهي في إطار هذه المفاهيم تقريبا. والمستقرء لمسار الحركة التفاعلي يمكن أن يستنتج أن المخاضات التي عاشتها على تنوعها وكبرها في بعض البلدان لم تكن في سياق التخطيط أو البناء على فكر واضح أو من خلال عملية تغيير واضحة المعالم. في حقيقة الأمر بدت عملية التغيير قائمة على التفاعل مع الأحداث وردات الفعل، وعلى تطور الأحداث وتفاعل المتغيرات ومحاولة استغلال الفرصة بشكل من أشكال التفاعل الحي الذي ينقصه التخطيط المسبق والإعداد والتجهيز، ولهذا كانت التجارب وخصوصا ما حدث في مصر وتونس وليدة اللحظة ووليدة التفاعل مع الأحداث وتطورها لا نتيجة ترتيب وتخطيط معد له.

خاض باقي طيف الحركة الاسلامية تجارب متنوعة، فانتهجت جماعة التبليغ منذ تأسيساها وإلى اليوم نهج الدعوة، وإلقاء بذرة الخير لعلها تثمر يوما ما. وخاضت الحركة السلفية وتطورت في تجربتها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار فمن مجموعات لاتجيز الخروج على الحاكم إلى مجموعات  تكفر الحاكم والمحكوم. وانتجت نهجا ميزته الغالبة التشدد وعدم اللين والدخول في تفاصيل جزئية والتشدد فيها، والابتعاد عن حقيقة التغير المجتمعي، وعدم الالتفات إلى هوان الأمة على الناس وضعفها أمام الدول العالمية الأخرى وضياع سيادتها. إلى أن الحركة السلفية عموما شهدت تغيرات داخلية انقلابية فظهر منها من أعاد حلة ما كان قد حرم مثل التصوير واستخدام وسائل الإعلام  بكل أشكاله، والتحدث إلى عامة المسلمين بعيدا عن لغة التشدد، ومنهم من تطرف إلى أقصى درجات التطرف فانتقل إلى دائرة التكفير والحكم بردة من ليس معهم وإباحة قتل المسلمين بحكم الردة. صحيح أن هناك بعض الشخصيات السلفية نحت منحى الاعتدال والحوار مع الأطياف الإسلامية الأخرى ورأب الصدع إلا أن الفكر السلفي مازال بسمته العامة  مفتقرا لأمرين مهمين هما: التوازن، ووضوح منهج التغيير والاتفاق الداخلي عليه. ومازال الفكر السلفي يراوح بين نقيضين في التغيير من مهادنة الحكام والولاء لهم إلى التكفيروقتال الحكام وكل من يخالفهم الرأي.

ولما كانت جماعة الإخوان المسلمين هي أقدم هذه الجماعات وأكثرها تنظيما وأكبرها عددا وانتشارا وخاضت تجارب كبيرة فإن الحديث سيتركز عليها بشكل عام. إن تقييم جماعة الإخوان المسلمين بتاريخها الطويل وتجاربها لا يمكن أن يكون في في مقال، إلا أن الأمر يستحق الإطلالة الأولية في منحاها الاستراتيجي العام وليس في تفاصيل الأحداث والتكتيكات والمناورات والتفاعلات الداخلية، ذلك لنخرج أنفسنا من عنت تقييم الأنشطة والأهداف التفصيلية والمناورات الآنية ومدى فاعليتها، إذ إن ذلك شأن داخلي لايستطيع المراقب الخارجي معرفته. والمراقب الخارجي ينظر إلى الأداء الاستراتيجي العام محاولا الإطلال عليه بعيدا عن تفاصيل الأعمال في الميدان ومركزا على النتائج العامة التي يراها من الخارج.

المنجز التاريخي للحركة الاسلامية

لقد تعرض العالم العربي في ظل الاستعمار وإلى فترة قريبة من نهاية القرن العشرين إلى هجمة كبيرة حاولت أن تضرب الأمة في هويتها. والهوية هنا بمفهومها الشامل من الدين واللغة والعادات والتقاليد واشكال الثقافة، وليس الجدل هنا باحتواء الهوية للثقافة أم بشمول الثقافة للهوية. ولكن الحديث عن الهجمة التي قادها العلمانيون بقصد أو عن غير قصد من أجل نزع الجانب الديني من هوية الأمة العربية التي إن عُرّفت ربطت بالدين والتاريخ مسلميهم ومسيحيهم. فالأمة العربية ارتبطت بركيزتين أساسيتين هما الدين واللغة العربية. صحيح أن بعض العلمانيين لم يحارب اللغة مباشرة ولكنهم بالعموم وقفوا موقف المعادي للدين أحدى أهم الركائز في المكون الثثقافي لهوية الأمة العربية. لقد استطاع العلمانيون في تركيا أن يجتثوا الهوية التركية بخطوتين غير مسبوقتين في تاريخ الأمم، الأولى الغاء اللغة العثمانية في سابقة لم تحدث في التاريخ الحديث أن تغير أمة لغتها بتغيير حروفها وبالتالي عزل تام للأجيال عن قراءة تاريخه وتراثه وفصل الأجيال عنها، وبالتالي اجتثاث جزء مهم من الهوية من خلال اجتثاث هذا الجزء من التاريخ. والثانية كانت عزل الناس عن الدين ومنع الأذان باللغة العربية ومنع الحجاب ونشر العلمانية بعنف بل ممكن القول بوحشية. إلا أنه يسجل للحركة الإسلامية في العالم العربي تحديدا وبكل أطيافها أنها وقفت بكل قوة واقتدار أمام المد العلماني الزاحف الذي تمكن من السلطة في العديد من الدول العربية. وقدمت الحركة الإسلامية التضحيات من أجل منع هذا المد من انجاز ما حققته العلمانية في تركيا. وحافظت الأمة على هويتها بل عادت الصحوة الاسلامية في نهاية السبعينيات من القرن العشرين بقوة ووضوح وحُفظت هوية الأمة العربية.

دورة الحياة

إن الجماعات والمؤسسات والدول كالبشر، تعيش وتنمو وتتطور وتكبر وتهرم ثم تزول، ولكن الفرق بينها وبين البشر أن المؤسسات أو الجماعات ممكن في وقت الضعف أن تولد لنفسها دورة حياة جديدة من خلال تجديد رئيسي في الفكر أو الاستراتيجية أو الأهداف. والناظر إلى الحركة الإسلامية وخصوصا الإخوان المسلمين يلاحظ تراجعا وترهلا و فقدانا للوميض والبريق وخصوصا بعد تجربتي مصر وتونس وما أحاط بهما من فشل أو إفشال. كما تأتي الأحداث في الأردن لتبين ما تتعرض له الجماعة من مخاض داخلي مقلق لكينونتها ووحدتها، ثم تتبعها الخلافات الحادة بين اخوان مصر الجماعة الأكبر حجما. وبالرغم من المدة الطويلة جدا للجماعة، إلا أنها لم تستطع بشكل واضح أن تجدد في طرحها الفكري والاستراتيجي وفي آليات التطبيق، ولم تبدِ براعة في المناورة للوصول إلى أهدافها (لايقصد هنا في التجديد والمناورة التنازل عن المبادئ والأهداف العامة)، وإن كانت الحركة الإسلامية في تونس أكثر براجماتية إلا أنه وبالرغم من هذه البراجماتية انتهى المطاف بها تدريجيا إلى خارج الحكم.

