الاستراتيجية التركية المستقبلية تجاه الشرق الأوسط

د. وائــل شــديد

استراتيجي وباحث

8 فبراير 2017

منشورة على موقع اكاديميةعلى الرابط التالي:لمزيد من التفاصيل 

https://goo.gl/r0MjKS

 

الاستراتيجية التركية المستقبلية تجاه الشرق الأوسط

مقدمة

لقد وجدت تركيا نفسها منخرطة في الأحداث الجيوستراتيجية في الشرق الأوسط، سواء رغبت بذلك أم لا. تاريخيا كان معظم ما يسمى الآن بدول الشرق الأوسط وعدة دول إسلامية أخرى تحت حكم الإمبراطورية العثمانية، مما أوجد علاقات طويلة وواسعة مع تركيا. وجغرافيا تحتل تركيا موقعاً استراتيجياً بين أوروبا وآسيا، فهي سقف الدول العربية من الشمال، وسواحلها تمتد من البحر الأسود إلى البحر المتوسط. كما أن لها حدودا طويلة مع دول غير مستقرة مثل سوريا والعراق التي تشهد كلتيهما حالة من الفوضى والتعقيد الداخلي. إن هذه الفوضى تؤثر على تركيا كأمر حتمي لا مفر منه. ومن جهة أخرى لدى تركيا حدود مع إيران التي هي اللاعب الجيوستراتيجي الإقليمي الفعال في المنطقة وتحاول أن ترسخ مصالحها الاستراتيجية عبر تدخل علني لتفرض نفسها كجزء من المعادلة الجيوستراتيجية في الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك ليس لدى تركيا أي خيار سوى أن تنخرط بنفسها في الصيغة الجيوستراتيجية من أجل تحقيق مصالحها الاستراتيجية ولتأمين حدودها ولمنع أي تقدم متنام تجاه الداخل التركي. في خضم هذا الفراغ الاستراتيجي في المنطقة تبدو تركيا على أنها اللاعب الجيوستراتيجي الواعد والمؤهل جيداً للعب دورا جيوستراتيجيا في المنطقة.

وتلقي هذه الورقة من خلال أسلوب وصفي وتحليلي الضوء على السياق الجيوستراتيجي في الشرق الأوسط وعلى اللاعبين الإقليميين والدوليين، وتقترح ملامح لمبادرة استراتيجية تركية مستقبلية تجاه الشرق الأوسط.

السياق الاستراتيجي في الشرق الأوسط

يشمل الشرق الأوسط الدول العربية وتركيا وإيران. ويشهد هذا الجزء من العالم اضطرابا وتعقيداً ودينامية عالية جداً. حيث تمر الدول العربية في الشرق الأوسط بتغيرات ثورية حقيقية بسبب الربيع العربي والثورات المضادة له. حيث أصبح عدم الاستقرار وعدم اليقين والفوضى والاضطراب هي السمة العامة للدول العربية التي شهدت الربيع العربي مثل: مصر، واليمن، وسوريا، وليبيا، والعراق من قبلها. أيضاً هناك تفاعلات القضية الفلسطينية والتي هي رمز للصراع العربي – الإسرائيلي. بالإضافة إلى تشكّل بعض التنظيمات الإسلامية المتطرفة في ظل هذه الفوضى، مثل داعش التي برزت كوحش دولي، هذا الوحش استدعى مجدداً الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها وروسيا إلى المنطقة لوضع حد لتوسع داعش.

يحيط بتركيا من الجنوب والشرق سوريا والعراق وإيران. وكل دولة منها لديها اعتباراتها الجيوستراتيجية الخاصة بها. فكلا من سوريا والعراق في حالة عدم استقرار واضطراب هائل. حيث تشهد سوريا صراعاً داخلياً معقداً بين النظام مدعوماً من إيران وروسيا، ومقاتلو المعارضة المدعومين إلى حد ما من بعض الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية وقطر. وتدخلت الولايات المتحدة في الصراع السوري من خلال الحفاظ على التوازن بين الجانبين والأخذ بعين الاعتبار المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، ونزلت روسيا على الأرض السورية لدوافع جيواستراتيجية لتعزز موقعها المضاد للغرب. وبالتالي أضحت المشكلة السورية تعكس الصراع الدائر بين اللاعبين الخارجين أكثر مما تعكس الصراع الدائر بين اللاعبين المحليين.

أما في العراق فالوضع في تعقيد آخر يعكس الصراع بين الشيعة المدعومين من إيران، والأكراد المدعومين من الولايات المتحدة، والسنة وهم بدون أي دعم خارجي. وبهذا يبقي أهل السنة الجزء الأضعف في العراق، وفي نفس الوقت هم الجزء الأكثر أهمية إذا ما أريد تحقيق الاستقرار هناك. لكن الدور السني قُلِّصَ ولا يتم تمثيله كما ينبغي بما يتناسب مع الموارد الكامنة لديهم، وهم كذلك لا يستفيدوا من مواردهم وإمكاناتهم إلى الحد الأقصى، وغير مدعومين ومؤيدين خارجياً مثل الشيعة أو الأكراد، ويعانون من خلافات داخلية، وغير قادرين على ملائمة أنفسهم في موضع استراتيجي يعكس حجمهم الحقيقي، بالرغم من أنهم هم أصحاب الثورة الحقيقيين ضد الاحتلال الأمريكي وقد دفعوا الثمن وقدموا التضحيات لهذه المقاومة.

لقد وصل الشيعة إلى ذروتهم القصوى من خلال حكم العراق بواسطة الدعم الكبير من إيران وبموافقة أميركية. فحشدوا كل مواردهم واستفادوا من كل إمكانياتهم ووصلوا إلى سقفهم الأعلى والذي يبقى أقل مما هو مطلوب للسيطرة على العراق كله. فإمكانياتهم القصوى غير كافية لتحكم العراق حتى مع الدعم الإيراني المطلق. فقد فشلوا في حكم العراق بطريقة متوازنة وذلك لعدة أسباب من ضمنها منظورهم الطائفي، ونقص الخبرة، والاعتماد على محاربين شيعة كُثر، وهوس الانتقام من الآخر، وغياب الروح الوطنية لتوحيد العراق.

ومن جهة أخرى فإن وجهة نظر الأكراد مكرسة تجاه كسب استقلالية أكثر بهدف إنشاء دولتهم المنشودة. فهم يستغلون الحالة العراقية المعقدة لاكتساب مصالح أكثر لأنفسهم، ويبدوا أنهم سيجدو أنفسهم متورطون في صراعات مستقبلية مع عدة لاعبين، مثل العرب، والتركمان وإيران إذا بقوا مصريين على مواقفهم.

عند قراءة الموقف التركي من الصراع التاريخي الأساسي في الشرق الأوسط وهو القضية الفلسطينية نجد أن هناك بعض التطورات الهامة حيث تحول الموقف التركي إلى الجانب المؤيد للقضية الفلسطينية، أي باتجاه حلم الأمة الإسلامية. مما وضعها في قلب تطلعات وآمال الأمة الإسلامية فيما يتعلق بتحرير المسجد الأقصى والقدس وفلسطين. وعلاوة على ذلك فإن شعبية تركيا وقادتها تتزايد بسرعة بين العرب والشعوب الإسلامية. ومن جهة أخرى فقد أظهر الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية موقفاً صلباً في مواجهة الحروب الوحشية للاحتلال الإسرائيلي خاصة في غزة بالإضافة إلى إصرار الشعب الفلسطيني وصموده في وجه الاحتلال الإسرائيلي في القدس والضفة الغربية. هذا الإصرار الفلسطيني المتواصل غير المسبوق خلال أكثر من 70 سنة يشكل قاعدة صلبة لأية تحركات استراتيجية، بمعنى آخر يشكل رهاناً رابحاً لأية مناورة جيواستراتيجية جدية في المنطقة.

 

اللاعبون الجيوستراتيجيون الإقليميون

يوجد عدد من اللاعبين الإقليميين في منطقة الشرق الأوسط من ضمنهم مصر، والمملكة العربية السعودية، وإيران، وتركيا. أما بالنسبة لمصر فهي تعيش حالة اضطراب بعد الانقلاب وما تزال غير مستقرة وبالتالي لم يعد باستطاعتها أن تكون لاعباً جيوستراتيجياً مؤثراً حتى هذه اللحظة. وما لم تصل مصر إلى حالة استقرار فستبقى غير قادرة على لعب دور جيوستراتيجي مؤثر في المنطقة.

وفي المقابل لا تبدي المملكة العربية السعودية أيّة استراتيجية واضحة في المنطقة. وبدلاً من ذلك فإنها تنأى بنفسها وترفض التعامل مع ما يسمى بالإسلام السياسي مما موضع المملكة العربية السعودية في زاوية الطرف المعادي لثورة الربيع العربي من خلال دعم الانقلاب في مصر ومعاداة الثورة في اليمن قبل سطوة الحوثي على الموقف. هذا الموقف السعودي من الربيع العربي متناغم مع موقف الولايات المتحدة. وقد أحجمت المملكة العربية السعودية في الماضي وحتى هذه اللحظة عن تقديم دعم سياسي حقيقي لسنة العراق، على الرغم من أنهم كانوا ومازالوا يرزحون تحت معاناة شديدة من الحكومة الشيعية التي تم تعزيزها بشكل واضح من إيران. أيضاً لا تبدي المملكة العربية السعودية دعماً واضحاً للمقاومة الفلسطينية في مواجهتها مع الاحتلال الإسرائيلي في الحروب السابقة في غزة، واكتفى الموقف السعودي بالتزام الموقف الرسمي المتماشي مع توجهات اللجنة الرباعية. فأصبح الموقف السعودي يتماشى تماماً مع وجهة نظر الولايات المتحدة فيما يخص المقاومة الفلسطينية. من جهة أخرى لا تبدي المملكة العربية السعودية أية استراتيجية مستقلة واضحة فيما يتعلق بالمشكلة السورية في حين أن إيران تدعم النظام السوري بكل قدراتها المالية والبشرية والعسكرية. ومرة أخرى يبدو الموقف السعودي غير قادر على فرض رؤيته ولا يستطيع تجاوز الرؤية الأمريكية مما أظهر السعودية وكأنها تقوم بأفعال تصب في المصلحة الاستراتيجية الأمريكية أكثر منها في المصلحة السعودية أو العربية. وعلى ذلك يمكن اعتبار المملكة العربية السعودية كتابع أكثر منها كلاعب جيوستراتيجي مؤثر.

وتظهر تركيا بتغيراتها الجيوستراتيجية بعد وصول أردوغان وحزبه للحكم وكأنها فارس الأحلام، وتبدي تركيا موقفاً واضحاً تجاه القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى، وتتخذ موقفاً صارماً حيال الأفعال العدائية لإسرائيل. وفي المقابل فإن تركيا تحت اختبارٍ كبير فيما يخص استقرارها الداخلي بسبب المعارضة الداخلية والدولية. وحتى الآن استطاع أردوغان مع حزبه أن يتغلب على الاضطرابات الداخلية ومنعها من تحقيق زعزعة الاستقرار الداخلي. وبالرغم من الأحداث الخارجية المحيطة بها إلا أنها ظلت لوقت قريب متحفظة في المجال الجيوستراتيجي الخارجي نتيجة لنقص الاستقرار الداخلي، ولعدم بلورة رؤية جيواستراتيجية في ظل هذه البيئة المعقدة، ولأنها ماتزال في مرحلة انتقالية. لذلك ركزت القيادة التركية على القضايا الداخلية والاستقرار أكثر من الأحداث الخارجية، خاصة مع هكذا أحداث خارجية معقدة، ومع ذلك تبقى لاعباً جيوستراتيجياً واعداً فيما يشاهد اللاعبون الإقليميون والدوليون الآخرون ويرصدون تطور هذا الاعب المتَوقع الجديد. ومما لا شك فيه ان الاستراتيجية التركية بعد فشل الانقلاب قد انطلقت نحو التعامل مع الفضاء الاستراتيجي الخارجي بشكل واضح واندفعت في قوات درع الفرات نحو فرض واقع على الأرض في الشمال السوري.

في الحقيقة، إن اللاعب الجيوستراتيجي الفعال الوحيد في المنطقة هو إيران، فإيران لها تاريخ طويل من التدخل في المنطقة منذ أيام الشاه الذي لعب دور الشرطي عن الولايات المتحدة في منطقة الخليج. لقد اعتبرت إيران البحرين جزءا من إيران، واحتلت الجزر الإماراتية الثلاثة. لقد عادت الرغبة الإيرانية في التوسع مرة أخرى بعد الثورة الإسلامية عندما حاولت أن تصدّر الثورة إلى دول إسلامية أخرى، ثم هدأت قليلا ثم عادت الرغبة في التوسع مجدداً وبشدة أكثر تحت مصطلح “حماية المصالح الاستراتيجية الإيرانية”. ولم تقف إيران عند هذا الحد لكنها تجاوزته بدعم الأحزاب الشيعية في لبنان والعراق والبحرين واليمن التي أصبحت ذراعها في نشر استراتيجيتها ومصالحها في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك فقد نجحت إيران في اختراق العراق بعد صدام حسين، وأصبحت المحرك الرئيسي للأحداث الداخلية في العراق، كما استطاعت أن تستغل تأثيرها في العراق في المفاوضات النووية مع الغرب. لقد أصبحت العراق تماماً كما ترغب إيران: عراقٌ ضعيف خاضع لحكومة شيعية مع أدوار متواضعة للسنة، وبالتالي استطاعت إيران أن تستثمر الحالة العراقية إلى حد كبير لتحقيق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. كما استطاعت إيران أن تحقق تغلغلاً عميقا في لبنان من خلال حزب الله ودفعه للقتال في سوريا.  وفي جميع الحالات فإن التدخل الأوضح لإيران هو في سوريا، حيث تتواجد بصورة مباشرة عبر إرسالها الحرس الثوري للمشاركة في الحرب ضد المعارضة، وبدفع أذرعها من المليشيات الشيعية مثل حزب الله والمليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية للقتال بصورة مباشرة في سوريا بحجة الدفاع عن النظام السوري. كما تعمقت إيران في جنوب غرب الجزيرة العربية حيث اليمن بدعم الحوثيين أيضاً لتثبت وتعمق مصالحها في تلك المنطقة. إنه توسع إيراني واضح فهو يستغل حالة عدم الاستقرار والاضطراب في محاولة لإثبات قوتها ومصالحها وتأثيرها وهكذا تكون إيران هي اللاعب الجيوستراتيجي الإقليمي الفعال الوحيد الذي يتدخل بصورة مباشرة وغير مباشرة في كل أرجاء منطقة الشرق الأوسط.