تعيش الحركة الإسلامية عامة والإخوان المسلمون خاصة مرحلة صعبة ومن المتوقع إذا استمرت الأمور على ماهي عليه أن تدخل الجماعة مرحلة الهرم وصولا إلى مرحلة الموت السريري، بمعنى أن دورة الحياة للجماعة في مرحلتها الأخيرة. وللخروج من هذه الحالة فإن على الحركة الإسلامية عامة والإخوان المسلمين خاصة توليد دورة حياة جديدة من خلال حركة تجديدية كلية وجذرية قائمة على خمسة محاور أساسية:

  1. التجديد في التركيبة الفكرية:

منذ عهد حسن البنا وحتى هذه اللحظة لم تقدم الحركة الإسلامية تجديدا في تركيبتها الفكرية، بل ظلت تطرح ما طرحه مؤسسها، وكأن العجز عن تنفيذ وتحقيق ما كان يحلم به البنا ظل هو السائد والمهيمن على الفكر والأسلوب والطريقة والهيكلية. صحيح أن الجماعة قامت بمناورات سياسية كالمشاركة في الإنتخابات التشريعية، ومناورات اجتماعية من خلال الجمعيات الخيرية والاصلاحية، وبعض المناورات الشعبية مستفيدة من الأحداث في العالم الاسلامي وخصوصا أحداث القضية الفلسطينية. إلا أن هذه المناورات تبقى بدون أثر تغييري حقيقي في المجتمع أو في التركيبة السياسية للدولة، بل هي مناورات أبقت الحركة كترس في ماكينة الأنظمة مما عاد بالنفع الاستراتيجي على الأنظمة أكثر منه على الحركة الإسلامية. والمطلوب الإجابة وبكل جرأة عن مجموعة من الأسئلة منها: ما هو النطاق المركزي للحركة الاسلامية في هذه الفوضى الفكرية التي تعيشها الأمة؟ هل هو الجهاد بمعنى بذل الجهد بمختلف الجوانب أم هو إقامة دولة الاسلام؟ في الحقيقة، ظلت مسألة التربية هي النطاق الرئيسي في فكر الحركة الإسلامية التي إذا انحلت مشاكلها (أي التربية) انحلت باقي المشاكل، فهل هي كذلك الآن؟ أم أن النطاق الرئيس يحتاج إلى تجديد وإعادة نظر عميقة وخصوصا بعد ثورات الربيع العربي والثورات المضادة.  ومن الأسئلة: أين موقع الحزبية الآن وكيف يتم انخراط الشعب في العمل بدلا من أن تتحمل الحركة الإسلامية العبء لوحدها؟ ثم أين المتخصصون في علم الاجتماع والسياسة والفكر والاستراتيجيات في الساحة الحركية؟ إذ الملاحظ على المنجزات أنها نتاج ممارسة تقوم على التجربة والخطأ والتعلم من حركيين مخلصين لا متخصصين، حيث غابت التخصصية.

وما هو المشروع الفكري الذي يحلم به الإسلاميون؟ هل هو استعادة صورة الخلافة في عهد الراشدين؟ هل هو اختزال الشريعة في القانون في ظل دولة وطنية (قومية)؟ هل هو تطوير تطبيق الشريعة لتصل إلى الأمور الجنائية إضافة إلى الأحوال الشخصية؟ أم هو الإصلاح في ظل دولة قهرية؟ أم المشاركة في الإنتخابات البرلمانية وبالتالي التحول إلى جزء من أجزاء معادلة الديمقراطية المطروحة في ظل الدولة القومية (nation state)؟

  1. التجديد في التركيبة الاستراتيجية

وهو نتاج طبيعي للتجديد في التركيبة الفكرية، وهنا تطرح أيضا مجموعة من التساؤلات الحرجة في خانة التفكير والتحليل الاستراتيجي: هل بقي مجال لنهج الإصلاح يمكن أن ينجح بعد تجربة مصر وليبيا واليمن، أم أن نهج الثورية هو المطلوب؟ ما الرؤية، هل هي الوصول إلى الحكم  أم إصلاح اجتماعي أم إصلاح سياسي أم البقاء على الحياة؟ وبالتالي ما الأهداف الكبرى في ظل واقع عربي مرير مضطرب في هذه الحقبة التاريخية؟ ما مهمة الحركة الإسلامية وماذا تفعل بالمواليد الجدد على الساحة الإسلامية من داعش وغيرها؟ وما رؤيتها الجيوستراتيجية في واقع يتدخل فيه البعيد قبل القريب وتتدخل فيه القوى العالمية الكبرى وقوى إقليمية مثل إيران وغيرها؟

  1. التجديد في التركيبة البنيوية (الهيكلية)

الناظر إلى الحركة الإسلامية يستنبط أن بناها الهيكلية صممت منذ العشرينات لتناسب ذلك الواقع ولتحقق أهدافا في ذلك الزمان وفي تلك البيئة، فهل من المعقول تصور أن البيئة الحالية هي نفس البيئة قبل ثمانين عاما وبالتالي تبقى الأطر الهيكلية هي نفسها دون موائمة للعصر ولأحداثه الكبرى الحالية؟ ناهيك عن بعض التيارات الإسلامية التي قد تحرّم التراتيب الهيكلية أو أن الشيخ هو الأول والثاني والأخير دون اعتبار لرأي الكوادر الأخرى. ألا يوجد فكر تجديدي في هذا الشأن؟ ألا يوحي الربيع العربي الكبير بمتغيراته الكبرى بإمكانية أن تكون الحركات الاجتماعية الجماهيرية بديلا معتبرا قد يوازي النخب والتنظيمات والأحزاب؟ ثم كم عدد الأفراد الذين ينضوون تحت راية الحركة الإسلامية كأفراد منتظمين مقارنة بعدد الشعوب الإسلامية التي تصنع الأحداث حاليا دون أن تنتظر الحركات الاسلامية التقليدية؟ صحيح أن الحركة الاسلامية ذات طابع أيديولوجي وإطار بنيوي وهي قادرة على التعبئة، إلا أن الحركات الشبابية التي ظهرت في الربيع العربي ويقودها في الأساس شباب وشاركت بفاعلية في هذا الربيع تستحق التفكير التجديدي الإبداعي في الهيكلية ليكون لهم دورهم الفاعل بالرغم من أن حركتهم ذات تركيبة بنيوية رخوة. ولعله أضحى من الضروري البحث عن التجديد الإبداعي في الهيكلية بدلا من الغرق في هياكل تقليدية هرمة لم تعد تصلح حتى لتحريك نفسها في بيئات ذات حركية وتعقيد عال جدا؟

  1. التجديد في التركيبة التطبيقية

أي في إنزال الأفكار على الأرض، ففي الغالب مازالت الإسلاموية الحركية بمختلف تنوعاتها تستخدم نفس الآليات التي رسمت منذ التأسيس. صحيح أن هناك آليات جديدة كانت تبرز من حين إلى آخر لكن في العموم هناك جمود في آليات التطبيق ناتج في الأصل عن الجمود في التركيبة الفكرية والتركيبة الاستراتيجية والتركيبة البنوية الهيكلية. وظلت الآليات محصورة في الإسلاميين أنفسهم أو أنصارهم في أحسن الأحوال، لكن أين الجمهور وأين الشباب والنساء من هذه الآليات؟ وما المساحات المشتركة بين التمدن الإسلامي والتمدن غير الإسلامي القادم من الغرب؟ وما المساحات المشتركة بين الإسلاميين وغير الإسلاميين في نفس البلد؟

وهل سيبقى مصطلح إسلامي وغير إسلامي يتداول و يفرق بين أبناء المجتمع الواحد وأبناء الدين أنفسهم؟ ألا يمكن التجديد الحقيقي في آليات جديدة للفعل والحشد، والتحرر من بعض القيود التنظيمية والحزبية؟

  1. التجديد في التركيبة الإيمانية والأخلاقية

وهو جانب مهم ليس فقط في حياة الحركة الإسلامية بل في حياة أبناء الأمة الإسلامية عموما. فعلى مستوى أبناء الحركة الإسلامية أنفسهم هناك حاجة إلى تجديد في التركيبة الإيمانية والأخلاقية التي هي أساس الشريعة الإسلامية “وإنك لعلى خلق عظيم”. وهناك حاجة ماسة لأبناء الأمة الإسلامية نتيجة مافعلته الحداثة بالمجتمعات الإسلامية من تغير في المفاهيم والسلوك. إن محاولة بناء جيل قرآني لاتجدي إن لم يعرف هذا الجيل مكونات أمته ومكونات الحضارات الأخرى والتعرف عليها بعقلية المتدبر لا عقلية الرافض، وبعقلية الواعي المستنير لا بعقلية المنغلق، وبعقلية الواثق من التركيبة الأخلاقية والنماذج الأخلاقية في حضارته لا عقلية الخجول.

 الخلاصة

تواجه الحركة الإسلامية ظروفا خارجية اقصائية في حقيقتها من قبل بعض الأنظمة العربية والثورة المضادة، فإذا أضفنا ذلك إلى المعوقات الداخلية الكبيرة فإنه ليس أمام الحركة الإسلامية إلا التجديد الكلي الجذري، وإلا ستدخل مرحلة الموت السريري بأسرع مما يتوقع قادتها، إن لم تكن دخلتها بالفعل. وعليها ألا تخشى التجديد الجذري خوفا من فقد أنصار على اعتبار أن التجديد في أصله يتحدى تقاليد استقرت في العقول، وقد يثير قضايا شائكة لا يستطيع الجيل القديم أن يتخيل نفسه أن يعيش في حياة حركية بدونها. أم سيظل الإسلام ينتظر مشروعه التجديدي من المهدي المنتظر؟ أم من أجنبي هو في الأساس مجهض ومناهض لبزوغ نور جديد في المنطقة؟ أم من داخل ترنخ وتقوقع بفكر حزبي وكل ما في وسعه هو أن يكرر اسطوانته القديمة التي نشأ عليها دون اعتبار للمتغيرات الكبرى في المنطقة. ولعل الحركة الإسلامية تعاني من عدم تقبل في داخلها للفكر التجديدي الجذري أو لاتملك الأدوات المطلوبة. وعليه أضحى التجديد الكلي ضرورة حتمية ليعطي دورة حياة جديدة بفكر جديد واع متفتح واستراتيجية طموحة مستنيرة وهيكلية إبداعية وآليات تطبيق يشترك فيها كل أبناء المجتمع. وإن لم يتم فعل ذلك فلابد من نشاط فكري عميق للتفكير في مرحلة ما بعد الحركة الإسلامية التقليدية الذي يبدو أنه أصبح قاب قوسين أو أدنى.