اللاعبون الجيوستراتيجيون الدوليون

الدول الشرق أوسطية مثل: مصر، وسوريا، وتركيا، والعراق، والمملكة العربية السعودية، ومنطقة الخليج، وفلسطين موجودون في قلب المصالح الجيوستراتيجية للولايات المتحدة، وأوروبا، وروسا، والصين. إذ يقع الشرق الأوسط في مكان استراتيجي مميز فهو يحتوي على أغنى مصادر الطاقة مثل النفط والغاز والطاقة المتجددة، أي الرياح والشمس. إن موقعه الجيوستراتيجي يجلب اهتمام الآخرين إليه جلبا، فالعيون على المنطقة طوال الوقت. وأصحاب المصالح الخارجية لن يتوقفوا عن التدخل في المنطقة لدوافع وأهداف مختلفة، زد على ذلك الصراع العربي-الإسرائيلي وهو سببٌ آخر للاهتمام والتركيز على هذه المنطقة. كما أن دول الشرق الأوسط تقع في نطاق “حزام الاستقرار” بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا، وحزام الاستقرار هو المنطقة المحيطة بروسيا وأوروبا الشرقية من الجهة الجنوبية.  كما تسيطر دول الشرق الأوسط على طرق ملاحة بحرية وممرات جوية هامة، وتفصل روسيا عن المياه الدافئة. بالإضافة لذلك هناك الصراع العربي-الإسرائيلي، الذي يؤثر على الجيوسياسية الداخلية لمعظم دول الشرق الأوسط، ويؤثر على التحركات الجيوستراتيجية الخارجية في المنطقة أيضاً.

ووفقاً لذلك فإن المنطقة تحت تركيزٍ ليس فقط من القوى العظمى بل من القوى الناشئة أيضاً مثل الصين. ويضاف إلى ذلك العديد من المشاكل الجيوسياسية الخطيرة في دول الشرق الأوسط كغياب الديمقراطية، والحوار، والتسامح، وفن الاختلاف، والانقسامات الطائفية، والمشاكل السياسية القومية، والأيديولوجيات القسرية، وقلة القواعد المشتركة في البلد نفسه، وعدم قبول الرأي الآخر، والاقصاء، والتهميش، والمفاهيم الخاطئة، وإثارة وإعادة الأحقاد التاريخية إلى الذاكرة. هذه المشاكل الجيوسياسية الخطيرة تولّد قضايا جيواستراتيجية صعبة وأزمات تؤدي إلى مواجهات إقليمية معقدة. إن مثل هذه المواجهات الجيوستراتيجية تخلق منافذاً سهلة لتدخل دولي في المنطقة.  تحت بند الحاجة إلى الحماية. حيث أن القوى العظمى لها مداخل مختلفة للتدخل في السياسات الداخلية والخارجية للشرق الأوسط. فأحد أنواع المداخل هو مدخل الحماية من قوى إقليمية أخرى كما هو الحال في بعض دول الخليج العربي الطامحة في حماية أمريكية ضد تدخلٍ إيراني متوقع في دولها. وهناك مدخل امتلاك الأسلحة للوصول إلى تكافئ استراتيجي مع معارضين آخرين في المنطقة، مما يفتح الباب على مصراعيه على تدخل جيوستراتيجي كبير كما حدث إبان غزو الكويت، ثم غزو العراق في 2003، ثم التدخل الروسي في سوريا. ومن قبل اندفاع بعض الدول لطلب الحماية الأمريكية ضد حركة التوسع الإيرانية وتصدير الثورة وبالتالي التوجه بعيداً نحو تعزيز أمنهم متحالفين مع واشنطن. وهناك أيضا المدخل الاقتصادي والتكنولوجي للمساعدة في استخراج الموارد الطبيعية ولتطوير البلاد وهو يمهد الطريق لهذه التدخلات أيضاً. وليس ذلك فقط بل أصبح وللأسف مبدأ السيادة قابلاً للمساومة.

ورغم أن القوى الأوروبية لها اعتبار جيد في المنطقة غير أن الاقتصاد الغربي الضعيف في ظل الأزمات الاقتصادية الحالية منذ عام 2008 لن يسمح للغرب بأن يكون قادرا على فرض قيادته ورغباته على المنطقة كما كان في العادة.  وما من شك فإن الولايات المتحدة هي القوة الأساسية في وتلعب دوراً حيوياً في تشكيل استراتيجية المنطقة وتبقى هي اللاعب الجيوستراتيجي الأساسي.

الجيوستراتيجية التركية المستقبلية

في هذه البيئة الخارجية المضطربة والمعقدة لن تستطيع تركيا أن تقف على الحياد بدون تحركات جيواستراتيجية، فحتى لو رغبت في أن تفصل نفسها عن الأحداث الديناميكية العالية الخطورة فسينتهي المطاف بهذه الأحداث إلى أن تنتقل وتضرب تركيا من الداخل.

مخاوف تركيا الخارجية

في الحقيقة إن إحدى المخاوف الرئيسية هي القضية العراقية التي كانت أول حدث. والعراق كواحد من البلدان الهامة في المنطقة يعاني من اضطراب دائم منذ عام 1990 وحتى الآن. ومازالت الحالة هناك متصاعدة وتتطور باتجاه التعقيد يوماً بعد يوم وهذا من آثار الاحتلال الأمريكي، والتباينات الديموغرافية، والنزاعات الداخلية، وكذلك مشكلة داعش والتدخلات الدولية والإقليمية كلها تساهم في اضطراب المشهد العراقي. والعراق بتعقيده وغموضه يجاور تركيا ويحدث تأثيراً في العديد من شؤونها مثل السياسة الخارجية، والعناصر الداخلية، والقضية الكردية، والعلاقات الاقتصادية.

وهنا تبرز بقوة مجموعة من المخاوف قادمة من العراق ولها تأثير سلبي على تركيا، منها كيفية الحصول على معلومات كافية لإدارة نتائج التعقيدات العراقية، وكيفية تجنب استعمال القوة والتورط المباشرة في حل المشاكل الناجمة عن الوضع هناك، ومخاوف من جر تركيا إلى الدوامة العراقية، ومخاوف بأن تصبح مشتتة الانتباه بإدارة الأزمات أكثر من إيجاد حلول جذرية وحقيقية، ومخاوف من توسع إيراني في المكونات العراقية يمتد نحو تركيا، ومخاوف من استغلال الأكراد في الجانب العراقي لمشكلة حزب العمال الكردستاني.

أما القلق الآخر فهو المنبثق من سوريا متمثلاً بالعدد الكبير من اللاجئين السوريين في تركيا والمتزامن مع نتائج اجتماعية واقتصادية وسياسية سلبية. وأيضاً الارتباك السياسي الناجم عن الصراع العسكري بالقرب من الحدود مع سورية، كالمواجهات الدائرة عند نقاط العبور والحدود البرية، إضافة لذلك العداوة التي تعززت بين النظام السوري والحكومة التركية والتي قد تؤدي إلى أعمال عدائية من قبل النظام السوري داخل تركيا، أو استغلال بعض أفراد الطائفة العلوية التركية لزعزعة الأمن والسلم الداخليين، وإمكانية استغلال تداعيات المشكلة السورية من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، وروسيا، لفرض نوعٍ من الضغط عليها.

أما القلق الثالث فهو المشكلة الفلسطينية والعناد الإسرائيلي. في الواقع هذا القلق جليٌّ لأن قادة حزب العدالة والتنمية يعتبرون المساعدة في قضية المسجد الأقصى، والقدس، ودعم الشعب الفلسطيني واجباً دينياً. إن العناد الإسرائيلي أدى إلى مقتل عددٍ من النبلاء من الشعب التركي كانوا على متن سفينة مساعدات إنسانية، مما أدى إلى نزاع سياسي جدي مع إسرائيل، لذلك فإن هذا الصراع المستمر في فلسطين سيؤثر على الاستراتيجية التركية أيضاً، وسيلقي بظله على سياساتها الخارجية.

السياق الجيوستراتيجي بخصوص تركيا

إن عملية التغيير في المنطقة ليست منفصلة عن البيئة المحيطة، وما من شكٍ بأن دول الجوار تتأثر بصورة مباشرة، وفي وسط هذا التعقيد وجدت تركيا نفسها متورطة، ليس لأنها ترغب في الانخراط، بل لأنه فرض عليها بسبب موقعها الجغرافي، والمتطلبات الدولية، والمسؤولية الإنسانية، والواجب الإنساني. والتحرك التركي الأخير باتجاه الداخل السوري لم يكن خيارا بل اجبارا للانخراط في هذه الصيغة الجيوستراتيجية الإقليمية، وإلا فإنها ستدفع ثمناً أغلى داخلياً وخارجياً وستظهر نتائجه سلباً على المكونات السياسية والاجتماعية الداخلية التركية. ليس هذا فحسب بل ستجد نفسها محاطة بمصالح استراتيجية لدول أخرى، مما سيؤدي إلى تآكل مصالحها. على الرغم من أن تركيا اتجهت نحو صفر مشاكل خارجية في السنوات الماضية إلا أن الواقع فرض أحداث خارجية ضخمة تضاعفت أكثر مما أملت. في واقع الأمر تواجه تركيا حالة جيواستراتيجية معقدة تستوجب تكيفاً سريعاً، وتحديدا لموقعها الجيوستراتيجي، وإلا فإنها تخاطر بنفسها إذا ظلت ثابتة في موقفها دون أي مناورة استراتيجية، إذ أنه من وجهة النظر الاستراتيجية فإن البقاء على حالة وضع السكون في بيئة معقدة سيمكّن القوى المنافسة وقوى التوازن الاستراتيجي الداخلية من دفع الكيان (تركيا) نحو نقطة اللاعودة.

ويظهر في السياق المنافس الآخر وهو إيران التي اندفعت بقوة في المنطقة للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية إلى الحد الذي أصبح فيه من الصعب تطوير تفاهم مع إيران لتهدئة المنطقة. وما لم يكن لدى تركيا القوة لتكون لاعباً مهماً في الصيغة الجيوستراتيجية سيكون من الصعب وضع حدٍ لتأثير توسع المصالح الإيرانية عليها داخلياً وخارجياً. لقد أصبح واضحاً على وجه التحديد أن المصالح الإيرانية تعارض المصالح التركية في المنطقة، ليس في العراق فقط بل في سورية أيضاً. إن الاندفاع الإيراني حافزٌ آخر لتركيا لتصبح جزءا من الصيغة الجيوستراتيجية في المنطقة بدلاً من كونها مراقباً فقط.

وهنا تجدر الملاحظة أنه بالرغم أن إيران واحدة من اللاعبين الرئيسيين إلا أنها هي ذاتها تعاني من التعقيدات في العراق وسوريا بل في المنطقة كلها. لقد اقحمت إيران نفسها في العراق إلى حد كبير ثم اقحمت نفسها في سورية ثم في اليمن، مما يشير إلى أن إيران تغرق الآن في ثلاثة مستنقعات. وفي نفس الوقت تعاني إيران من العقوبات الاقتصادية وإنفاق الكثير من الأموال على مشروعيها النووي والصاروخي اللذان يستهلكان الكثير من دخلها القومي. إذاً، الغرق في ثلاثة مستنقعات مترافقٌ مع عقوبات اقتصادية يشير إلى أنه ليس من السهل على إيران أن تتحمل أربعة أعباءٍ ثقيلةٍ معاً وهي: العراق، وسورية، واليمن، والمشروع النووي. وعلى ذلك فإن إيران معرضة لصعوبات جمة ولفشل في خطتها الجيوستراتيجية في ظل هذه الظروف، أو أنها ستدفع ثمناً باهظاً لتعزيز مصالحاها التي ستهدد جدياً وضعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي. إضافة إلى ذلك، فهناك روسيا التي انغمست في التعقيد في سبتمبر 2015 ولم يكن التدخل الروسي لأسباب سياسية روسية داخلية ولا لأسباب اقتصادية ظاهرة إنما لمصالح جيواستراتيجية بحتة من خلال فرض نفسها في المعادلة الاستراتيجية في الشرق الأوسط وأروبا لتستعيد مجدها السابق ولتعزيز موقفها في أوكرانيا، وبذلك تصبح روسيا عاملا مؤثرا في التموضع الاستراتيجي التركي.

وبالتالي، فأنه من المنظور التركي، فقد تجمعت مجموعة من المخاوف الاستراتيجية الحقيقية منها على سبيل المثال لا الحصر: صدى المواجهات الداخلية السورية عليها، والقلاقل التي قد يسببها النظام السوري في الداخل التركي، ومشكلة اللاجئين السوريين وتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية، وآثار القلاقل في العراق، والاستغلال الإسرائيلي أو الأمريكي لهذا الوضع والضغط عليها، والموقف الأمريكي السلبي والمتمثل بدعمه لأكراد سوريا على الحدود التركية، والمشكلة الكردية الداخلية، والتحالف الروسي الإيراني في سوريا، والتوجه الطائفي الإيراني في المنطقة، وعواقب الانقلاب العسكري الفاشل. وبناء على كل ذلك فان الانخراط التركي في تعقيد البيئة الخارجية قد يكون أصبح حتمية استراتيجية لحمايتها من ارتدادات التدخلات الخارجية، ولإعاقة تقدم الخطر الخارجي نحو الداخل التركي، وللمحافظة على المصالح التركية في المنطقة. علما بأن مثل هذا التوجه يستوجب عليها امتلاك عناصر وأدوات القوة الاستراتيجية قبل انغماسها فيه. وبالرغم من هذا التعقيد إلا أن هناك مجموعة من الفرص التي تستطيع تركيا استغلالها لتشكيل استراتيجيتها.

  بما أن اللاعبين الآخرين هم أنفسهم غير متأكدين من صوابيه خطواتهم القادمة فإن ذلك يعطي تركيا فرصة لموضع قدم مناسب لها، كما أن جميع المناورات والتحالفات والنوايا أصبحت معروفة وبالتالي أضحى فهم اللعبة سهلا. كذلك فإن جميع اللاعبين أصبحوا تحت ظروف التعقيد وعدم اليقين والضعف في التنبؤ ويجدر التنويه إلى أن حدوث تغيرات درامية واردة في ظل هذه الظروف إلا أن أقل المتضررين هو الأكثر جهوزية. وكما أن لإيران أذرع محلية في المنطقة، فإن على تركيا أن تشكل لها أذرعا حتى تستطيع المناورة على الأرض خصوصا أن الموقف التركي من القضية الفلسطينية أوجد لها قبولا في الشارع العربي والإسلامي ممكن أن يسهل تشكيل تحالفات شعبية وسياسي رسمية مع السعودية وقطر وغيرها من الدول.

وبناء عليه فإنه بإمكان تركيا تطوير مبادرة جيواستراتيجية باتجاه الشرق الأوسط وستطرح تركيا هذه المبادرة كلاعب أساسي في المنطقة بدلاً من ترك الملعب للآخرين ليفرضوا استراتيجياتهم ومصالحهم، كما أن ملأ الفراغ سيمنع الآخرين من التدخل لوحدهم في المنطقة، وستحد من التأثير على المصالح التركية، علاوة على ذلك فالمبادرة الجيوستراتيجية ستساعد في تحقيق توازن في العلاقات الإقليمية السياسية، وستوجد حراكا سياسيا بين الحكومات والكيانات الجديدة المتوقعة، وستدعم المكون السني الذي يشكل حجر زاوية في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، مضافا لذلك تطبيق دور أخلاقي وتأدية واجب إسلامي أيضاً.

ملامح المبادرة الجيوستراتيجية التركية المستقبلية

بما أن هناك فراغ استراتيجي في المنطقة فيجب أن تشغل تركيا حيزاً بارزاً فيه، وإلا فإن هذا الفراغ سيملأ تماماً بواسطة لاعبين آخرين، هذا الفراغ لا يجذب القوى الأجنبية العظمى فقط، بل يجذب القوى الناشئة في المنطقة، مثل إيران، وفي نفس الوقت جذب وسيجذب قوى صاعدة أخرى، مثل الصين، وروسيا. أما في حقبة أوباما فقد انكفأت واشنطن عن المنطقة معتمدة على حلفائها لتأدية مصالحها الاستراتيجية المطلوبة. وهم من الدول الأعضاء في الناتو ودورهم الاستراتيجي مقدر تماما من قبل الولايات المتحدة وأروبا، على الرغم مما يبدو من صعوبة الموقف فليس من المستحيل تغيير الوضع الجيوستراتيجي في المنطقة. خاصةً وأن هناك حدٌ لقوة الولايات المتحدة وقدراتها في السيطرة على المتغيرات الاستراتيجية المستقبلية.

إن تغيير الخريطة الجيوستراتيجية يستلزم استيعاباً للحالة الجيوستراتيجية تحديداً حاجات القوى العظمى، ومعرفة بالإمكانات والقدرات الإقليمية وحدودها. وتركيا لديها إمكانيات اقتصادية عظيمة وموارد طبيعية وتمثل أحد ركائز مكونات الأمة الإسلامية وهم (العرب، والترك، والفرس). وعليه فإن تركيا مؤهلة تماماً لتخطو خطوة نحو تبني مبادرة جيواستراتيجية منطقية وجدية.

وفي المقابل فإن العرب وهم الأضعف في السياق الجيوستراتيجي مطالبين بالمثل أيضاً. فمشكلة العرب هي في عدم وجود ممثل لهم متفق عليه مثل الأطراف الأخرى مما يتركهم دون وحدة وفي تفكك، جاعلاً إياهم في موضع هشّ ومن السهل أن يتم التلاعب بهم من قبل القوى الخارجية. في المقابل تواجه الأمة العربية في معظمها عملية تغيير حادة في دولهم بما يسمى بــ “الثورات المضادة” ضد “الربيع العربي” وقد دفعوا ومازالوا يدفعون ثمناً باهظاً لتحقيق التغيير. حيث قتل مئات الألوف منهم وشرد الملايين في عملية التغيير القاسية هذه. إن هذا الوضع يزيد من الضغط على تركيا لتقود التغيرات الجيوستراتيجية في المنطقة حتى تتعافى الأمة العربية (الحليف المستقبلي لها) من نتائج عملية التغيير الحادة هذه.

وهنا ينبغي لتركيا عند التقدم باتجاه المبادرة الجيوستراتيجية المستقبلية ملاحظة بعض المحددات والتي من ضمنها على سبيل المثال لا الحصر: الاستقرار الداخلي التركي من ناحية التماسك الاجتماعي والوضع الاقتصادي اللائق والاستقرار السياسي. طبعاً إن الاستقرار لا يعني صفراً من المشاكل، لكن الاستقرار يعني أن المشاكل تتجه نحو حدها الأدنى، أو أنها عند درجة معقولة تجعل التحرك نحو مبادرة جيواستراتيجية ممكنا. بالإضافة إلى ذلك فإن هذه المبادرة تتطلب دعماً من الشعب التركي مع تطوير عوامل داخلية مهمة مثل بلورة رؤية جيوسياسية محلية للانتقال نحو الاستراتيجية الإقليمية. إن التركيز على الأولويات الداخلية يجب أن يظل مستمراً للحفاظ على الازدهار الداخلي حياً. كما يجب الانتباه إلى عدم الانزلاق نحو التشتت وفقد التركيز والتوجه نحو معالجات سطحية في إدارة الأزمات في دول الجوار وتجاهل الأسباب الحقيقية وعدم تقديم الحلول الجذرية. وعلى هذا الأساس يمكن لتركيا أن تستفيد من عدة معطيات في صياغة وتصميم مبادرتها الاستراتيجية مثل:

  • السنة في العراق وهم الجزء الأضعف فيه لكنهم يمثلون حجر الزاوية في العراق فما من حل دائم يمكن أن يصمد دون موافقتهم.
  • جزء – معتبر -من الأكراد شمال العراق الساعين إلى إنشاء الدولة الكردية يرغبون في إقامة علاقات جيدة مع تركيا، على الرغم من وجود حزب العمال الكردستاني.
  • الحركة الإسلامية المعتدلة التي أثبتت أنها متجذرة في العالم العربي، وقد فازت في العديد من الانتخابات كما حدث في تونس، ومصر، والمغرب. وهم لاعبون رئيسيون في اليمن، وليبيا، والسودان، والكويت.
  • جزء كبير من الشعب العربي يدعم الموقف التركي وخاصة أردوغان الذي يتمتع بشعبية كبيرة، ليس فقط في العالم العربي فحسب بل في الأمة الإسلامية أيضاً.
  • معظم أطياف المعارضة السورية الذين أثبتوا مقدرتهم على الوقوف وتحدي النظام السوري على الرغم من الدعم الروسي والإيراني
  • العديد من علماء المسلمين الذين يمثلون كيانات إسلامية عديدة ومرجعيات دينية ذات وزن وثقل ومصداقية.

إن المبادرة الجيوستراتيجية المقترحة ضرورية لتركيا للوصول إلى نقطة التكافؤ الجيوستراتيجي مع اللاعبين الإقليميين. بعد الوصول إلى نقطة التكافؤ هذه يمكن تطوير فهم إقليمي مشترك بهدف تجنب مواجهة استراتيجية والاستفادة العادلة من الفرص الاستراتيجية المتاحة. ثم بعد ذلك التقدم نحو مرحلة الإدارة التكاملية للمصالح الاستراتيجية حيث يتمكن اللاعبون الإقليميون من إدارة مصالحه استراتيجية لوحدهم، وبعد ذلك الوصول إلى نقطة تكافؤ أخرى ولكن هذا التكافؤ سيكون مع اللاعبين الدوليين، لكي يستطيعوا تطوير مبادرات جيواستراتيجية إقليمية ودولية متماسكة.

بالرغم من الوضع الحالي بالغ التعقيد، إلا أن تركيا مع تحالفاتها المستقبلية ما تزال قادرة على لعب دورٍ مهم في تشكيل هذه النقلة الجيوستراتيجية وتحقيق الأهداف والنتائج اللازمة، آخذين بعين الاعتبار أنه وعند تنفيذ المقاربة الاستراتيجية قد لا تتناسب المخرجات مع المدخلات بسبب النمط غير الخطي للحالة المعقدة. لذلك على تركيا أن تكون مستعدة لتكيفٍ سريعٍ مع أية تطورات خلال هذه العملية لمواجهة الحالات المعقدة بطريقة مرنة وليست جامدة.

الخلاصة

يشهد الوضع العام في منطقة الشرق الأوسط تغيرات جيواستراتيجية عميقة نتيجة للربيع العربي وارتداداته في المنطقة، ونتيجة للتورط الإيراني الطائفي، والتدخل الروسي، والانكفاء الأمريكي عن المنطقة، وتعكس هذه الدينامية العالية تغيرات استراتيجية حقيقية على تركيا بشكل خاص.

كما تتعرض منطقة الشرق الأوسط لحالة من الاضطرابات والتعقيدات حيث تتدخل بها القوى العظمى ليس في سياساتها الإقليمية فحسب بل حتى في سياستها الداخلية. وبالرغم من ذلك فإن للقدرات الأمريكية والقوى الكبرى الأخرى حدودا لا تستطيع تجاوزها، مما يفسح المجال لطرح مبادرة جيواستراتيجية على مستوى المنطقة.  وبما أن تركيا حققت مستويات اقتصادية مميزة وتحاول جاهدة للوصول إلى استقرار سياسي داخلي، ووقفت بجانب الشعوب العربية، ولا تضع عقبات في وجه التعامل مع الحركات الإسلامية المعتدلة الجادة أو ما يسمى بالإسلام السياسي فإنها مؤهلة للتقدم بمبادرة استراتيجية للمحافظة على مصالحها الاستراتيجية ولتقود المنطقة نحو التوازن والاستقرار. وهذا يستلزم من تركيا تبني استراتيجية متطورة ومدروسة بشكل جيد من أجل تأمين مصالحها الاستراتيجية الخارجية، وتأمين حدودها، ولتكون جزءا معتبرا من أي معادلة استراتيجية تتشكل في المنطقة.

 

Advertisements

Turkey Prospective Geostrategy towards the Middle East

Dr. Wael Shadid

Strategist & Researcher

27th Jan 2017

Published in: academia.edu

https://www.academia.edu/31374527/Turkey_Prospective_Geostrategy_towards_the_Middle_East

Turkey Prospective Geostrategy towards the Middle East

Abstract

Turkey finds itself involved in the geostrategic events in the Middle East whether it is willing to or not. Historically, the Ottoman Empire was controlling most of what is now called the Middle Eastern countries. Geographically, it occupies a strategic position between Europe and Asia. It is the ceiling of the Arab countries from the north, and its coasts are extended from the black sea to the Mediterranean Sea. Moreover, it has long boarders with instable countries including Syria and Iraq, where both witness chaos and very complex internal situations; this chaos affects Turkey directly. On the other hand, it has boarders with Iran who is an active geostrategic player in the region trying to gain strategic interests by intervention and imposing itself as part of the formulated geostrategy in the Middle East. Turkey has no option but to involve itself in the geostrategic formula for its own strategic interests, to secure its boarders, and to prevent any escalated development towards the Turkish internal. Within the strategic dynamics in the region, Turkey is a promising geostrategic player who is well qualified to play a geostrategic role in the region.

This paper, utilizing descriptive and analytical approach, sheds the light on the geostrategic context in the Middle East, the international and regional players, and suggests features for a Turkish prospective geostrategic initiative towards the Middle East.

The strategic context in the Middle East

The Middle East encompasses the Arab Countries, Turkey, and Iran. This part of the world is witnessing turbulence, complexity, and very high dynamism. The Middle East Arab countries are under substantial revolutionary changes due to the Arab Spring and the anti-revolutions against it. Instability, uncertainty, chaos, and disorder are labels applied on the Arab countries that witnessed the Arab Spring such as Egypt, Yemen, Syria, Libya, and Iraq before that. In addition, there is the Palestinian issue that is the symbol of the Arab-Israel conflict. Moreover, some extremist Islamic organizations have been formed in this chaos such as ISIS that emerged as not only a local but also an international monster. This monster is the pretext that recalled USA and its alliances and Russia again to the region in order to put an end for ISIS expansion.

Turkey is surrounded from south and east by Syria, Iraq, and Iran; however, both namely Syria and Iraq are instable and are in a huge turmoil. Syria witnesses a complex internal conflict where the regime is supported by Russia, and Iran and its Shiite militants.  Whereas, Turkey and Saudi Arabia have their influence on some parts of the opposition. The USA intervenes in the Syrian conflict by considering Israel’s strategic interests and supporting the Kurds. Russia intervened in 2015 under fighting ISIS and terrorism as well. Turkey has interests that are opposes the Iranian one; while the United States has different concerns than the Russians. The Syrian problem reflects the conflict between the external actors more than reflecting the conflict between the internal players.

On the other hand, the situation in Iraq is also another complexity reflecting the conflict between Shiites supported by Iran, Kurds supported by the USA, and Sunnis without any external support. However, the Sunnis are not supported or backed externally as the Kurds and Shiites are. They suffer from internal disputes, and they are not able to fit themselves in a strategic position that reflects their real size. Whilst, the Sunnis are the true owner of the resistance against the occupation where they ultimately sacrificed and paid the price.

The Shiites reached their maximum power through ruling Iraq by the vast support of Iran and the consent of the USA. They have mobilized all their resources and capitalized all their potential. In fact, they have reached their ceiling which remains less than what is wanted to control all Iraq, and their maximum potential is not enough to govern Iraq even with the Iranian full support. Eventually, they failed to rule Iraq in a balanced way due to many reasons including their sectarian perspective, lack of experience, depending on numerous Shiite militants, the obsession of revenge from others, and the absence of the national soul  to unify Iraq. On the other hand, Kurds’ perspective is dedicated towards gaining more independence to creating their state. They utilize the Iraqi complexity to gain more benefits for themselves. Such situation may push Kurds to be involved in future conflicts with many actors such as Arabs, Turkmen, Shiites, and Iran.