 

مفاهيم أساسية نحو تحقيق تكافؤ جيواستراتيجي بين دول الشرق الأوسط

         د. وائل خليل شديد

استراتيجي وباحث

13/5/2015

لتنزيل الوثيقة مجانا اضغط على الرابط التالي

https://goo.gl/VOkOfM

مفاهيم أساسية نحو تحقيق تكافؤ جيواستراتيجي بين دول الشرق الأوسط

ملخص

تشهد المرحلة الحالية تغيرات جيوسياسية بالغة الأهمية في دول الشرق الأوسط كما هو الحال في السعودية ودول الربيع العربي وتعكس هذه التغييرات الجيوسياسية تغيرات جيوستراتيجية مهمة على هذه دول،  مما يسبب تأثيرات جدية داخليا وخارجيا على جميع دول منظومة الشرق الأوسطً. تناقش هذه الوثيقة بعض المفاهيم الجيوستراتيجية الأساسية لتطويرثقافة جيواستراتيجة إقليمية مشتركة لتجنب مواجهة في المنطقة تبدو حتمية إن لم يتم الاستدراك وإستغلال الفرص الاستراتيجية المتاحة. وتطرح هذه الوثيقة مفهوم الإدارة التكاملية للمصالح الجيوستراتيجية وتدعو أيضاً للوصول إلى نقطة التوازن الجيوستراتيجي” تمهيدا للوصول إلى مرحلة “التكافؤ الاستراتيجي” للبدء بعد بذلك بتطوير مبادرات إقليمية جيوستراتيجية. كما ستقدم هذه الوثيقة مجموعة من المتطلبات الاستراتيجية الجوهرية ضمن السياق الديناميكي المعقد للمرحلة الانتقالية للربيع العربي وتأثيرها على المنطقة لدعم تماسك دول الشرق الأوسط في هذا السياق.

كلمات مفتاحية: جيواستراتيجيا – جيوسياسية – ثقافة استراتيجية – نقطة التوازن – التكافؤ الاستراتيجي –  مبادرات – الشرق االأوسط – الاحساس بالخطر – مداخل التدخل – الادارة التكاملية

الجغرافيا والجيوسياسية والجيوستراتيجية

من الضروري التمييز بين هذه المصطلحات الثلاثة الجغرافيا، الجيوسياسية، والجيوستراتيجية الواردة في سياق هذه الوثيقة وماهو المقصود بها قبل مناقشة مفهوم الجيوستراتيجية والقضايا المتعلقة بها في المنطقة.

الجغرافيا: مصطلح معروف جيداً يدرس ببساطة المظاهر الجغرافية الطبيعية مثل: الأرض، الجبال، الأنهار، البحار، الهضاب، التربة، السكان، النباتات، الطقس، وكل القضايا المرتبطة بهذا المجال.

الجيوسياسية: مصطلح يشمل السياسة الداخلية للدولة وما يتعلق بها مثل الموارد، القضايا حكومية، القوانين الداخلية، إدارة الموارد الطبيعية والموارد الاقتصادية، وكل قضايا السيادة المتعلقة بها ضمن الدولة([1]).

الجيوستراتيجية: هي توجه السياسة الخارجية لدولة ما. وهي تحدد أين تكثف هذه الدولة جهودها سواء من خلال تخطيط القوة العسكرية أو توجيه النشاطات الدبلوماسية او كليهما نتيجة لتطور معتبر في العوامل الجغرافية أو العوامل الجيوسياسية أو لأسباب أيدولوجية أو لمصالح مجموعات معينة، أو ببساطة لرغبات قادتها([2]). إن التغييرات في المكونات الجغرافية بطيئة إلى حد كبير بينما التغيرات الجيوسياسية أسرع منها، في حين ان التغيرات في القضايا الجيوستراتيجية هي الأشد سرعة، وقد تحدث في أسابيع أو أشهر.

وهناك علاقة تبادلية قوية بين التغيرات الجيوسياسية والجيوستراتيجية، فالتغيرات الجيوسياسية لها تأثير مباشر وغير مباشر على المجال الجيوستراتيجي، وقد تدفع باتجاه إحداث تغيرات جيوستراتيجية، ومن جهة أخرى فالتغيرات الجيوستراتيجية لها تأثير مباشر على القضايا الجيوسياسية، وقد تمهد الطريق لتغيرات داخلية جوهرية في مكونات الدول. وبالتالي فإن عدم الإدراك الجيد للتغيرات الجيوستراتيجية أو التقليل من شأنها أو الاستهانة بها قد يؤدي إلى عواقب مفاجئة وغير متوقعة. ومما يجدر الانتباه له أن القوى العالمية تراقب وتتفحص وتمسح بشكل مستمر الأحداث والتغيرات الجيوسياسية في دول المنطقة وذلك لتتكيف مع هذه التغيرات ولتتعامل معها بطريقة مناسبة قبل أن تؤثر على مصالحها في المنطقة.

دول منطقة الشرق الأوسط في خريطة العالم الجيوستراتيجية

تقع معظم دول العالم الاسلامي وبخاصة دول الشرق الأوسط في قلب المصالح الجيوستراتيجية للولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين. فهي تقع على حزام استقرار الولايات المتحدة وأوروبا (حزام الاستقرار هو المنطقة المحيطة بروسيا وأوروبا الشرقية من الجنوب). ومما هو معلوم فإن دول الشرق الأوسط تتحكم بخطوط ملاحة بحرية وممرات جوية هامة، وتمتلك ثروة كبيرة من النفط الذي هو مصدر الطاقة العالمية، وتفصل روسيا عن المياه الدافئة، بالإضافة إلى الصراع العربي الإسرائيلي الذي يؤثر في كل الجيوسياسية الداخلية لمعظم دول الشرق الأوسط كما يؤثر على التحركات الجيوستراتيجية الخارجية في المنطقة. وبالتالي فإن المنطقة دائماً تحت الرقابة الجيوستراتيجية ليس فقط من قبل القوى العظمى ولكن أيضاً من قبل القوى الناشئة على حد السواء مثل الصين وقوى إقليمية صاعدة مثل تركيا وإيران التي تبدي اهتماماً شديداً في المنطقة، وهي تتفحص التغيرات الجيوسياسية والجيوستراتيجية بغض النظر عن نواياها.

ومما يجدر ملاحظته أن العولمة لم تهدئ من المخاوف الجيوستراتيجية بل على العكس زادت منها. فالصفقات التجارية تتم عبر طرق الملاحة البحرية والممرات الجوية والطرق البرية وبالتالي تدفع العولمة باتجاه حماية المكاسب والاتفاقيات التجارية والممرات والطرق مما يعني تأثرها المباشر بالتغيرات الجيوسياسية والجيوستراتيجية التي تؤثر على المصالح والطرق والممرات. فعلى سبيل المثال يتم تأمين 90% من إمدادات الطاقة لليابان عبر بحر الصين الغربي، وبالمثل فإن 40% من تجارة الولايات المتحدة يتم نقلها عبر طرق الملاحة البحرية وإن استقرار هذه الطرق البحرية مسألة حيوية لاقتصاد الولايات المتحدة ودول آسيا وأوروبا، لذلك من الضروري للولايات المتحدة أن تراقب وتحمي وأن ترسل خفر السواحل إذا دعت الحاجة لحماية خطوط الملاحة البحرية كما قد سبق وفعلت([3]).