Regarding the main historical conflict of the Middle East, which is the Palestinian question, Turkey’s stand has developed, in terms of shifting its stand towards the pro-Palestinian side; consequently, towards the Muslim nation’s hope. This contemporary stand has positioned Turkey in the heart of the Muslim Nation’s (Ummah) expectations and hopes regarding the liberation of Al Aqsa mosque, and the occupied Palestine. Accordingly, the popularity of Turkey and its leader Recep Tayyip Erdogan is rapidly increasing between Arabs and the Muslim nation as well. On the other side, the Palestinian people and their resistance has showed a solid and rugged attitude in facing the occupation brutal wars launched against them by Israel- especially in Gaza. This unprecedented and continuous Palestinian persistence through more than 70 years forms a concrete base for any geostrategic move; in other words, they form a winning bet for any serious geostrategic maneuver by Turkey.

The regional geostrategic Players

There are many possible geostrategic players in the Middle East region including Egypt, Saudi Arabia, Iran, and Turkey.  Egypt is living in turmoil after the coup and still instable; accordingly, Egypt is no more able to be an effective geostrategic player until this moment. On contrast, Saudi Arabia does not demonstrate any clear strategy in the area; instead, Saudi Arabia took aside against the “Political Islam”. In the past and until this moment Saudi Arabia refrains from supporting the Sunnis in Iraq while Iran does support the Shiites apparently. Also, Saudi Arabia does not show clear support for the Palestinian resistance; instead Saudi sided with the president Mahmoud Abbas who is seeking negotiation without any clear results. On the other hand, Saudi Arabia does not show any serious independent strategy regarding the Syrian problem whereas Iran supports the Syrian regime with all its capabilities. Accordingly, Saudi Arabia role on ground as an influential geostrategic player is limited.

Although Erdogan with his party were able to overcome the troubles that undermined the internal stability, Turkey is under an enormous test regarding its internal stability after the failure of the military coup. Turkey was conservative with its actions in the geostrategic space due to the lack of internal stability, lack of geostrategic vision in this complex environment, and because Turkey is still in a transformational stage. Therefore, Turkey leaders focused on the internal issues and stability more than the external events. However, after the failure of the military coup, the Turkish leaders realized that is impossible not to intervene in the external complex events mainly in Syria and Iraq. Taking an impartial stand will convey the problems inside Turkey, which is not immune from the external impacts. It is obvious that Syrian Kurds supported by the USA is going to establish a Kurdish state or zone southern of Turkey causing a huge panic for its geostrategic position; especially, in such complex external events occurring in the Middle East.

In fact, the most active geostrategic player in the region is Iran, which has a long history in intervening in the area since the days of Shah who played the role of a USA deputy policeman in the Gulf area. Iran considered Bahrain as part of it and invaded the three Islands of UAE (United Arab Emirates). The sense of expansion re-developed in Iran after the Islamic revolution when it tried to export it to other Islamic countries. The fever of expansion is back again under the term of “protecting the Iranian strategic interests”. Iran did not stop at this limit but exceeded to support Shiite parties in Lebanon and Iraq who became its arms in deploying its strategy and interests in the region. Moreover, it succeeded in penetrating Iraq after Sadam Husain and became the main director in the internal events inside Iraq. The situation in Iraq is exactly as Iran wants; a weak Iraq under Shiite government with poor Sunnis roles. It was able to exploit this situation in Iraq largely in order to fulfill its strategic interests in the area; at the same time, was able to achieve a significant penetration in Lebanon through Hezbollah. However, Iran intervenes in Syria directly by sending groups of its revolutionary guards to participate in the fighting against the opposition, and by pushing its arms from Shiite militants such as Hezbollah and Iraqi and Afghani Shiite militants to fight directly in Syria. In fact, Iran tries to impose its strategic interests by defending the Syrian regime that is used as an excuse to maintain its interests in the region. In Yemen, Iran supports Hothies, as well, to prove and deepen its interests in that area.  It exploits the state of instability and turbulence in attempt to expand its interests, prove its power, and widen its influence in the region. Consequently, Iran is seen as the regional most active player in the region.

The International geostrategic Players

The Middle East countries  are in the heart of the geostrategic interests of the United States, Europe, Russia, and China.The Middle East lies in a distinguished strategic position  and contains the most rich energy resources such as oil, gas, and green power in terms of wind and solar. Eyes are on the region all the time; and external stakeholders will not stop intervening in the area for different motives and goals. The Middle East countries are located in the stability belt of the United States and Europe (stability belt is the zone surrounding Russia and Eastern Europe).  These countries control important navy lanes and air corridors; and separate Russia from the warm waters. In addition, there is  the Arab-Israeli conflict that is influencing all the internal geopolitics of most the Middle Eastern countries, and influencing the external geostrategic moves in the region, too. Accordingly, the area is always under focus not only by the great powers, but also by the emerging powers as well such as China. Furthermore, there are many serious internal geopolitical problems in the Middle East countries including the absence of democracy, dialogue, tolerance, art of dispute, sectarian divisions national political problems, forced ideology, lack of common grounds in the same country, not accepting others’ opinion, exclusion and marginalization, misperceptions, evoking and calling to minds historical confrontations. These serious geopolitical problems generate difficult geostrategic issues and crisis, which leads to complicated strategic confrontations. Such geostrategic confrontations create easy access for international intervention in the region under the need of protection to achieve strategic equilibrium with other opponents.

The great powers have a variety of accesses to intervene in the geopolitics and the geostrategy of the Middle East countries. The access of protection- against other regional powers such as the case of some Arabian Gulf states who seek the United States protection against expected Iranian intervention in their countries. Another one is the access of possessing weapons to reaching a strategic equilibrium with other opponents in the area; that opens the doors widely for foreign geostrategic and geopolitical involvements. The economical access and the technological access to help in extracting the natural resources and developing the countries pave the way for these interferences as well where sovereignty principles are compromised. Exporting the Islamic revolution by Iran in 1979 to other Islamic countries has dramatically damaged the relations with Arabs. It also, activated the “access of protection” where some countries sought the USA’s protection against this move, and pushed themselves far away towards intensifying their security alliances with Washington. Another example for the protection access is the Russian role in Syria under the excuse of protecting the regime against terrorism; Russia now is in the heart of the complexity in the Middle East. However, Russia put itself in the Middle East map by force to share the United States in shaping the geostrategy of the region. However, the weak economy in Europe under the current economic crisis since 2008 contributes to reduce the capability of Europe to be very powerful in imposing its drive and desire upon the area as it used to be.

The Prospective Turkish Geostrategy

In this complex and turbulent external environment, Turkey can’t stand impartially without geostrategic moves. Even if it is willing to detach itself, the complicated events will end-up striking Turkey continuously; however, Turkey definitely has serious concerns in this dilemma.

Turkey’s External Concerns

One of the main concerns is the Iraqi Issue, which was the first to occur. Iraq as one of the most important countries in the region suffers an endless turmoil since 1990 up till now. The situation there is escalading and evolving towards complexity day after day. The American occupation, the demographic fragments, the internal disputes, the international and the regional interventions are complicating the Iraqi scene. Iraq’s complexity and ambiguity create an impact on many Turkey’s subjects such as the external policy, internal elements, the Kurds issue and economic relations. Turkey needs to gain enough information to manage the Iraqi issue consequences, and to avoid using massive force in solving problems resulting from Iraq. There are many fears including fears from dragging Turkey into the Iraqi vortex, worries from being distracted by crisis management approaches rather than real deep solutions, fears from Iranian exploitation of the Iraqi components to be deployed against Turkey, and concerns regarding the Kurds in the Iraqi side from utilizing PKK problem.

The second major concern originated from Syria in the form of the substantial number of Syrian refugees in Turkey accompanied by social, economic, and political negative consequences. The most emerging issue nowadays is the recent development where it supports the free Syrian Army to control nearby areas instead of Syrian Kurds groups who aim to form a Kurdish free area south of Turkey. Also, the hostility that is confirmed between the old Syrian regime and the Turkish government which may lead to hostile actions from the Syrian regime inside Turkey, or utilizing some of the Alawies sect inside Turkey in disturbing the internal peace and security. Conversely, Iran tries to impose certain circumstances to serve its strategic goals inside Syria causing negative outcomes on the Turkish strategy in the future. Moreover, Russia has the long hands in Syria causing serious impact on Turkey’s external strategy and its geostrategic position. In addition, the Syrian problem and its fallouts is being used by the USA to fulfill some of their interests inside Turkey putting more pressure on Turkey.

The third important concern is the Palestinian problem and the Israeli inflexibility. In fact, this concern is apparent because the leaders of the governing party consider it a religious duty to stand for Al-Aqsa issue and backing the deserted and helpless people in Palestine. The Israeli stubbornness led to the killings of many Turkish on the board of humanitarian aid ship, which led to a serious political dispute between Turkey and Israel. Therefore, this continuous conflict in Palestine affects the Turkish strategy as well, and will have its shadow on the external Turkish politics.

The Geostrategic Context Regarding Turkey

The changing process in the region is not separated from the surroundings and no doubt that the neighboring  countries are being influenced directly. In the mid of this complexity, Turkey finds itself engaged not because it is willing to be involved but because involving is imposed on it due to its Geographic position, international requirements, humanitarian responsibilities, and Islamic duties. Turkey has no choice but to be involved in this regional geostrategic formulation since the outcomes of this external turbulence will be negatively projected onto the Turkish internal social and political components. Not only this, but it will find itself circled by other countries’ geostrategic interests causing Turkish strategic interests to be eroded accordingly.

Although Turkey hoped for zero external problems at the beginning but reality imposed huge external events, which makes Turkey facing a very complicated geostrategic situation that necessitates a quick adaptation and defining of its geostrategic position. Otherwise Turkey risks drifting down to an oblivion if it remains adopting a status queue strategy. From astrategic point of view, maintaining the status queue in a complex environment will empower the competition force and the strategic regression force to push the entity down towards the point of no return.

On the other hand, the other competitor, Iran, has lunged impulsively in the area to maintain its strategic interests to the extent where it became difficult to develop an understanding with it to calm the region, and it will be difficult to stop the Iranian interests’ expansion from affecting Turkey externally and internally. Specifically, it is clear now that the Iranian interests are opposing the Turkish interests in the region, not only in Iraq but also in Syria. The Iranian lunging is another motivation for Turkey to be part of the geostrategic formula in the region rather than being an observer.

Although Iran is one of the main players, it suffers from the complexity not only in Iraq and Syria but also in the region as a whole. It involved itself in Iraq largely, and then it involved itself in Syria, and in Yemen that indicates that Iran is sinking now in three black holes. Iran, at the same time, is suffering from economic sanctions, and spending a lot on its nuclear and missile projects, which badly consumes its national income. Thus, sinking in black holes accompanied by economic sanctions indicates that it is not easy to carry out four heavy burdens together: Iraq, Syria, Yemen, and the nuclear program. Accordingly, Iran is prone to a paramount of difficulties in its geostrategy plan under these conditions or it is going to pay a very heavy price to sustain its interests, which will seriously threat its internal economic, social, and political situation.

In addition to the abovementioned concerns, there is the Russian interests in the region, which emerged in September 2015. In fact, Russia did not intervene in Syria to enhance the Russian local political status; neither had it intervened for economic gains. Russia intervenes heavily in Syria for geostrategic purposes. It wants to replace the American disengagement in the region to return its legacy and to utilize it in the Ukraine problem. Accordingly, Russia now is an active factor affecting Turkey’s external strategic position.

From Turkey’s perspective, many serious concerns can be depicted including: the echo of Syrian internal confrontation on it, problems created by the Syrian regime against Turkey, Syrian refugees’ consequences, Iraqi turmoil impact, and Israel exploitation of the turbulence in the region. In addition, the USA negative role, the Iraqi and Syrian Kurds issue, the existence of Russia in Syria and its alliance with Iran, the sectorial trend of Iran in the region, the PKK problem, and the consequences of the military coup.  Consequently, the engagement in the geostrategic environment might be imperative to protect Turkey from external interventions, hinder external dangers expansion, and reserve its interests in the region.

Such trend necessitates that Turkey has to own geostrategic powers and tools first before conducting any serious engagement. In the middle of this complexity and in spite of the well-known threats and obstacles, many opportunities emerge which can be utilized by Turkey to form its prospective geostrategy. Regional and international players are not sure about their next step giving the opportunity for Turkey to find out its way in depicting its strategy. All games, maneuvers, alliances, and intentions are known and open; nothing is concealed so the game is easy to understand. The complexity conditions in terms of unpredictability and uncertainty apply to all actors so all are equal under this term. Dramatic changes are expected which will affect all actors but the least affected actor will be the one more prepared. As Iran has arms operating on ground, Turkey can form alliances in the area in order to have arms that can operate on ground as well. Its stand towards the Palestinian issue has created a considerable popular support within the Arabs and Islamic countries. A nucleus of political alliance, which includes Qatar, Saudi Arabia, and other local active actors, can be developed.

Turkey can develop a geostrategic initiative towards the Middle East instead of adopting the status queue to avoid negative impacts on it.   This initiative will approve Turkey as a main player in the region instead of leaving the playground for others to impose their strategies and interests. In addition, filling the regional strategic vacuum will prevent other regional players from intervening alone in the area or affecting the Turkish interests. Moreover, the geostrategic initiative assists in achieving equilibrium in the political regional relationships, Opening new political cooperation with new expected entities and governments, allowing to performing and practicing an ethical role, and supporting the Sunnis majority to redeem their solid role in the regional stability and peace.

Features of the Turkish Prospective Geostrategic Initiative

Since there is a serious strategic vacuum in the region, Turkey has to have major portion of it; otherwise, this vacuum will be totally filled in by other players. This vacuum does not only attract the supreme foreign powers, but also the emerging powers in the region such as Iran and China. USA under Obama era was in retroversion stage towards the Middle East depending mostly on its alliances in performing its interests and policies in the region. Accordingly, the Turkish geostrategic role is well recognized by the USA and Europe, especially, there is a limit to the United States power and ability to overcome future geostrategic changes in other regions. However, changing the geostrategic map requires a comprehension of the geostrategic situation, defining the needs of the supreme powers, and recognizing the regional abilities and limitations. At the same time, Turkey has plausible economic potentials, natural resources, and represents one of the Islamic pillar groups (Arabs, Turks, and Persians). Thus, Turkey is well qualified to go a step towards adopting a serious and logical geostrategic initiative.