ما من شك أن الولايات المتحدة هي القوة الرئيسية في المنطقة، وتلعب دوراً حيوياً في تشكيل جيوستراتيجية المنطقة. وبالتالي فان القوى العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ليس أن لها تأثير غير مباشر على جيوسياسية بلدان المنطقة فحسب، بل لها أيضاً تأثيرات مباشرة في كثير من الحالات كما هو الحال على سبيل المثال مع الملف النووي الايراني واحداث سوريا واليمن والقضية الفلسطينية وثورات الربيع العربي في مصر وليبيا. وعند استدعاء التاريخ القريب فستبرز حالة أجبار الشاه رضا (شاه إيران) على التنحي عام 1941 وتوليت ابنه بدلا منه كنوع من العقاب بسبب دعمه للرايخ الألماني في الحرب العالمية الثانية. وفي الوقت الحالي يلاحظ التموضع الاستراتيجي المتباين تماما بين دول المنطقة ففي سوريا تدعم الولايات المتحدة الأمريكية (بغض النظر عن سقف الدعم) والمملكة العربية السعودية وتركيا المعارضة من جهة، بينما تدعم روسيا وإيران النظام السوري من جهة أخرى. وتدعم الولايات المتحدة الأمريكية (بغض النظر عن سقف الدعم) السعودية وقطر والدول المتحالفة في عاصفة الحزم بينما تقف أيران وروسيا على الطرف الآخر. كما نجد أن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا تدخلت بشكل قصري في ليبيا لتجبر القذافي على التنحي، بينما دعمت الولايات المتحدة الرئيس اليمني علي عبدالله صالح قبل تنحيه. في الحقيقة إن معظم إن لم يكن كل دول الشرق الأوسط عرضة لتدخل جيوستراتيجي من قوى خارجية إذا حدثت تغيرات جيوسياسية في أي دولة منها، أو إذا حدثت تغيرات جيوستراتيجية فعلية في المنطقة. معظم دول الشرق الأوسط مستهدفة وعرضة لخطر التدخل، فما من حصانة لأي دولة كانت.

مشاكل جيوستراتيجية على أرض الواقع

هناك العديد من المشاكل الجيوسياسية الجدية على أرض الواقع في دول الشرق الأوسط، مثل غياب الديمقراطية والحوار والتسامح وفن الاختلاف، وتفشي سوء الفهم . ليس ذلك فحسب، بل دول الشرق الأوسط تعاني من مشاكل جيوسياسية مركبة مثل المشاكل السياسية القومية، والانقسامات العقائدية والمذهبية، وفرض ايدولوجيات اجبارية، وفقدان القواعد المشتركة بين المكونات الديمغرافية في البلد الواحد، وعدم قبول الرأي الأخر والإقصاء والتهميش، واستدعاء الخلافات التاريخية وإثارة الصرعات بناء عليها. هذه المشاكل الجيوسياسية الخطيرة تولد أزمات وعواقب جيوستراتيجية خطيرة تؤدي إلى مواجهات جدية على المصالح والاهداف الاستراتيجية. إن مثل هذه النزاعات الجيوستراتيجية توجد مدخلا ومنفذاً سهلاً لتدخل دولي في المنطقة، وذلك تحت مسمى الحاجة إلى الحماية، والحاجة لتحقيق تكافئ استراتيجي مع الخصوم في المنطقة. إن التأثير الجيوستراتيجي ممتد في منطقة الشرق الأوسط وعبر القرون السابقة فعلى سبيل المثال في بدايات القرن التاسع عشر كانت إيران خاضعة للعبة الكبرى للمملكة المتحدة وروسيا في الشرق الأوسط حيث قسِمت ايران في عام 1907 إلى ثلاثة أقسام. وفي عام 1921 وقعت طهران وموسكو اتفاقية صداقة حيث احتفظت موسكو بموجبها بحق التدخل في إيران في حالة حدوث أي اعتداء خارجي، مقابل دعم السوفييت لطهران في محاربة الانفصاليين شمال أيران. في عام 1937 أسست أفغانستان وإيران والعراق وتركيا معاهدة سعد آباد والتي سوت عدة نزاعات على الحدود، وبذلك قضت على المصادر المحتملة للصراع آنذك.

بعد الحرب العالمية الثانية اتفقت إيران والاتحاد السوفييتي على منح الاتحاد السوفييتي عدة امتيازات نفطية مقابل الاعتراف بالحكم الذاتي لأذربيجان وسحبت موسكو قواتها من إيران في عام 1946. وفي المقابل فإن المملكة المتحدة والتي تسيطر شركتها BP للنفط على غالبية خدمات النفط الإيرانية رفضت أن تتنازل عن نفوذها على السياسة المحلية الإيرانية. وتم التوقيع على اتفاقية نفطية جديدة في عام 1949 مع شركة BP([4]). بينما شهدت الدول العربية أكبر تدخل جيوستراتيجي في تاريخها مازالت تدفع أكلافه السياسية والقومية والأمنية والاجتماعية ألا وهو اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 بين بريطانيا وفرنسا حيث قسمت تركة الدولة العثمانية إلى مناطق ذات حدود شكلت مايعرف بالدول العربية القائمة الان. وفي السنوات السابقة وعلى الرغم من أن الانتخابات في قطاع غزة جرت تحت اشراف المجتمع الدولي في عام 2006. فإن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي رفضت الاعتراف بحكومة حماس معلنة موقفا صريحا ترفض فيه الإسلام السياسي، وترفض مشاركة الأحزاب الإسلامية في صياغة الاحوال الجيوسياسية المحلية والجيوستراتيجية في المنطقة.

مداخل التأثير الجيوستراتيجي الخارجي

تمتلك القوى العظمى مقاربات مختلفة للتدخل في الترتيبات الجيوسياسية والجيوستراتيجية في دول الشرق الأوسط. أحد أنماط هذا التداخل هو مدخل الحماية ضد قوى اقليمية أخرى كما في حالة بعض دول الخليج العربي التي تسعى وتعتمد على الولايات المتحدة في حمايتها من تدخل إيراني متوقع في شوؤنها الداخلية، واحيانا ضد قوى محلية كما في حالة دعم الولايات المتحدة للإنقلاب ضد الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي. وهناك مدخل آخر وهو مدخل امتلاك الاسلحة بقصد الوصول إلى تكافؤ استراتيجي مع خصوم آخرين في المنطقة، وهذا بدوره يفتح الأبواب على مصراعيها لمثل هذه التدخلات الجيوسياسية والجيوستراتيجية. وهناك المدخل الاقتصادي والمدخل التكنولوجي بغرض المساعدة في استخراج الموارد الطبيعية وتطوير البلدان وأخذ القروض مما يمهد الطريق لهذه التدخلات الدولية على حد السواء. كما أن هناك مدخل  المساعدات الإنسانية والحماية من تنكيل وبطش بعض الأنظمة لفئات من الشعب والتي تشكل ذريعة مناسبة لهكذا تدخل بغية مساعدة الجماعات الاثنية والدينية وضحايا النزاعات واللاجئين … الخ. ويأتي مدخل الديبلوماسية الشعبية كمدخل آخر من خلال شبكات من المنظمات غير حكومية سواء كانت عن قصد أو عن غير قصد فإنها في الحقيقة تسهل وتُهَوِّن هكذا تدخلات (وبالطبع فان هناك استثناءات لمؤسسات غير حكومية كثيرة تعمل باستقلالية وتؤدي واجبا وطنيا معتبرا). في الحقيقة إن مبدأ السيادة لم يعد صلباً أبداً ويمكن أن يُخترق بسهولة([5]). وكما تم ذكره من قبل فإن تاريخ دول منطقة الشرق الأوسط مليء بتدخل قوى أخرى تحت مسميات وصياغات عديدة مثل الاتفاقيات والمعاهدات واجبار على التنحي من الدور السياسي تحت ضغط خارجي كما حدث عام 1952 حيث أجبر محمد مصدق على التنحي نتيجة وقف المعونات الاقتصادية من قبل الولايات المتحدة والبنك الدولي. ومرة أخرى تمت الاطاحة بمصدق من منصبه بانقلاب مدعوم من المملكة المتحدة والولايات المتحدة في عام 1953([6])، تماماً مثل الانقلاب الذي حدث في مصر عام 2013 والذي كان مدعوماً بشكل علني من الولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى.

نحو تطوير ثقافة جيواستراتيجية مشتركة وتنمية الاحساس بالخطر

ان الموقع الاستراتيجي المتميز لمنطقة الشرق الاوسط من حيث طرق الملاحة البحرية والممرات الجوية والموارد الطبيعية والموارد البشرية الشابة والاماكن الدينية وكونها ضمن الحزام المحيط الذي يحيط بروسيا جعلها محطة انظار القوى العظمى على مدى التاريخ.  وإذا لم تتعاون الدول المعنية في المنطقة مع بعضها وتتناغم في ادائها الاستراتيجي فإنها ستكون الكعكة التي سيتم تقاسمها من قبل العمليات الجيوستراتيجية للقوى العظمى خصمصا الولايات المتحدة. وبالتالي سيكونوا ادوات لحماية وتنفيذ استراتيجيات الدول العظمى بدلا من حماية وتنفيذ استراتيجياتهم الخاصة بهم. ليس هذا فحسب، بل سينقسموا ويتنازعوا فيما بينهم على شكل مواجهات جيوستراتيجية سلبية تعكس مصالح الآخرين وتعكس التناقضات الجيوسياسية الداخلية بينهم.

بعد عام 1953 اختار الشام محمد رضا أن تكون لديه علاقات مقربة جداً مع واشنطن ولندن وحول السياسة الخارجية الإيرانية بشكل مفاجئ (دراماتيكي) في هذا الاتجاه حيث أصبح ثاني أهم حليف للولايات المتحدة في المنطقة بعد إسرائيل. انضمت إيران إلى حلف بغداد عام 1955 مع العراق وتركيا وباكستان والمملكة المتحدة وحافظت ايران على استمرار وتقوية هذا الحلف حتى بعد انسحاب العراق منه واسمته حلف (CENTO). وبدأت إيران تنحى باتجاه التوسع في المنطقة في سياستها الخارجية فرفضت السيادة البحرينية على جزيرة البحرين وادعت بأن الجزيرة تتبع لإيران. واعتبر الشاه أيضاً بأن إيران هي حامية الشيعة وصوتهم في العالم، وأرسل بقوات إلى عُمان واليمن للتدخل في الصراع المدني الداخلي في كلا البلدين. وفي نفس الوقت تساهلت الولايات المتحدة الامريكية هذه الأفعال وتقبلتها واعتبرت ايران بمثابة الشرطي الذي ينوب عنها في الشرق الأوسط. لم يكن للدول العربية أي خيار سوى أن تشعر بالقلق من إيران وتصنفها على أنها أقرب لأن تكون عدوا أكثر من كونها بلداً يسعى لعلاقة ودية([7]).

 وبعد خلع الشاه ومجيئ الجمهورية الاسلامية انتقلت عدوى التوسع الى الكيان الجديد بذريعة تصدير الثورة مما ابقى على علاقة متوترة بين ايران ودول الشرق الأوسط في المنطقة. لم تكتفي ايران بذلك بل كان لها تدخلا مباشرا في لبنان من خلال دعم حزب الله بذريعة المقاومة، وتدخلا مباشرا وميدانيا في دعم نظام بشار الأسد، ثم كان لها تدخلا مباشرا في دعم الحوثيين في اليمن مما عقد الأمور وزادت عتبة العداوة مع ايران بشكل بلغ الذروة أو كاد. وهذا بالطبع يفتح الابواب واسعة أمام التدخل الاجنبي من جميع المداخل المذكورة سابقا خصوصا أن الشرق الأوسط مصنف من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على انه تربة خصبة لتوليد المشاكل. وبالتالي فإن على دول الشرق الأوسط أن تطور وتتبنى ضرورة وأهمية العمل المشترك فيما بينها بدلاً من تأجيج النزاعات وإثارة العداوات فيما بينهم. وهذايستدعي ضرورة تطوير مفهوم الاحساس بالخطر الجماعي من أجل تطوير ثقافة جيوستراتيجية مشتركة وفهما مشتركا فيما بين أنفسهم.

إن الوصول إلى اتفاق على جيوستراتيجية مشتركة ومتفق عليها أصبح ضرورة ملحة وحيوية ليس من أجل تأمين وحماية مصالح المنطقة ككل بل لتأمين وحماية مصالح كل بلد على حدة. إن منطقة الشرق الأوسط اصبحت امام ثلاث خيارات: إما الاقتتال الداخلي على أن تنتصر احدى الدول على الباقي وهذا مستحيل من منطق التاريخ والواقع، وإما تنمية الاحساس بالخطر وتطوير ثقافة حيواستراتيجية مشتركة تنتج مفاهيما واتفاقا مشتركا حول الجيوستراتيجية تضمن مصالح الجميع، واما الاستمرار في النزاعات والمناوشات وبالتالي ستبقى المنطقة تتأرجح في نزاعات حقيقية تنتهي بتسليم المنطقة بالكامل وخضوع مصيرها لمصالح القوى العظمى. إن تطوير ثقافة جيوستراتيجية مشتركة ينبغي أن يكون على مستويين. أولاً على المستوى المحلي ضمن كل حدود دولة لتقليل الخلافات والمشاكل الجيوسياسية الداخلية. ثانياً على المستوى الاقليمي (دول المنطقة) بتطوير مفهوم جيوستراتيجي اقليمي مشترك قائم على فوائد ومصالح استراتيجية مشتركة. وإذا ما فشلت دول المنطقة في القيام بذلك فستجد نفسها تدور في فلك المصالح الجيوستراتيجية لقوى أخرى، ليس هذا فحسب بل إنها ستنفذ استراتيجيات الأخرين على حسابها وستدفع دول المنطقة كل الأكلاف المترتبة على ذلك.

تهدئة التوتر والمخاوف الجيوستراتيجية الاقليمية

من وجهة نظر تاريخية، بنيت الحضارة الإسلامية على أربعة أركان عرقية رئيسية (بالاضافة الى عرقيات أخرى): العرب، والترك، والفرس، والاكراد ولعبت هذه الأمم دوراً مركزياً في تاريخ الحضارة الإسلامية خلال التاريخ الحديث. وبصرف النظر عن الأحداث التاريخية في الفترة الاخيرة وتفسيرها، فقد قامت كل مجموعة بوضع نفسها في موضع جيوستراتيجي مختلف عن الآخرين ولكن للأسف كانت النتيجة أن كلا منهم تموضع في مكان يثير الشك بالنسبة للآخرين.

بعد الثورة الإسلامية في عام 1979 حاولت إيران أن تصدّر الثورة الإسلامية إلى بلدان إسلامية أخرى. هذه الخطوة دمرت بشكل دراماتيكي العلاقات بين العرب وإيران، كما أنها فتحت المجال امام التدخل الخارجي من خلال “مدخل الحماية” حيث سعت دول الخليج  نحو طلب حماية الولايات المتحدة في مواجهة هذه الخطوة ودفعت بنفسها قدماً تجاه تعزيز تحالفها مع واشنطن. ومرة أخرى كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي المستفيد الأكبر من هذه الخطوة الايرانية، وأصبحت إيران أشد عزلة([8]). في التجربة السابقة مع الشاه بعد عام 1953 جمعت الولايات المتحدة منافع عديدة من النزعة التوسعية للشاه في الإقليم من خلال دعمه باعتباره شرطيها الذي ينوب عنها في المنطقة وللحفاظ على استمرارية مصالح الولايات المتحدة كما هو مخطط لها. بعد الثورة الإسلامية اصيبت ايران بعدوى حمى التوسع نفسها التي سبق وأن اصابت الشاه، عادت حمى التوسع لإيران تحت مسمى “حماية المصالح الاستراتيجية الإيرانية”. وتبنت مفهوم تصدير الثورة مما سبب في استمرار العرب بالحذر أكثر من إيران وأدركوا أن لها نوايا توسعية واستئثارا بمصالح المنطقة. إلا أن صانعو القرار السياسي الإيراني أدركوا بعد الخميني حقيقة ذلك وخصوصا العزلة التي فرضت عليها وبأن سياسات إيران المتطرفة كانت مؤذية ليس لدول الإقليم فحسب بل لإيران نفسها. وبناءً على ذلك فقد طوروا سياسة خارجية معتدلة اتجاه الدول الإقليمية القريبة من أجل كسب دعمهم لكسر حالة العزلة الدولية التي كانت فيها ومازالت([9]). إلا أن ذلك لم يدم طويلا حيث اندفعت ايران باتجاه بناء المفاعلات النووية، وباتجاه بناء قوة عسكرية للتدخل في المناطق الخارجية تحت اسم قوات القدس، كما أنها بدأت تثبت نفسها في السياسة الداخلية للبنان من خلال حزب الله وتتدخل في صياغة التركيبة السياسية اللبنانية. ومن جديد أيضاً بدأت المخاوف العربية بالازدياد بسرعة كبيرة خلال فترة الربيع العربي إذ أن إيران تدخلت بعمق وبقوة في سوريا من خلال دعمها النظام السوري بالمال والرجال والموقف السياسي بحجة الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. كذلك تدخلها في اليمن من خلال دعمها للحوثيين في شمال اليمن وما نتج عنه من هيمنة حوثية على اليمن بالتعاون مع الرئيس السابق على عبداله صالح وتجاوزهم المدى مما دفع دول المنطقة للتحالف في عاصفة الحزم ضدهم. ومن الجدير بالملاحظة أن الحكام السوريين هم من أصول علوية، والحوثيين في اليمن من أصول شيعية، وفي نفس الوقت فإن الحكام الإيرانيين من الشيعة أيضاً هذا التشابه الطائفي بين إيران والمستفيدين من دعمها وضع إيران في زاوية الطائفية وحصرها في هذه الزاوية المقيتة التي لاتساعد في تطوير حلول واقعية بل على العكس تنشئ مداخل صراع طائفية تزيد الأمور تعقيدا.