The Arabs, who are the weakest in the geostrategic context, are required to do the same. But the problem with the Arabs is that they do not have one single representative as others which leaves them without unity, making them vulnerable, and easy to be manipulated by external powers. In contrast, the Arab nation in most Arab countries are facing a severe changing process in their countries in what is called the “Anti-revolutions” against the “Arab spring”, and they have paid and are still paying a very high costly price to achieve the change. Hundreds of thousands have been killed in this tough process. This situation has put more pressure on Turkey to lead the geostrategic changes in the region until the Arab nation (the prospective alliance to Turkey) recovers from the consequences of this severe changing process.

In advancing toward the prospective geostrategic initiative, some determinants regarding Turkey should be noted including (but not limited to) the internal stability in terms of the social cohesion, the decent economic situation, and the political stability. Of course, stability does not mean zero problems but it means that problems are to the minimal and there is a reasonable coherent internal base. Also, the process of geostrategic changes requires support from the Turkish public, and requires developing a positive local geopolitical factors with a clear vision in order to take the next leap towards the regional strategy. The focus on the internal priorities should be continuous to maintain the internal prosperity alive all the time. In addition, Turkey does not want to be distracted by crisis management approaches in any neighboring country and ignoring the root causes and real deep solutions.On ground, Turkey can utilize from many external components to formulate and design its geostrategy such as:

  • The Sunnis in Iraq who are the weakest part in Iraq but they represent a corner stone in Iraq, where no permanent solution can stand without their consent.
  • The Kurds in North Iraq who are aiming to establish the Kurdish State but at the same time willing to have good relations with Turkey despite the existence of PKK party.
  • The moderate Islamic movement, which is a main player in the Arab world and had won many elections as in Tunis, Egypt, and Morocco.
  • The reputation of Erdogan who has large popularity not only in the Arab world but in the Islamic nation as well can establish to public alliances.
  • Most of Syrian opposition spectrum that proved their ability to stand and challenge the Syrian regime.
  • Many of the Muslim scholars who represent the religious entities.

The suggested geostrategic initiative is needed for Turkey to reach the point of geostrategic equilibrium with the regional players. After reaching this point of equilibrium, common regional understanding can be developed in order to avoid geostrategic confrontation and to fairly exploit the strategic opportunities. Then, reaching the stage of geostrategic interests’ integration management where regional actors can manage their geostrategic interests and needs. Finally, the regional actors can reach another point of equilibrium, but this equilibrium will be with the international actors to be able to develop geostrategic regional initiatives.

Although it is a very complex situation in a very complicated area, Turkey accompanied by its prospective alliances, can play an important role in forming this geostrategic move. Taking into consideration while implementing the strategic approach, the outputs might not be proportional to the inputs due to the non-linearity type of the complex situation; therefore, Turkey has to be ready for quick adaptation to any developments to face the complex situations in a flexible style not a rigid one.

Conclusion

The current era in Middle East witnesses serious geopolitical changes due to the Arab spring and its waves in the region, Iran sectarian involvement, Russia serious intervention, and USA disengagement. This dynamic situation reflects serious geostrategic changes on Turkey specifically.The Middle East region is facing a complex and turbulent environment where supreme powers intervene not only in the geopolitics of each country, but also in the geostrategy of the region as a whole. However, the United States power has a limit that they cannot go beyond which opens the doors to propose geostrategic initiatives at the regional level.

Turkey has achieved good economical levels and thriving to be politically stable. It is well qualified with its prospective alliances to be a major geostrategic player and to propose a strategic imitative to maintain its strategic interests, and lead the region towards equilibrium. However, Turkey has to adopt a new well-developed and well-calculated geostrategy in the region to secure its strategic interests, its boarders, and to be part of any new geostrategic formula.

انتهاء عصر الحركة الإسلامية التقليدية

د. وائل خليل شديد

استراتيجي وباحث

25/12/2015

 

انتهاء عصر الحركة الاسلامية التقليدية

 

يأتي هذا المقال كتطوير لمقال كتبته منذ أشهر عن ضرورة التغيير الكلي للحركة الإسلامية خشية الدخول في مرحلة الموت السريري، وفي هذا المقال بعض الاضافات على المقال السابق خصوصا بعد التغيرات المتسارعة في منطقتنا العربية.

تصدرت الحركة الاسلامية بمفهومها الواسع تفاعلات مجتمعاتها وبلدانها وكان لها إسهاماتها الفكرية والدعوية والسياسية والاجتماعية إضافة لتقديمها نخبة من المفكرين والعلماء والدعاة. وخاضت الحركة الإسلامية في تاريخها الطويل تجارب عديدة متنوعة. ولا شك فإن جماعة الإخوان المسلمين وهي أكبر هذه الجماعات وأطولها عمرا من حيث البنية والتماسك، وخاضت تجارب مختلفة من سياسية واجتماعية ودعوية وفكرية ونقابية. كما خاضت تجارب متنوعة مع الأنظمة الحاكمة، فمنها الهادئ ومنها العاصف ومنها ما بين المنزلتين ووصلت الى سدة الحكم في الانتخابات الرئاسية في مصر، وشكلت الحكومة في تونس والمغرب. ولقد تميز مؤسسها حسن البنا بأنه استطاع في وقت مبكر أن يقدم بانوراما إسلامية واسعة من حيث: النظرة والاستراتيجية والفهم. ولم يتمكن أحد من بعده أن يقدم طريقة أو آلية واضحة المعالم في كيفية إسقاط هذه البانوراما على الواقع. وظلت الجماعة تنادي بشعار إقامة الدولة الاسلامية (أو الحكم الإسلامي) دون تحديد خارطة طريق واضحة. لقد كانت الخارطة العامة إصلاح الفرد ثم الأسرة ثم المجتمع ثم يأتي إصلاح الحكم، لكن هذا الطريق عام جدا وليس بالضرورة أن هذه الانسيابية في عملية التغيير حتمية. وهي كذلك ليست قطعية الانتقال من مرحلة إلى أخرى، ولم تبين شروط الانتقال بين المراحل. وظلت جماعة الاخوان المسلمين منذ ذلك التاريخ وإلى الآن وهي في إطار هذه المفاهيم تقريبا. والمستقرء لمسار الحركة التفاعلي يمكن أن يستنتج أن المخاضات التي عاشتها على تنوعها وكبرها في بعض البلدان لم تكن في سياق التخطيط أو البناء على فكر واضح أو من خلال عملية تغيير واضحة المعالم. في حقيقة الأمر بدت عملية التغيير قائمة على التفاعل مع الأحداث وردات الفعل، وعلى تطور الأحداث وتفاعل المتغيرات ومحاولة استغلال الفرصة بشكل من أشكال التفاعل الحي الذي ينقصه التخطيط المسبق والإعداد والتجهيز، ولهذا كانت التجارب وخصوصا ما حدث في مصر وتونس وليدة اللحظة ووليدة التفاعل مع الأحداث وتطورها لا نتيجة ترتيب وتخطيط معد له.

خاض باقي طيف الحركة الاسلامية تجارب متنوعة، فانتهجت جماعة التبليغ منذ تأسيساها وإلى اليوم نهج الدعوة، وإلقاء بذرة الخير لعلها تثمر يوما ما. وخاضت الحركة السلفية وتطورت في تجربتها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار فمن مجموعات لاتجيز الخروج على الحاكم إلى مجموعات  تكفر الحاكم والمحكوم. وانتجت نهجا ميزته الغالبة التشدد وعدم اللين والدخول في تفاصيل جزئية والتشدد فيها، والابتعاد عن حقيقة التغير المجتمعي، وعدم الالتفات إلى هوان الأمة على الناس وضعفها أمام الدول العالمية الأخرى وضياع سيادتها. إلى أن الحركة السلفية عموما شهدت تغيرات داخلية انقلابية فظهر منها من أعاد حلة ما كان قد حرم مثل التصوير واستخدام وسائل الإعلام  بكل أشكاله، والتحدث إلى عامة المسلمين بعيدا عن لغة التشدد، ومنهم من تطرف إلى أقصى درجات التطرف فانتقل إلى دائرة التكفير والحكم بردة من ليس معهم وإباحة قتل المسلمين بحكم الردة. صحيح أن هناك بعض الشخصيات السلفية نحت منحى الاعتدال والحوار مع الأطياف الإسلامية الأخرى ورأب الصدع إلا أن الفكر السلفي مازال بسمته العامة  مفتقرا لأمرين مهمين هما: التوازن، ووضوح منهج التغيير والاتفاق الداخلي عليه. ومازال الفكر السلفي يراوح بين نقيضين في التغيير من مهادنة الحكام والولاء لهم إلى التكفيروقتال الحكام وكل من يخالفهم الرأي.

ولما كانت جماعة الإخوان المسلمين هي أقدم هذه الجماعات وأكثرها تنظيما وأكبرها عددا وانتشارا وخاضت تجارب كبيرة فإن الحديث سيتركز عليها بشكل عام. إن تقييم جماعة الإخوان المسلمين بتاريخها الطويل وتجاربها لا يمكن أن يكون في في مقال، إلا أن الأمر يستحق الإطلالة الأولية في منحاها الاستراتيجي العام وليس في تفاصيل الأحداث والتكتيكات والمناورات والتفاعلات الداخلية، ذلك لنخرج أنفسنا من عنت تقييم الأنشطة والأهداف التفصيلية والمناورات الآنية ومدى فاعليتها، إذ إن ذلك شأن داخلي لايستطيع المراقب الخارجي معرفته. والمراقب الخارجي ينظر إلى الأداء الاستراتيجي العام محاولا الإطلال عليه بعيدا عن تفاصيل الأعمال في الميدان ومركزا على النتائج العامة التي يراها من الخارج.

المنجز التاريخي للحركة الاسلامية

لقد تعرض العالم العربي في ظل الاستعمار وإلى فترة قريبة من نهاية القرن العشرين إلى هجمة كبيرة حاولت أن تضرب الأمة في هويتها. والهوية هنا بمفهومها الشامل من الدين واللغة والعادات والتقاليد واشكال الثقافة، وليس الجدل هنا باحتواء الهوية للثقافة أم بشمول الثقافة للهوية. ولكن الحديث عن الهجمة التي قادها العلمانيون بقصد أو عن غير قصد من أجل نزع الجانب الديني من هوية الأمة العربية التي إن عُرّفت ربطت بالدين والتاريخ مسلميهم ومسيحيهم. فالأمة العربية ارتبطت بركيزتين أساسيتين هما الدين واللغة العربية. صحيح أن بعض العلمانيين لم يحارب اللغة مباشرة ولكنهم بالعموم وقفوا موقف المعادي للدين أحدى أهم الركائز في المكون الثثقافي لهوية الأمة العربية. لقد استطاع العلمانيون في تركيا أن يجتثوا الهوية التركية بخطوتين غير مسبوقتين في تاريخ الأمم، الأولى الغاء اللغة العثمانية في سابقة لم تحدث في التاريخ الحديث أن تغير أمة لغتها بتغيير حروفها وبالتالي عزل تام للأجيال عن قراءة تاريخه وتراثه وفصل الأجيال عنها، وبالتالي اجتثاث جزء مهم من الهوية من خلال اجتثاث هذا الجزء من التاريخ. والثانية كانت عزل الناس عن الدين ومنع الأذان باللغة العربية ومنع الحجاب ونشر العلمانية بعنف بل ممكن القول بوحشية. إلا أنه يسجل للحركة الإسلامية في العالم العربي تحديدا وبكل أطيافها أنها وقفت بكل قوة واقتدار أمام المد العلماني الزاحف الذي تمكن من السلطة في العديد من الدول العربية. وقدمت الحركة الإسلامية التضحيات من أجل منع هذا المد من انجاز ما حققته العلمانية في تركيا. وحافظت الأمة على هويتها بل عادت الصحوة الاسلامية في نهاية السبعينيات من القرن العشرين بقوة ووضوح وحُفظت هوية الأمة العربية.

دورة الحياة

إن الجماعات والمؤسسات والدول كالبشر، تعيش وتنمو وتتطور وتكبر وتهرم ثم تزول، ولكن الفرق بينها وبين البشر أن المؤسسات أو الجماعات ممكن في وقت الضعف أن تولد لنفسها دورة حياة جديدة من خلال تجديد رئيسي في الفكر أو الاستراتيجية أو الأهداف. والناظر إلى الحركة الإسلامية وخصوصا الإخوان المسلمين يلاحظ تراجعا وترهلا و فقدانا للوميض والبريق وخصوصا بعد تجربتي مصر وتونس وما أحاط بهما من فشل أو إفشال. كما تأتي الأحداث في الأردن لتبين ما تتعرض له الجماعة من مخاض داخلي مقلق لكينونتها ووحدتها، ثم تتبعها الخلافات الحادة بين اخوان مصر الجماعة الأكبر حجما. وبالرغم من المدة الطويلة جدا للجماعة، إلا أنها لم تستطع بشكل واضح أن تجدد في طرحها الفكري والاستراتيجي وفي آليات التطبيق، ولم تبدِ براعة في المناورة للوصول إلى أهدافها (لايقصد هنا في التجديد والمناورة التنازل عن المبادئ والأهداف العامة)، وإن كانت الحركة الإسلامية في تونس أكثر براجماتية إلا أنه وبالرغم من هذه البراجماتية انتهى المطاف بها تدريجيا إلى خارج الحكم.