وفي المقابل فإن اندفاع بعض دول المنطقة وخصوصا دول الخليج باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية وتقديم التسهيلات الاستراتيجية لها يثير المخاوف الإيرانية وبالتالي تنظر ايران الى هذا التموضع الخليجي من منظار الريبة والشك بالرغم من أنها قد تكون سببا من أسباب هذا التموضع. ومن جهة أخرى وفي عام 1990 عمقت تركيا علاقتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل مما وضع تركيا على الطرف الآخر من وجهة نظر بعض الاطراف الشرق أوسطية، ولذلك فإن النجاح في تحويل الموقف الجيوستراتيجي التركي باتجاه المنطقة سيعتبر تحولا حيويا سيكون له آثاره الكبيرة على الجيوستراتيجية في المنطقة أيضاً([10]).

تقييم المصالح والاحتياجات الجيوستراتيجية لدول المنطقة والقوى الكبرى

تعاني منطقة الشرق الأوسط من فراغ جيواستراتيجي كبير نتج عن عدة عوامل منها أن الدول العربية تحديدا دول تابعة في الفضاء الجيوستراتيجي، وبالتالي تنفذ مصالح القوى الكبرى أكثر من كونها تصنع أو تشارك في هيكلة استراتيجية المنطقة الخاصة بها. هذا الفراغ لم يجذب الدول العظمى الخارجية فقط بل جذب أيضاً الدول الناشئة في الاقليم مثل إيران وتركيا، وفي نفس الوقت جذب قوى صاعدة أخرى مثل الصين وروسيا. إن الدول المعنية في المنطقة بحاجة لأن تجتمع معاً وأن يدركوا الحاجات الجيوستراتيجية لكل دولة منهم وبناء الثقافة الجيوستراتيجية المشتركة القائمة على التنسيق والتناغم لا على استغلال ضعف بعضهم البعض. إن إيران وتركيا قوتان ناشئتان اقليميتان لهما حاجات جيواستراتيجيبة محددة، ومن المفترض أن تدرك الدول العربية هذه الحاجات وأن يتم علاجها وفقاً لذلك على قاعدة التعاون والتناغم والتنسيق الجيوستراتيجي وليس على قاعدة الاستغلال الجيوستراتيجي. كل دولة في الشرق الأوسط لها دور لتلعبه على المستوى الجيوستراتيجي، لكن دولاً مثل تركيا وإيران ومصر والمملكة السعودية لها أهمية أكبر باعتبارهم لاعبين اقليميين أساسيين.

أما بالنسبة للقوى الكبرى فإنه على الرغم من أن القوى الأوروبية قوى لا يستهان بها في المنطقة إلا أن الولايات المتحدة الامريكية تبقى اللاعب الجيوستراتيجي الأساسي بلا منازع، فبعد نهاية الحرب الباردة استمرت الولايات المتحدة بالسيطرة على القضايا الجيوستراتيجية في الشرق الأوسط ولقد تعززت هذه السيطرة بشكل واسع بعد أحداث 11 أيلول. والولايات المتحدة كأي قوة عظمى تبدي اهتماماً كبيرا  بمناطق نفوذها والتي منها منطقة الشرق الأوسط، وعلى الأخص الدول المحورية فيها وهي السعودية وتركيا ومصر وايران باعتبارهم لاعبين أساسيين في الصيغة الجيوستراتيجية للمنطقة. وهي بالتالي تتدخل بصورة مباشرة وغير مباشرة ليس في القضايا الجيوستراتيجية لهذه الدول فحسب وإنما في قضاياها الجيوسياسية الداخلية ماستطاعت إلى ذلك سبيلا. كما ان الولايات المتحدة تستطيع أن تكيف استراتيجيتها بناء على التغيرات الجيوسياسية في هذه الدول. ومما لاشك فيه، فإن الولايات المتحدة تسعى جاهدة لجعل قيمها القومية كمعايير كونية مثل الديمقراطية المتحررة، والسوق الحرة، وحقوق الإنسان([11]) آمله أن تشكل نظاما عالميا جديدا والذي سبق التبشير به في أيام جورج بوش باعتباره رسالة تبشيرية جديدة للحقبة الأمريكية.

أما بالنسبة لتركيا فإنه في فترة الحرب الباردة وما بعدها كانت تركيا جزءً من النظام الأمني الغربي. من أجل ذلك حاولت الولايات المتحدة والقوى الأساسية أن يكون لها تأثيرا في السياسة الخارجية التركية. وبما أن القرارات السياسية الخارجية في تركيا تتخذ من قبل الاعبين المحليين الأتراك الذين عادة ما يتاثروا بالاوضاع المحلية فإن أفضل مقاربة أمريكية كانت للتأثير في السياسة التركية الخارجية هي من خلال التأثير في السياسة المحلية التركية.اضافة إلى أنه من وجهة نظر واشنطن فإن تركيا تقع بقرب الجوار الذي يولد الأخطار الكبيرة التي تواجه العالم الجديد مثل: الإرهاب الدولي، والإسلام السياسي، وتزايد أسلحة الدمار الشامل. أيضاً بما أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر الشرق الأوسط كأرض مولدة لهذه الأخطار المحتملة فإن تركيا ومن خلال المفهوم الأمريكي تعتبر شريكاً حيوياً في مكافحة هذه الأخطار([12]).

في الحقيقة، إن تغيير الخريطة الجيوستراتيجية في الشرق الأوسط يستلزم فهم الأوضاع الجيوستراتيجية بشكل شامل بغية تحديد حاجة القوى العظمى، كما يستلزم تحديد وتعريف قدرات دول المنطقة وحدود استطاعتها. وعلى الرغم مما يبدوا من صعوبة تعديل الاتجاهات الجيوستراتيجية في المنطقة إلا أن الأمر ليس مستحيلا، فهناك حد لقوة الولايات المتحدة ومقدرتها على السيطرة على التغيرات الجيواستراتيجية المستقبلية في الشرق الأوسط وفي باقي مناطق نفوذها. وبالتالي هناك فرصة معتبرة لإمكانية التغير في الصياغة الجيوستراتيجية في المنطقة خصوصا أن الوضع الاقتصادي للولايات المتحدة لم يعد بتلك القوة المعهودة، كما تعاني أوربا من أوضاع اقتصادية سيئة حيث تقترب عدة دول اوربية من حافة الإفلاس. على أية حال، فإن فهم الحاجات الجيوستراتيجية للقوى العظمى واللاعبين الآخرين أمر أساسي لفهم كيفية معالجة القضايا الجيوستراتيجية. وفي هذا السياق فمن الضرورة بمكان أن يتم التفكير من وجهة نظر الأطراف الأخرى في محاولة لتوقع كيف سترسم الولايات المتحدة والأوروبيون خارطة توزيع القوى الجديدة؟ وأي مناطق في العالم ذات أهمية استراتيجية لهم؟ وما هي المناطق المحتملة للصراع؟ وأين ستركز الولايات المتحدة وغيرها اهتمامها؟ كذلك فإن من ضروريات معالجة القضايا الجيوستراتيجية في المنطقة فهم المنهجية المتبعة في الولايات المتحدة فيما يتعلق بآلية اتخاذ القرارات بشأن مصلحة المناطق ومن هم المعنيين بهذا الأمر. صحيح أن الرئيس الأمريكي مسؤول عن السياسة الخارجية إلا أن هناك عدة لاعبين لديهم تأثير بطريقة أو بأخرى مثل: الكونغرس، ومستشار الأمن القومي، ومجلس الأمن القومي، ووزير الخارجية، ووزير الدفاع، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية، بالإضافة إلى مزاج الجمهور، ووسائل الإعلام، ومجموعات المصالح.

الوصول إلى نقطة التكافؤ الجيوستراتيجي

في واقع الأمر إن الامبراطوريات تنهض وتسقط وهذه حقيقة تاريخية، ذلك ما حدث مع كل الامبراطوريات والقوى السابقة مثل بريطانيا العظمى والامبراطورية العثمانية والامبراطورية الرومانية وأسرة منغ الصينية وغيرها. ومن المعلوم بالضرورة أن الولايات المتحدة (كما في حالة الامبراطوريات والقوى العظمى السابقة) لديها استراتيجيتها الخاصة بها والتي تعكسها في سياستها الخارجية، إلا  أنه في المقابل فإن  الولايات المتحدة الأمريكية واجهت خلال العقود المنصرمة وستواجه في السنوات القادمة تغييرا جيوسياسياً بمقدار مشابه لما واجهته البندقية والامبراطورية العثمانية والأسرة الصينية الحاكمة منغ([13]). وبناء عليه، فإن دولا مثل تركيا، وإيران، ومصر، والمملكة السعودية مع دول مؤثرة أخرى مثل قطر يمكن لها أن تقود هذه التغيرات الجيوستراتيجية إذا ارادت ذلك، وتتحمل تركيا وإيران والمملكة السعودية القسم الأكبر من عبء تحويل هذه التغيرات إلى شيء واقعي. ذلك أن دول “الطليعة” هذه لديها الامكانيات الاقتصادية والموارد البشرية وتمثل جزءا كبيرا من الأركان الأربعة الرئيسية للمجموعات الإسلامية وهي: العرب، والترك، والفرس. ولفعل ذلك فإن إيران كقوة ناشئة عليها أن تعزز علاقاتها مع الدول في المنطقة وذلك لتقليل التدخل من قبل القوى الخارجية في شؤونها وشؤون دول الشرق الأوسط. وبناءً عليه فإن إيران عليها أن تطور علاقتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، ومصر، وتركيا، ودول اسلامية وعربية أخرى بصورة ايجابية. لقد فعلت إيران ذلك سابقاً مع الاتحاد السوفييتي تماماً كما تفعله مع روسيا الحالية. فإيران تُمَتن علاقتها مع روسيا إلى حد كبير وتتعاون مع موسكو لمعالجة الوضع الجيوستراتيجي مع جيرانها في الشمال الشرقي. وترتب على هذا التعاون مع موسكو عدم دعم المجاهدين الشيشان كما لم تدعم المتمردين الطاجكيين. وبدورها فقد منعت موسكو أذربيجان من التدخل في المحافظات الشمالية لإيران وقللت من عزلة النظام الإيراني، ووفقاً لــ (اينات و ايستيلاس 2005) فقد لعبت موسكو دوراً مهماً في تدويل السياسة الخارجية لإيران. إذاً فإيران ومن حيث المنطق مطالبة بأن تقوي علاقاتها مع جيرانها العرب و الترك. و من جهة أخرى فإن تركيا مطالبة أيضاً بتقوية علاقاتها مع العرب و ايران.

إن الظروف المعقدة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط تولد حالة من عدم القدرة على التنبؤ وعدم القدرة على التيقن والجزم  بمستقبل المنطقة, و نتيجة لذلك فهناك فرصة لتركيا كي تلعب دورا محوريا من خلال إيجاد نمطا ايجابيا أو بلورة عملية إيجابية في العراق([14]) ، إضافة إلى فرض حالة أو نمط أو عملية ايجابية في سوريا. أما العرب و هم الحلقة الأضعف في السلسلة الثلاثية فمطالبين بفعل الشيء ذاته. لكن المشكلة عند العرب هي عدم اتفاقهم على جهة واحدة تعبر عنهم مثل غيرهم نتيجة لتفرقهم وتضارب المصالح فيما بينهم، مما يجعلهم غير محصنين ومكشوفين ومن السهل ابتزازهم أو توظيفهم من قبل القوى الخارجية. إضافة إلى أن الأمة العربية في العديد من الدول العربية بدأت عملية تغيير قاسية تحت ما يسمى “الربيع العربي” ولقد دفعوا ومازالوا يدفعون ثمناً غالياً جداً لتحقيق التغيير. فمئات الآلاف قتلوا في هذه العملية القيصرية وملايين المهجرين واللاجئين ومئات الآلاف من الجرحى والمعوقين، وعشرات الآلاف من البيوت المهدمة. إن هذا الوضع المأساوي يرمي بثقل إضافي على السعودية، وتركيا لتقودا التغيرات الجيوستراتيجية في المنطقة إلى حين أن تتعافى الأمة العربية من نتائج عملية التغيير القاسية هذه وتعود لتمارس دورها الريادي في استقرار المنطقة.

في الواقع إن تركيا وإيران والدول العربية معرضة بل تتعرض لتغيرات داخلية وضغوط خارجية على حد السواء تسبب لها خلخلة استراتيجية داخلية واقليمية، مما يستوجب وضع حد لهذا التدهور وتوقيفه، و تطويرعوامل جيوسياسية محلية وتوفير دعم شعبي في كل بلد من أجل البدء في عملية صعود للوصول إلى نقطة “التوازن الاستراتيجي المحلي” لكل دولة وذلك استعدادا للقيام بالوثبة التالية باتجاه معالجة استراتيجية المنطقة وصولا إلى مرحلة “التكافؤ الجيوستراتيجي” فيما بين دول المنطقة أي على المستوى “الإقليمي”.

إن ايقاف التدهور على منعطف الاستراتيجية مهمة ضرورية وملحة قبل الوصول إلى نقطة “اللاعودة” بمعنى انتشار الفوضى في الدولة الواحدة وتحولها لدولة فاشلة وانتهاء كينونتها. وبدون الوصول إلى نقطة “التكافؤ الجيوستراتيجي” بين الدول الرئيسية في المنطقة فإن عملية التغير الجيوستراتيجي الاقليمية ستكون عرجاء ومنقوصة. والوصول إلى هذه النقطة يتطلب الوصول إلى نقطة التوازن الاستراتيجي المحلي من خلال تغييرات داخلية حقيقية في النظام السياسي والاقتصادي، واستغلال الموارد وتطوير التعليم ويتطلب نسيج اجتماعي داخلي متناغم، وديمقراطية وحرية وقيم وثقافة قومية مشتركة ووسائل إعلام محترفة وبنية تحتية متينة وخدمات صحية مقبولة ورؤية طموحة جذابة.

الإدارة التكاملية للمصالح والمبادرات الجيوستراتيجية

إن العمل للوصول إلى نقطة “التكافؤ الجيوستراتيجي” ينبغي أن تنفذ بشكل موازن لتأسيس مفهوم “الإدارة التكاملية للمصالح الجيوستراتيجية” فيما بين دول المنطقة، ويبنى هذا المفهوم على المبادئ التالية:

  • إدراك وتقييم المصالح والمطامح الجيوستراتيجية لدول المنطقة.
  • احترام المصالح والمطامح الجيوستراتيجة العادلة لكل دولة مع توضيح الحدود والتداخل بينها.
  • حماية وتعزيز روح التعاون عبر استغلال عوامل عدة منها على سبيل المثال: الدين، والحضارة، والتراث، واللغة، والتاريخ، والعلاقات الجغرافية، والتكنولوجيا، والمصالح الاقتصادية، والتعايش من أجل تحقيق الازدهار والاستقرار الاستراتيجي والحفاظ على هوية كل الدول في المنطقة.
  • تجنب المغامرات الكارثية خاصة التورط في الحروب الداخلية، فقد أثبت التاريخ أنه ما من رابح في الصراعات الطائفية وأنه ليس باستطاعة أياً كان أن يلغي أو يجتث أي طائفة أو هوية.
  • تنمية سياسات مشتركة وتعاون اقليمي واعي مع الدول الغربية.
  • أن تكون دول المنطقة على أهبة الاستعداد من أجل التكيف السريع أمام أية تطورات خلال هذه العملية وذلك لمواجهة حالة التعقيد والاضطراب المرافقة لها بطريقة مرنة بدلا من التصلب والتشدد([15]).