تعيش الحركة الإسلامية عامة والإخوان المسلمون خاصة مرحلة صعبة ومن المتوقع إذا استمرت الأمور على ماهي عليه أن تدخل الجماعة مرحلة الهرم وصولا إلى مرحلة الموت السريري، بمعنى أن دورة الحياة للجماعة في مرحلتها الأخيرة. وللخروج من هذه الحالة فإن على الحركة الإسلامية عامة والإخوان المسلمين خاصة توليد دورة حياة جديدة من خلال حركة تجديدية كلية وجذرية قائمة على خمسة محاور أساسية:

  1. التجديد في التركيبة الفكرية:

منذ عهد حسن البنا وحتى هذه اللحظة لم تقدم الحركة الإسلامية تجديدا في تركيبتها الفكرية، بل ظلت تطرح ما طرحه مؤسسها، وكأن العجز عن تنفيذ وتحقيق ما كان يحلم به البنا ظل هو السائد والمهيمن على الفكر والأسلوب والطريقة والهيكلية. صحيح أن الجماعة قامت بمناورات سياسية كالمشاركة في الإنتخابات التشريعية، ومناورات اجتماعية من خلال الجمعيات الخيرية والاصلاحية، وبعض المناورات الشعبية مستفيدة من الأحداث في العالم الاسلامي وخصوصا أحداث القضية الفلسطينية. إلا أن هذه المناورات تبقى بدون أثر تغييري حقيقي في المجتمع أو في التركيبة السياسية للدولة، بل هي مناورات أبقت الحركة كترس في ماكينة الأنظمة مما عاد بالنفع الاستراتيجي على الأنظمة أكثر منه على الحركة الإسلامية. والمطلوب الإجابة وبكل جرأة عن مجموعة من الأسئلة منها: ما هو النطاق المركزي للحركة الاسلامية في هذه الفوضى الفكرية التي تعيشها الأمة؟ هل هو الجهاد بمعنى بذل الجهد بمختلف الجوانب أم هو إقامة دولة الاسلام؟ في الحقيقة، ظلت مسألة التربية هي النطاق الرئيسي في فكر الحركة الإسلامية التي إذا انحلت مشاكلها (أي التربية) انحلت باقي المشاكل، فهل هي كذلك الآن؟ أم أن النطاق الرئيس يحتاج إلى تجديد وإعادة نظر عميقة وخصوصا بعد ثورات الربيع العربي والثورات المضادة.  ومن الأسئلة: أين موقع الحزبية الآن وكيف يتم انخراط الشعب في العمل بدلا من أن تتحمل الحركة الإسلامية العبء لوحدها؟ ثم أين المتخصصون في علم الاجتماع والسياسة والفكر والاستراتيجيات في الساحة الحركية؟ إذ الملاحظ على المنجزات أنها نتاج ممارسة تقوم على التجربة والخطأ والتعلم من حركيين مخلصين لا متخصصين، حيث غابت التخصصية.

وما هو المشروع الفكري الذي يحلم به الإسلاميون؟ هل هو استعادة صورة الخلافة في عهد الراشدين؟ هل هو اختزال الشريعة في القانون في ظل دولة وطنية (قومية)؟ هل هو تطوير تطبيق الشريعة لتصل إلى الأمور الجنائية إضافة إلى الأحوال الشخصية؟ أم هو الإصلاح في ظل دولة قهرية؟ أم المشاركة في الإنتخابات البرلمانية وبالتالي التحول إلى جزء من أجزاء معادلة الديمقراطية المطروحة في ظل الدولة القومية (nation state)؟

  1. التجديد في التركيبة الاستراتيجية

وهو نتاج طبيعي للتجديد في التركيبة الفكرية، وهنا تطرح أيضا مجموعة من التساؤلات الحرجة في خانة التفكير والتحليل الاستراتيجي: هل بقي مجال لنهج الإصلاح يمكن أن ينجح بعد تجربة مصر وليبيا واليمن، أم أن نهج الثورية هو المطلوب؟ ما الرؤية، هل هي الوصول إلى الحكم  أم إصلاح اجتماعي أم إصلاح سياسي أم البقاء على الحياة؟ وبالتالي ما الأهداف الكبرى في ظل واقع عربي مرير مضطرب في هذه الحقبة التاريخية؟ ما مهمة الحركة الإسلامية وماذا تفعل بالمواليد الجدد على الساحة الإسلامية من داعش وغيرها؟ وما رؤيتها الجيوستراتيجية في واقع يتدخل فيه البعيد قبل القريب وتتدخل فيه القوى العالمية الكبرى وقوى إقليمية مثل إيران وغيرها؟

  1. التجديد في التركيبة البنيوية (الهيكلية)

الناظر إلى الحركة الإسلامية يستنبط أن بناها الهيكلية صممت منذ العشرينات لتناسب ذلك الواقع ولتحقق أهدافا في ذلك الزمان وفي تلك البيئة، فهل من المعقول تصور أن البيئة الحالية هي نفس البيئة قبل ثمانين عاما وبالتالي تبقى الأطر الهيكلية هي نفسها دون موائمة للعصر ولأحداثه الكبرى الحالية؟ ناهيك عن بعض التيارات الإسلامية التي قد تحرّم التراتيب الهيكلية أو أن الشيخ هو الأول والثاني والأخير دون اعتبار لرأي الكوادر الأخرى. ألا يوجد فكر تجديدي في هذا الشأن؟ ألا يوحي الربيع العربي الكبير بمتغيراته الكبرى بإمكانية أن تكون الحركات الاجتماعية الجماهيرية بديلا معتبرا قد يوازي النخب والتنظيمات والأحزاب؟ ثم كم عدد الأفراد الذين ينضوون تحت راية الحركة الإسلامية كأفراد منتظمين مقارنة بعدد الشعوب الإسلامية التي تصنع الأحداث حاليا دون أن تنتظر الحركات الاسلامية التقليدية؟ صحيح أن الحركة الاسلامية ذات طابع أيديولوجي وإطار بنيوي وهي قادرة على التعبئة، إلا أن الحركات الشبابية التي ظهرت في الربيع العربي ويقودها في الأساس شباب وشاركت بفاعلية في هذا الربيع تستحق التفكير التجديدي الإبداعي في الهيكلية ليكون لهم دورهم الفاعل بالرغم من أن حركتهم ذات تركيبة بنيوية رخوة. ولعله أضحى من الضروري البحث عن التجديد الإبداعي في الهيكلية بدلا من الغرق في هياكل تقليدية هرمة لم تعد تصلح حتى لتحريك نفسها في بيئات ذات حركية وتعقيد عال جدا؟

  1. التجديد في التركيبة التطبيقية

أي في إنزال الأفكار على الأرض، ففي الغالب مازالت الإسلاموية الحركية بمختلف تنوعاتها تستخدم نفس الآليات التي رسمت منذ التأسيس. صحيح أن هناك آليات جديدة كانت تبرز من حين إلى آخر لكن في العموم هناك جمود في آليات التطبيق ناتج في الأصل عن الجمود في التركيبة الفكرية والتركيبة الاستراتيجية والتركيبة البنوية الهيكلية. وظلت الآليات محصورة في الإسلاميين أنفسهم أو أنصارهم في أحسن الأحوال، لكن أين الجمهور وأين الشباب والنساء من هذه الآليات؟ وما المساحات المشتركة بين التمدن الإسلامي والتمدن غير الإسلامي القادم من الغرب؟ وما المساحات المشتركة بين الإسلاميين وغير الإسلاميين في نفس البلد؟

وهل سيبقى مصطلح إسلامي وغير إسلامي يتداول و يفرق بين أبناء المجتمع الواحد وأبناء الدين أنفسهم؟ ألا يمكن التجديد الحقيقي في آليات جديدة للفعل والحشد، والتحرر من بعض القيود التنظيمية والحزبية؟

  1. التجديد في التركيبة الإيمانية والأخلاقية

وهو جانب مهم ليس فقط في حياة الحركة الإسلامية بل في حياة أبناء الأمة الإسلامية عموما. فعلى مستوى أبناء الحركة الإسلامية أنفسهم هناك حاجة إلى تجديد في التركيبة الإيمانية والأخلاقية التي هي أساس الشريعة الإسلامية “وإنك لعلى خلق عظيم”. وهناك حاجة ماسة لأبناء الأمة الإسلامية نتيجة مافعلته الحداثة بالمجتمعات الإسلامية من تغير في المفاهيم والسلوك. إن محاولة بناء جيل قرآني لاتجدي إن لم يعرف هذا الجيل مكونات أمته ومكونات الحضارات الأخرى والتعرف عليها بعقلية المتدبر لا عقلية الرافض، وبعقلية الواعي المستنير لا بعقلية المنغلق، وبعقلية الواثق من التركيبة الأخلاقية والنماذج الأخلاقية في حضارته لا عقلية الخجول.

 الخلاصة

تواجه الحركة الإسلامية ظروفا خارجية اقصائية في حقيقتها من قبل بعض الأنظمة العربية والثورة المضادة، فإذا أضفنا ذلك إلى المعوقات الداخلية الكبيرة فإنه ليس أمام الحركة الإسلامية إلا التجديد الكلي الجذري، وإلا ستدخل مرحلة الموت السريري بأسرع مما يتوقع قادتها، إن لم تكن دخلتها بالفعل. وعليها ألا تخشى التجديد الجذري خوفا من فقد أنصار على اعتبار أن التجديد في أصله يتحدى تقاليد استقرت في العقول، وقد يثير قضايا شائكة لا يستطيع الجيل القديم أن يتخيل نفسه أن يعيش في حياة حركية بدونها. أم سيظل الإسلام ينتظر مشروعه التجديدي من المهدي المنتظر؟ أم من أجنبي هو في الأساس مجهض ومناهض لبزوغ نور جديد في المنطقة؟ أم من داخل ترنخ وتقوقع بفكر حزبي وكل ما في وسعه هو أن يكرر اسطوانته القديمة التي نشأ عليها دون اعتبار للمتغيرات الكبرى في المنطقة. ولعل الحركة الإسلامية تعاني من عدم تقبل في داخلها للفكر التجديدي الجذري أو لاتملك الأدوات المطلوبة. وعليه أضحى التجديد الكلي ضرورة حتمية ليعطي دورة حياة جديدة بفكر جديد واع متفتح واستراتيجية طموحة مستنيرة وهيكلية إبداعية وآليات تطبيق يشترك فيها كل أبناء المجتمع. وإن لم يتم فعل ذلك فلابد من نشاط فكري عميق للتفكير في مرحلة ما بعد الحركة الإسلامية التقليدية الذي يبدو أنه أصبح قاب قوسين أو أدنى.

 

الاستراتيجية السعودية إما التغيير الجذري وإما نقطة اللاعودة (Saudi Strategy: Either to Radical Change or Point of no Return)

24th Mrach, 2015

لتنزيل الورقة مجانا مع الرسوم التوضيحية اضغط على الرابط

http://goo.gl/AkFC4t

الملخص

تتسارع المتغيرات في المنطقة العربية لدرجة أصبح من الصعوبة التنبؤ بما سيأتي في قادم الأيام. فالأمور تتسارع في اليمن بطريقة غير عادية، والاوضاع في العراق التي تتعقد يوما بعد يوم، والوضع الدامي في سوريا ومآلاته التي يصعب الجزم بها، ومتغيرات القضية الفلسطيني، وتطورات الأحداث في ليبيا وغيرها. وفي نفس الوقت تعيش منطقة الشرق الأوسط حالة من الفراغ الاستراتيجي منذ سنوات عديدة حيث انكفأت دول المنطقة على نفسها وتركت الملعب الاستراتيجي خاليا مما سمح لإيران باختراق هذا الفراغ الاستراتيجي والتوسع فيه إلى أن أصبحت إيران هي اللاعب الاستراتيجي الوحيد في هذا الفراغ الاستراتيجي. والسؤال هنا ما امكانية أن تنهض الاستراتيجية السعودية وتملأ جزءا من هذا الفراغ الاستراتيجي ولا تترك الملعب لإيران فقط؟ وهل هناك فرص وظروف استراتيجة مواتية للسعودية لتحدث تغييرا جوهريا في استراتيجيتها؟ وما هي المعوقات المتوقعة؟ وماذا لو لم تقم السعودية بهذا التغيير.

مقدمة

أن هذا المقال ليس تحليلا سياسيا يغوص في أعماق الاحداث السياسية ويحلل مجرياتها ومقاصدها وآثارها السياسية، ولكن القصد هو تتبع أهم المتغيرات والمنعطفات الاستراتيجية من وجهة نظر تحليل استراتيجي قائم على مفهوم الاستراتيجية المدركة (realized strategy) أي الاستراتيجة التي ندركها بعد أن تحدث، وبالتالي يمكن معرفة ومشاهدة المسار الاستراتيجي الذي سُلك. هذا المنظور الاستراتيجي في التناول لا يعتمد على أساس التبرير للأحداث كما يحب أن يتعاطى معه المحلل السياسي لأن التبرير لا يعني بالضرورة الصوابية. فقد يكون السلوك أو الاجراء الذي أدى إلى الحدث مبرر سياسيا ولكنه ليس بالضرورة أن يكون هذا السلوك أو الاجراء الذي تم تنفيذه صائبا من الناحية الاستراتيجية. ولا تتعرض الورقة إلى قبول التبريرات أو رفضها فهذا شأن المحلل السياسي. والهدف هنا هو النظر الى الاستراتيجية المدركة بعد أن حدثت ثم وضع تحليل استراتيجي أولي للدلالات الاستراتيجية للاحداث ومن ثم الاجابة عن الاسئلة المطروحة.

كلمات مفتاحية: الاستراتيجية – السعودية – الامريكية– ايران-ميزات تنافسية–دورة حياة – منحنى استراتيجي– منافس استراتيجي – التوازن – فقدان التوازن- فقدان السيطرة – الجمود- الانكار– الاضطراب – التعقيد – التغيير – التمدد – التوسع – اصحاب الشأن – الاسلام السياسي – نقطة اللاعودة 

السعودية ومحيطها الجيواستراتيجي

تمثل السعودية قلب وجوهر الجزيرة العربية لكونها الاكبر عددا سكانيا إذ يزيد تعداد السكان عن ثلاثين مليون نسمة، وهي الاكبر مساحة 2149690 كيلومترا مربعا  وتطل على الخليج العربي والبحر الاحمر. كما تملك السعودية اكبر احتياطي نفطي وهي الاكبر انتاجا له في المنطقة. اضافة إلى وجود الكعبة المشرفة كرمز ديني كبير في الحجاز ضمن المملكة العربية السعودية وهي قبلة الحججاج والمعتمرين، وبالتالي تشكل السعودية مركزا دينيا معتبرا بين الدول العربية والاسلامية. كما أن إجمالي الناتج المحلي السعودي (GDP) يزيد عن 777 مليار دولار، وتجاور السعودية ثمانية دول عربية هي الكويت والعراق والاردن واليمن وعمان والامارات وقطر والبحرين، لذا فالسعودية دولة محورية لدول الجوار تلك، وهي الدولة الرئيسة في مجلس التعاون الخليجي المؤسس عام 1981. لكل تلك الاعتبارات وغيرها فان السعودية تعتبر لاعبا استراتيجيا في الشرق العربي بل هي مؤهلة تماما لتعلب دورا استراتيجيا ليس فقط اقليميا بل أيضا اسلاميا ودوليا.