إن أهمية الإدارة التكاملية للمصالح تكمن في تجنب المواجهة الجيوستراتيجية فيما بين الدول في المنطقة، وتجنب الاقصاء الجيوستراتيجي واليأس، والتهميش، وتجنب استغلال الفرص الاستراتيجية من طرف واحد على حساب الآخرين مع الاحتفاظ بالحق في طموحات جيوستراتيجية عادلة. إن المصالح المشركة والمتشابكة تتطلب إدارة تكاملية للمصالح، وصراع المصالح يتطلب مقاربات استراتيجية راشدة وعقلانية لحل هذا الصراع. في نفس الوقت فإن “التضحية ببعض المصالح من قبل جميع الأطراف يعتبر نداءً عاجلاً([16]) وملحا لإنجاح هذا المسعى الجيوستراتيجي. إضافة إلى أن الوصول إلى نقطة “التكافؤ الجيوستراتيجي” وتطبيق مفهوم الإدارة التكاملية للمصالح سيهيئ المنطقة لإطلاق مبادرات جيوستراتيجية من دول المنطقة ذاتها مما سيفتح لها المجال للمساهمة الفعلية في صياغة استراتيجية المنطقة وفقاً لمصالحها، وسيساعدها في مقاومة الضغوط الخارجية ومقاومة أية اتجاهات جيوستراتيجية مفروضة، كما سيقلل من فرص التدخل الخارجي للقوى الخارجية. وبما أن المنطقة تشهد بصورة عامة فترة عصيبة ومعقدة وذات حراك ديناميكي عالي، فإن بعض المبادرات الاستراتيجية المصيرية أضحت مطلوبة بشدة ضمن سياق الديناميكية المعقدة للفترة الانتقالية للربيع العربي من أجل دعم وتسهيل تكامل المصالح فيما بين الدول. وفيما يلي بعد النقاط المطلوب اخذها بعين الاعتبار عند وضع خطة العمل:

  • التعرف على الميزات التنافسية لكل مجموعة للاستفادة منها في تطوير المقاربات الإستراتيجية([17]).
  • الحفاظ على الاستدامة الاستراتيجية وعدم التخلي أو تجاهل العناصر الاستراتيجية الحرجة بسبب الضغوط أو فترت الاضطراب.
  • تقليل كلفة الحفاظ على الاستدامة الاستراتيجية، من خلال مشاركة الخطر مع دول أخرى في المنطقة على قاعدة الربح المتبادل لكل الأطراف.
  • تطوير أهداف ورؤى جيوستراتيجية في كل بلد وانشاء وترويج رؤية اقليمية تسعي لتحقيق الازدهار في المنطقة.
  • التعاون في المسح والفحص المستمر لأوضاع المنطقة وتبادل المعلومات بغية تطوير سيناريوهات واقعية.
  • منتجات مشتركة كتطوير مصالح متبادلة فيما بين الدول مثل: التداولات، والصناعات التحويلية، والمشاريع التنموية المشتركة.
  • تبني اسلوب الحوار فيما بين الدول وحل المشاكل داخليا للحفاظ على مستوى جيوستراتيجي متوازن في المنطقة ولتخفيض مستوى التدخل الخارجي.

الخلاصة

تواجه منطقة الشرق الأوسط بيئة صعبة ومعقدة، حيث تتدخل القوى العظمى ليس في الشئون الجيوسياسية كل بلد، ولكن في الشئون الجيوستراتيجية لدول المنطقة ككل. وفي نفس الوقت واجهت الولايات المتحدة وقوى أخرى وما تزال تواجه تغيرات حقيقية في الواقع الجيوسياسي في عدة دول في المنطقة، مما ينعكس على تغيرات حقيقية في الواقع الجيوستراتيجي للمنطقة. وفي جميع الحالات فإن الولايات المتحدة بالرغم من أنها القوة العظمى إلا أن لها حداً من القدرات والامكانات لا تستطيع أن تتجاوزه. لذلك فإن هناك فرصة لدول المنطقة للعمل بجدية للوصول إلى نقطة التوازن الاستراتيجي الداخلية لكل دولة أولا، ثم تطوير ثقافة جيوستراتيجية مشتركة بين دول المنطقة ثانيا، ثم الوصول إلى نقطة “التكافؤ الجيوستراتيجي” ثالثا، بهدف تحقيق إدارة تكاملية للمصالح الاستراتيجية فيما بين دول المنطقة رابعا، مما سيفتح الأبواب لطرح مبادرات جيوستراتيجية على المستوى الدولي. يخبرنا التاريخ أن المكونات العرقية للحضارة الإسلامية من العرب، والترك، والفرس، وجماعات أخرى كانت قادرة على تطوير حضارة مميزة خلال تاريخها. وإن هذا الفخر التاريخي وضروريات الواقع الحالي المضطرب يفرض على كل الدول في المنطقة أن تطور شكلا من اشكال السيطرة على واقعها وظروفها الجيوستراتيجية بدلاً من التخلي عنها لقوى خارجية تتصرف في المنطقة كيفما تشاء على حساب دول المنطقة. وبالرغم من التناقضات الداخلية الحرجة بين دول المنطقة وخصوصا فيما يجري في سوريا واليمن، إلا أنه مازال هناك فرصة من أجل الاستفادة من هذه الصعوبات والنزاعات السياسية والعسكرية وكذا من الصعوبات الاقتصادية لتكون دافعا للوصول على الأقل إلى مذكرة تفاهم جيوستراتيجية أولية تأسس لتفاهم استراتيجي مشترك.

References

1. Ataman, muhittin. “United States of America.” Foreign Policy of States. Ed. Wolfgand Gieler, Kemal Inat, and Claudio Kullmann. Istanbul: Tasam, 2005. 523-42. Print.

2. babkayi, Rebwar. New World order and the issue of Nationalities in the Middle East. Arbeel: Ministry of Culture and Youth, 2011. Print.

3. Inat, Kemal, and Murat Yesitlas. “Islamic Republic of Iran.” Foreign Policy of States. Ed. Wolfgand Gieler, Kemal Inat, and Claudio Kullmann. Istanbul: Tasam, 2005. 222-29. Print.

4. Inat, Kemal. “Republic of Turkey.” Foreign Policy of States. Ed. Wolfgand Gieler, Kemal Inat, and Claudio Kullmann. Istanbul: Tasam, 2005. 499-506. Print.

5. Khalil Sh, Wael. “Analyzing Iraqi Complexity from Turkey Strategic perspective.” State building and Security in Iraq. Ed. Muharram H. Ozev. Istanbul: Tasam, 2011. 385-91. Print.

6. Sultan, Jasem. Geopolitic. Beirut: Dar Tamkeen, 2013. Print.

7. Grygiel, Jakub J. (2006) Great Powers and Geopolitical Change. Baltimore, MD, USA: Johns Hopkins University Press. http://site.ebrary.com/lib/qfnl/Doc?id=10188449&ppg=186

([1]) سلطان، 2013، غرايجلوجيكوب 2006.

([2]) غرايجل جاكوب 2006.

([3]) غرايجل جاكوب 2006، صفحة 184.

([4]) اينات و استيلاس 2005.

([5]) بابكي 2011.

([6]) انات وايسيتلاس 2005.

([7]) انات وايستيلاس 2005.

([8]) اينات و ايستيلاس 2005.

([9]) ايناتوايستيلاس 2005.

([10]) اينات 2005.

([11]) اتمان 2005.

([12]) اينات 2005.

([13]) غرايجلوجيكوب 2006.

([14]) وائل خليل شديد 2011.

([15]) وائل خليل شديد 2011.

([16]) نفس المصدر، صفحة 391.

([17]) نفس المصدر 2011.

The Changing process in the Middle East A Strategic Implementation Perspective An Initiative for a Leading Team

No doubt that the Middle East Arab countries are witnessing not only substantial changes but revolutionary ones after high oppression levels, poverty, exclusion of others, and the security-based regimes that have made winds of change inevitable. The changing process in the region is not separated from the surroundings and its external context. No doubt that the neighboring countries are being and are going to be influenced directly. It is very essential for the actors interested in the region to develop appropriate polices and strategies in order to maintain not only the stability in the region but also their strategic interests in this region. Furthermore, it is their duty to participate in spreading freedom and dignity after decades of oppression and humiliation. The changing process In the Middle East needs to be honestly guided to achieve its Noble goals. The paper sheds the light on an initiative for a leading team. Continue reading The Changing process in the Middle East A Strategic Implementation Perspective An Initiative for a Leading Team

About the book “Managing Organizations in Complex Environments from a Dynamic Strategic Perspective”

The complex dynamic of markets necessitates developing a dynamic strategic framework to incorporate complexity in strategy implementation and strategy formulation. In this book, comprehensive solutions and a set of structured principles  are introduced, allowing managers and practitioners to successfully manage organizations and firms in turbulent, uncertain situations and complex environments.

The book illustrates conceptual frameworks from a dynamic, strategic perspective that encompass a structured set of valuable principles and sub-elements. It illuminates comprehensive solutions that allow leaders, managers and practitioners to lead their organizations and firms through uncertain situations and complex environments to greater success. Available at amazon.com
The book illustrates conceptual frameworks from a dynamic, strategic perspective that encompass a structured set of valuable principles and sub-elements. It illuminates comprehensive solutions that allow leaders, managers and practitioners to lead their organizations and firms through uncertain situations and complex environments to greater success.
Available at amazon.com