ان وجود مكة المكرمة حيث المسجد الحرام والمدينة المنورة حيث الحرم النبوي أضفى على الدولة السعودية بعدا دينيا مميزا. وفي عهد الملك فهد بن عبد العزيز أصبغ على نفسه لقب “خادم الحرمين الشريفين” واستمر هذا اللقب إلى يومنا هذا حيث عهد الملك سلمان بن عبد العزيز. وفي ذلك اعلان صريح بقبول اللقب الديني كرمز للدولة السعودية. وبالتالي ينظر الكثير من المسلمين إلى المملكة العربية السعودية من منظار ديني لاحتضانها الحرمين الشريفين. ولقد احتضنت الدولة السعودية العديد من المسلمين من مختلف المنابت والأصول من الفلبين شرقا مرورا بشرق آسيا وجنوبها ووسطها والعديد من الدول العربية، بل ومنح العديد منهم الجنسية السعودية. كما استوعبت السعودية العديد من الاسلاميين إبان حكم جمال عبدالناصر في فترة الستينيات. وكذلك احتضانها للعديد من الاسلاميين من سوريا بعد أحداث عام 1980.وهكذا ظلت السعودية محضنا للأمن والأمان بدون أي استغلال سياسي جاد من طرفها لمن احتضنت.

لمًا كانت الدولة السعودية في قلب العالم الاسلامي بموقعها الجغرافي والاقتصادي والديني، فانها لاشك تواجه منافسة استراتيجية في المنطقة، سواء منافسة عربية أو غير عربية. ومن الممكن القول أن السعودية قد تعاملت مع هذه المنافسة بثلاثة نهج. النهج الأول هو عدم التصادم العسكري مع المنافس وعدم التدخل المباشر في شؤونه الداخلية، مع محاولة استخدام أطراف أخرى للتصادم معه إن امكن. وقد بدا هذا واضحا في التعامل مع المنافس الأول جمال عبدالناصر الذي رفع راية القومية العربية وحاول استقطاب الرأي الشعبي العربي، وتولد لدى السعودية شعور قوي بخطر عبدالناصر عليها خصوصا بعد تدخله المباشر في اليمن حيث ارسل قواته إلى هناك دعما للثورة اليمينية، وفي المقابل اصطفت السعودية في جانب الإمام الذي خسر الصراع.  ولعل منافسة الرئيس عبدالناصر في فترة الستينيات كانت من أشدها. إلا أن موقف السعودية انقلب رأسا على عقب في دعم مصر إبان حرب 1973 في عهد الرئيس أنور السادات، وكان موقفها مميزا دعما لمصر وسوريا شاركها في ذلك دول خليجية أخرى. ثم كان المنافس الآخر في فترة الثمانينات وكان  الرئيس العراقي صدام حسين بخلفيته القومية وقد اتخذت السعودية نهج الابتعاد عن الصدام معه.  النهج الثاني وهو استخدام مجلس التعاون الخليجي كواجهة أو غطاء للموقف السعودي تجاه المشاكل الاقليمية في صورة موقف خليجي مشترك في مواجهة المشاكل الاقليمية وفي اتخاذ قرارات ومواقف مشتركة تجاه الأحداث تشكل حصنا أوليا للاستراتيجية السعودية (بغض النظر عن متانة هذا الحصن). أما النهج الثالث فيتمثل في تجيير قوة المنافس لتحقيق مصلحة استراتيجية لها. وتجلى ذلك واضحا بدعم الرئيس العراقي صدام حسين في حربه ضد إيران لثمانية أعوام وتقديم الدعم له ومعها العديد من دول مجلس التعاون الخليجي فيما يمكن اعتباره حربا بالوكالة (proxy war)، حيث اعتبر العراق السد ألاول أمام التوسع الايراني أو أمام ما عرف بذلك الوقت “تصدير الثورة”، وعملت السعودية مع بعض الدول الخليجية والعربية على تقوية هذا السد ودعمه ليوفر لها الحماية من التمدد الإيراني في المنطقة.

وعلى المستوى غير العربي فإن أهم المنافسين الاستراتيجين للدولة السعودية منذ عام 1980 هو ذاك المنافس المعمم القادم من بلاد فارس، إنه النظام الايراني الاسلامي ذو الصبغة المذهبية. قبل هذا النظام الاسلامي المذهبي التوجه، شكًل نظام الشاه في ايران شرطي المنطقة الأمريكي في فترة الستينيات والسبعينيات ومنحت الولايات المتحدة الأمريكية صلاحيات للشاه فتدخل في اليمن وفي عُمان. ولم يكن الشاه بالرغم من حمى التوسع التي انتابته ليشكل خطرا استراتيجيا حقيقيا على الدولة السعودية باعتبار أن كليهما تحت الحلف الأمريكي وكلاهما تحت مظلة الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. إلا أن ذاك المنافس الايراني انتهى بسقوط الشاه ومجيئ النظام الاسلامي الايراني حالا محل الشاه. وما هي إلا هنيهة حتى انتقلت حمى التوسع من جديد إلى هذا المنافس المعمم . هذا المنافس الذي ماانبت يعرب عن توسعه في المنطقة مبتدأ بتصدير الثورة إبان السنوات الأولى للثورة الايرانية ومحاول نشرها لدول الجوار، إلا أنه لم ينجح بذلك وتمت محاصرة النظام الايراني الديني ومقاطعته دوليا مما أجبر قيادته على التنازل عن فكرة تصدير الثورة.

مسار الاستراتيجية السعودية ومراحلها  

لقد وحد الملك عبدالعزيز بن سعود مكونات السعودية تحت اسم المملكة العربية السعودية عام 1932 حيث مرت الدولة السعودية في دورة حياتها بمنعطفات مختلفة، ابتداء من مرحلة التاسيس والمعاناة للمحافظة على الوحدة الجديدة مرورا بظهور النفط وتحسن الحياة بشكل متسارع نحو الإزدهار، ثم الطفرة الكبيرة في أسعار النفط بعد حرب رمضان (اكتوبر) عام 1973 وما قاد ذلك إلى نقلة اقتصادية وعمرانية وثقافية كبيرة في المملكة العربية السعودية.  وكذلك مرت الاستراتيجية السعودية في مراحل أيضا من تثبيت نفسها على خريطة المنطقة، والتحالف الاستراتيجي المبكر والمستمر مع الولايات المتحدة الأمريكية، ثم استراتيجية المحافظة على الذات وعدم التوسع الاستراتيجي مع الاحتفاظ بدور استراتيجي متوازن إلى حد ما دون أية مطامع استراتيجية متبلورة أو صارخة في أي من الدول العربية (باستثناء اليمن ولبنان والبحرين). وحلت أغلب مشاكلها الحدودية مع دول الجوار الخليجية، واحتفظت بدور محوري في مجلس دول التعاون الخليجي.

لاشك ان الموقع الديني والموقع الجغرافي والموقع الاقتصادي للدولة السعودية يجعلها في قلب الاحداث في المنطقة العربية مما يضعها نظريا في وضع جيوستراتيجي مهم ومؤثر في كل حدث مفصلي في المنطقة العربية. والمتتبع للاستراتيجية السعودية من منظار الاستراتيجية المدركة (realized strategy) يلحظ أنه منذ توحيد المملكة العربية السعودية عام 1932 لم ترتقي الاستراتيجية السعودية الخارجية إلى درجة الدور الجيواستراتيجي الرئيسي المؤثر في منطقة الشرق الأوسط بل في أحسن أحواله كان دورا له اعتباره. وظل الدور السعودي الرسمي ينأى بنفسه عن التدخل في الشئون الداخلية للدول العربية بشكل عام بإستثناء اليمن ولبنان. بمعنى آخر لم تصبح السعودية لاعبا استراتيجيا اقليميا صانعا للاحداث برؤية استراتيجية واضحة واكتفت بدور محدود لها وإن كان مؤثرا أحيانا.  إلا أن أبرز دور استراتيجي كبير قامت به العربية السعودية كان في حرب عام 1973 ليعلن الملك فيصل بن عبدالعزيز المقاطعة النفطية عن الغرب  وتتعاضد معه دول الخليج العربي الأخرى في موقف سعودي وخليجي جرئ، لا ليضع الاستراتيجية السعودية  كلاعب استراتيجي اساسي في المنطقة في تلك الفترة، بل ليكون هذا الموقف نداً للاستراتيجية الامريكية في المنطقة ومتحديا للادارة الامريكية في موقفها من الحرب ومربكا لهنري كسنجر داهية السياسة الخارجية الامريكية في ذاك الوقت. ينجم عن هذا الموقف الاستراتيجي السعودي المدعوم من دول الخليج تغييرا حقيقيا في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الاقتصادية والسياسية، ولأول مرة تحدث مواجهة استراتيجية بين دولة عربية تعتبر الولايات المتحدة الامريكية حليفا استراتيجيا لها وبين الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. هذا الموقف الاستراتيجي التاريخي نتج عنه أمران مهمان. الأول أنه وضع عنوانا واضحا للاستراتيجية السعودية وهي أنها تقف في صف الحق العربي، والثاني أنه أثقل على من بعده بهذا التوجه الاستراتيجي الصارخ. ومن اللافت للنظر أن السعودية بعد هذا الموقف ومقتل الملك فيصل لم تطور أي بعد جيواستراتيجي رئيسي لها في المنطقة بالرغم من قدرتها على ذلك لو أرادت، وظلت تنأى بنفسها عن أي أدوار جيواستراتيجية كبرى. واستمرت السعودية تراوح في استراتيجيتها بين نهج عدم المصادمة والدخول في مواجهات عسكرية مع أحد، والاستظلال بمجلس التعاون الخليجي، وابعاد الخطر عنها مع استخدام طرف ثالث ما أمكن. كذلك حافظت على دعم لدول الطوق العربي (مصر وسوريا والاردن) وظل التوجه بدعم الحق العربي مستمرا بين زيادة وتيرة أو نقصانها.

ولعل من المحطات المهمة في الاستراتيجية السعوديه تبنيها توجها جديدا تمثل في دعم المجاهدين الأفغان، وفتح المجال أمام الشباب السعودي للمشاركة في الجهاد الأفغاني والذي أنتج مجاهدين سعوديين وعلى راسهم اسامة بن لادن الذي سيتحول فيما بعد لرجل مطلوب سعوديا وأمريكيا. إلا أن هذا الدعم السعودي للجهاد الأفغاني ما كان خارجا عن الموافقة الأمريكية وإنما في ظل الاستراتيجية الأمريكية من أجل استنزاف الموارد الروسية في حرب طويلة الأمد، واضعاف قدرات السوفيت الاقتصادية، وبالتالي دفعه نحو حافة الانهيار. ولعل هذه الاستراتيجية كانت أول خطوة نحو تدخل ما في خارج المنطقة العربية وانتهت بخروج الروس من افغانستان عام 1989.

إلا أن المسار الاستراتيجي السعودي بدأ يتعرض للاختبار الحقيقي بعد الثورة الايرانية الخمينية ومحاولة تصديرها للجوار إبان عام 1980. لكن وبالرغم من هذا التحدي استمرت السعودية في نفس التوجه الاستراتيجي المعتمد لديها في المنطقة العربية حيث دعمت صدام حسين، منافسها، في حربه مع ايران ليكون العراق حاجزا منيعا امام التوسع الايراني، وشن علماء الدين السعوديين حملة دينية قوية ضد التمدد الشيعي في المنطقة المدعوم من إيران وبدا وكأن الأمر صراع مذهبي وطائفي. كان ذلك متوقعا في سياق الاستراتيجية السعودية المعروفة. إلا أن المنعطف الحقيقي الذي هز الاستراتيجية السعودية كان يوم احتلال صدام حسين للكويت في اغسطس من عام 1990 حيث تقدمت القوات العراقية لتحتل دولة الكويت مبررة ذلك بدوافع تاريخية وغيرها. ومها كانت المبررات فإن هذه العملية كانت بالتاكيد خارجة عن المألوف وعن المنطق السياسي. شكل هذا اليوم نقطة الانعطاف الأولى الحقيقية للاستراتيجية السعودية، ومنذ هذا المنعطف فقدت الاستراتيجية السعودية زمام المبادرة والسيطرة في المنطقة، وتحول الأمر إلى الاستراتيجية الأمريكية وقواتها التي حررت الكويت واستقرت في المنطقة للأكثر من عقدين من الزمن. ثم تم تصميم الحرب الخليجية الثالثة وهي غزو العراق عام 2003 بحجة تدمير اسلحة الدمار الشامل. وهنا واجهت الاستراتيجية السعودية عقدة تواجد القوات الامريكية بعشرات الآلاف على أراضيها وبما يزيد عن 100 الف في مجموع دول الخليج عامة. وتحول المجاهدون السعوديون من افغانستان إلى السعودية ذاتها لقتال القوات الامريكية المتواجدة على أرض السعودية. واجهت الاستراتيجية السعودية عقدة وتبعات تنفيذ الاستراتيجية الامريكية منذ عام 1990 الى سنة 2003 عام غزو العراق التي استخدمت الأراضي السعودية سواء بشكل مباشر في حرب تحرير الكويت أو غير مباشر في غزو العراق من خلال استخدام القواعد الجوية في الأراضي السعودية. في فترة فقدان زمام المبادرة هذه، اضطرت الاستراتيجية السعودية لدفع الأكلاف السياسية للاستراتيجية الأمريكية على المستوى الجيوستراتيجي حيث كان المنافس الايراني هو المستفيد الأول. ودفعت السعودية الكلفة السياسية على المستوى الداخلي حيث دخلت في مواجهة مفتوحة مع تنظيم القاعدة في الداخل السعودي نفسه. أي أن السعودية دفعت الثمن الجيوستراتيجي الخارجي والثمن الجيوسياسي الداخلي دون أن تقبض شيئا ذا قيمة معتبرة. كذلك أخذت الاستراتيجية السعودية تفقد ميزاتها التنافسية (competitive advantage)واصبحت المنطقة ما بين عام 1990 و 2003 ترتب حسب المصالح الاستراتيجية الأمريكية مباشرة أكثر بكثير من اعتبار مصالح دول المنطقة. واستمرت الترتيبات الامريكية في المنطقة منذ غزو العراق 2003 إلى هذه اللحظة، بل انتقلت بشكل مباشر إلى الداخل السوري مع بداية الثورة السورية في 2011.

تنتقل الاستراتيجية السعودية من مرحلة فقدان زمام المبادرة التي استمرت ما بين 1990 و 2003 إلى مرحلة الانكار والجمود الاستراتيجي بعد سقوط بغداد بيد القوات الأمريكية في عام 2003 وتستمر مرحلى الجمود والانكار إلى بداية الربيع العربي عام 2011.  بسقوط العراق في أيدي القوات الأمريكية المدعومة من شيعة العراق فُتحت المنطقة تماما أمام التوسع الإيراني، وقضت الولايات المتحدة الأمريكية (وهي الحليف الاستراتيجي للسعودية )على السد الواقي الحامي للسعودية نفسها وللدول العربية عموما وانهار السد المنيع الذي عجزت إيران عن تحطيمه طيلة عمر الدولة الايرانية الحديثة منذ تأسيسها. عندها أضحت منطقة الشرق الأوسط في فراغ استراتيجي كبير لم تتمكن مصر من ملئه بقيادة حسني مبارك حيث انكفأت مصر على نفسها وابتعدت عن لعب الدور الاستراتيجي الحقيقي المتوقع منها في المنطقة. واصبحت السعودية مقابل إيران وجها لوجه لكن بفارق استراتيجي كبير.

حينها يتقمص الاستراتيجية السعودية حالة من الانكار للواقع العراقي وخصوصا السني  يتسبب لها في حالة جمود وتوقف عن اي نشاط أو حراك استراتيجي ذا مغزى حقيقي. فبينما تحقق إيران اختراقا هائلا لم يحدث لها أن حققته منذ الدولة الايرانية الحديثة ألا وهو السيطرة على العراق والتحكم فيه من خلال إيصال نخبة سياسية من لون طائفي واحد و ذات ميول تتناغم مع الاستراتيجية الايرانية. لأول مرة تستطيع ايران ان تتحكم ليس فقط في السياسة الخارجية العراقية بشكل عام، بل في تفاصيل ومكونات السياسة والترتيبات الداخلية العراقية. وفيما يندفع أهل السنة للمقاومة التي في اغلبها كانت ذات توجهات اسلامية سلفية واخوانية وصوفية ضد الاحتلال الامريكي المدعوم من أنصار إيران في العراق. وفيما كانت تزج إيران بامكاناتها لتثبيت نفسها وحلفائها الموالين لها وتقدم الدعم بالمال والعتاد والخبرة، كانت الاستراتيجية السعودية في حالة انكار ملفتة للنظر تجاه دعم أهل السنة والجماعة وتركتهم يواجهون قدرهم بامكاناتهم الشبه معدومة وبتفككهم وعدم وجود راية واحدة تجمعهم، واستمرت الاستراتيجية السعودية على هذا الموقف إلى أن تحقق ثلاثة أمور. الأول نجاح المقاومة العراقية بالرغم من امكانناتها المتواضعة في تحقيق خسائر كبيرة في القوات الأمريكية واضطرارها إلى الانسحاب في عام 2011 وتحمل أهل السنة في العراق ثمن المقاومة كاملا دون مساعدة رسمية من الدولة السعودية، بل ونأت السعودية بنفسها حتى عن الدفع باتجاه تخفيف الضغط عن أهل السنة في التشكيلات الحكومية العراقية المتتالية. الأمر الثاني كان افساح المجال تماما أممام إيران لتثبيت نفسها في العراق بقوة وتواجدها على الارض العراقية وتحكمها في الدولة العراقية باتجاه تحقيق مصالحها الاستراتيجية بل استخدام الورقة العراقية في الضغط على الولايات المتحدة في حالة التهديد بتوجيه ضربة لايران وكذلك في مفاوضات الملف النووي الايراني. والأمر الثالث ظهور حركة متطرفة شكلت حالة داعش حاليا. وبالتالي تجمد الاستراتيجية السعودية بين واجب الأمن القومي لها قبل غيرها، وبين الواجب الديني والعربي وحق الجوار في نصرة أهل السنة في العراق، وبين ضرورة صد الاختراق الايراني وافشاله بدلا من اتاحة الفرصة امامه ليتمكن من اتمام مناورته في العراق والمنطقة (ليلتف لاحقا على السعودية من الشرق والشمال والجنوب)، وبين ظل الاستراتيجية الامريكية في المنطقة التي كانت تعتبر دعم أهل سنة دعما للمقاومة ضدها. تجمد الاستراتيجية السعودية من عام 2003 إلى بداية الربيع العربي في 2011 دون اجتراح مبادرات أو مناورات استراتيجية حقيقية لتترك المجال واسعا أمام الاستراتيجية الايرانية المنافسة لتحقق أهدافها ومطامحها ومطامعها. وبدلا من ذلك تُشغل الدولة السعودية نفسها باستراتيجية محلية منصبة على مكافحة الارهاب وكأنها حاولت أن تقنع نفسها بأنها تمارس مناورات حيوية لم تكن في أحسن أحوالها (على أهميتها) سوى تنفيس عن حالة الجمود الجيوستراتيجي الذي اصيبت به، وكأنها وجدت المبتغى المنشود في التهليل الأمريكي لها على هذا الأداء الداخلي وقبلت به ليحل محل الشعور بالقصور الاستراتيجي أمام المنافس الاقليمي.

في يناير 2011 يفاجئ الربيع العربي الاستراتيجية السعودية وهي في حالة الجمود تلك فيفقدها حسني مبارك (الرئيس المصري) الحليف الاستراتيجي. هذا الحليف الذ انكفأ بمصر إلى داخلها ولم يعد يمارس دورا استراتيجيا جوهريا في المنطقة وتوافقت السعودية معه التي انكفأت هي بدورها إلى داخلها ليتركا لإيران المجال مفسوحا بالكلية لتملأ إيران جزءا معتبرا من الفراغ الاستراتيجي في المنطقة. ثم يتقدم الربيع العربي فيسقط حليف السعودية الثاني علي عبدالله صالح (الرئيس اليمني) على كره منها. ثورات شعوب عربية ضد انظمة حكم لم تمارس من مفهوم الدولة الحديثة (أو الدولة القومية) إلا مفهوم التسلط وجمع الضرائب والرسوم، لكن مفاهيم أخرى كالعدل وحرية التعبير والرفاهية أو العيش الكريم فلم تكن ضمن القائمة. يقرر راسم الاستراتيجية السعودية أن هذه الثورات ستصل إليه بعد أن أسقطت بعضا من حلفائه كحسني مبارك وعلى عبدالله صالح متناسيا أن السعودية تختلف في تركيبة الحكم وتختلف تماما من حيث الموارد المالية الكبيرة من النفط. لكن من الملاحظ أن الثورات العربية التي انطلقت من رحم المواطن العربي المغلوب على أمره قد تداخلت مع الاسلاميين الذين كانوا طيلة تجربتهم السياسية من المنبوذيين سياسيا إن صح التعبير وفي أحسن أحوالهم يكونوا في المعارضة، ومن المعلوم أن المواطن العربي بطبعه متدين ويلجأ إلى الله كقوة ربانية لتحميه وتنقذه مما هو فيه فتوافق موقف المواطن العربي البائس مع موقف الاسلاميين المستبعدين فظهر وكأن الاسلاميين هم من يشعلون الثورات العربية وليست المعاناة والقهر هي التي اوقدت وأشعلت هذه الثورات. وهنا يربط راسم الاستراتيجية السعودية بين الاسلاميين والثورات العربية ويتماهى مع ما يسمى بالثورة المضادة التي يقودها بقايا الانظمة المنهارة وبعضا من رجال الأعمال المستفيدين وبقايا أجهزة الأمن في العهود البائدة ليندفع نحو رفض الاسلام السياسي (إن صح التعبير) ويرفض تبعا لذلك الحركة الاسلامية التي تغذي الاسلام السياسي.

تتقدم الاستراتيجية السعودية في مصر بقوة لتدعم الانقلاب على الرئيس الشرعي المنتخب محمد مرسي الاسلامي التوجه في خطوة واضحة المعالم أن الاستراتيجية السعودية متحسسة جدا من الاسلاميين. وفي نفس الوقت تحاول بقوة دعم حليفها الرئيس اليمني على صالح ضد توجهات الثورة الشعبية اليمنية فتفشل في تثبيته ولكن تنجح في المحافظة عليه كلاعب سياسي في الداخل اليمني.  تثور الشعوب العربية وبغض النظر عن التفسيرات والتبريرات لكنها ثورات شعوب قد سجلت في التاريخ الحديث. بل يصل الحد إلى سكوت راسم الاستراتيجية السعودي عن توسع خصمه الحوثي (المدعوم من منافسه الاستراتيجي الايراني) متوقعا من الحوثي القضاء أو تهميش الحركة الاسلامية في اليمن وهو هدف بسيط بكل المقاييس والمعايير الاستراتيجية لا يستحق المغامرة ليكون الثمن جلب المنافس على الحدود. فتضطرب بوصلة الاستراتيجية السعودية في خضم الربيع العربي وتفقد توازنها، وكأنها تنظر إلى الربيع العربي ومستتبعاته من زاوية جزئية وهي زاوية الاسلام السياسي فقط الذي هو مكون من مكونات النتعقيد العربي، وليس من المنظور الشامل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والاستراتيجي للربيع العربي واضطراباته . قد يبرر العديد من المحللين هذا الموقف السعودي من مصر واليمن ولكن هذه التبريرات لن تبرر حقيقة أن الاستراتيجية السعودية دخلت في حالة فقدان التوازن في هذا التعقيد والاضطراب في المنطقة العربية.

تستمر حالة الاضطراب والتعقيد في المنطقة لتنتقل إلى سوريا، فتدفع ديناميكية الربيع العربي الاستراتيجية السعودية الفاقدة للتوازن لتواجه الاستراتيجية الايرانية

الواضحة المعالم في سوريا وجها لوجه. حيث تقدم إيران الدعم بالرجال والمال واللوجست للنظام السوري لهزيمة الثوار السوريين وتصرح بذلك جهارا من أجل مصالحها الاستراتيجية وتدفع بقيادات عليا من الحرس الثوري ومقاتليه وتدفع بالشيعة المواليين لها من حزب الله اللبناني ومن المجاميع الشيعية في العراق وغيرها للقتال المباشر مع النظام السوري. بينما تفقد الاستراتيجية السعودية توازنها في سوريا بين موقف رسمي معلن مضاد للنظام السوري وبين دعم غير معلوم الملامح وغير مهدف استراتيجيا لمجموعة من المعارضين السوريين، وغير معروف الأهداف والغايات، وكأن الهدف هو مناوشة النظام وليس اسقاطه. لا يخفى على أي محلل استراتيجي أن الاستراتيجة االسعودية في سوريا لاتنفذ استراتيجية واضحة المعالم تصب في مصلحة الشعب السوري الثائر ولاتتناسب مع الحجم الهائل من التضحيات الذي يدفعه الشعب السوري من أجل التخلص من نظامه، أو على الأقل تحقيق مصلحة سعودية واضحة المعالم. بدت الاستراتيجية السعودية في سوريا خجولة فلا هي تسير باتجاه اسقاط النظام بقوة ووضوح ولا هي قادرة على حماية الشعب السوري من القتل والدمار. بدت الاستراتيجية السعودية وكأنها تتماهى مع الاستراتيجية الأمريكية في سوريا وتتحرك في آفاق ظلها. ومن المعلوم أن الاستراتيجة الأمريكية تتقاطع إلى حد كبير مع المصالح الاستراتيجية الاسرائيلية في المنطقة. تفقد الاستراتيجية السعودية توازنها بين الاستراتيجية الأمريكية ومصالحها المتشابكة مع المصالح الاسرائيلية وبين

الاستراتيجية الايرانية الواضحة المعالم الداعمة للنظام السوري والعاملة على اسقاط المعارضة بشكل عملي على الأرض.

تفقد توازنها في الربيع العربي بين مؤيد خجول للشعوب كما هو في سوريا وبين مضاد لحركة الشعوب الثائرة كما في اليمن ومصر. تدعم السعودية اسقاط الرئيس الليبي القذافي في بداية الأمر وعندما يتحقق ذلك تبدأ بوصلة الاستراتيجية السعودية تضطرب عندما ترى امامها ثورة ليبية تضم في جنباتها عددا معتبرا من الإسلاميين، فتفقد التوازن بين اكمال الدعم والتأييد لثورة فيها عدد ليس بالقليل من الاسلاميين وبين إيجاد حالة ثورية غير اسلامية المعالم. تضطرب الاستراتيجية السعودية كذلك في اليمن حيث تدعم الرئيس اليمني على عبدالله صالح المثارعليه، وتحت ضغط الشعب الثائر تحافظ عليه وتدعم بقاءه في المشهد السياسي اليمني وتؤيد استبداله بنائبة عبد ربه منصور هادي. لكن الاستراتيجية السعودية تتيه بشكل أكبر عندما تقف ساكتة تماما عن تقدم الحوثيين (الذين دخلوا معها في حرب مباشرة بين 2009- 2010 على حدودها الجنوبية) آملة من هذا السكوت أن يقضي الحوثي على الاسلام السياسي. ثم تفاجأ الاستراتيجية السعودية بأن الاستراتيجية الايرانية قد سبقتها تماما في اليمن وحققت من خلال الحوثي (الشيعي المذهب) اختراقا هائلا في اليمن مستغلة هذا الصمت السعودي عن تقدم الحوثي الذي اجتاح أجزاء كبيرة ثم تسقط العاصمة صنعاء. تفيق الاستراتيجية السعودية في اليمن لتكتشف أن حليفها الرئيس السابق على صالح ينسق مع الحوثي ويدعمه، وتجد المناورة العسكرية الحوثية تنفذ على حدودها الجنوبية في مارس 2015 ثم محاصرة عدن في نفس الفترة التي اصبحت على وشك السقوط أيضا.

تُعَبر الاستراتيجية السعودية بشكل فاقع عن فقدان توازنها في مبادرة غريبة من نوعها وهي مقاطعة دولة قطر وسحب سفيرها من الدوحة. في مبادرة غير معهودة في مجلس التعاون الخليجي والعرف السائد فيه. لم يكن من تبرير لهذه الخطوة إلا أن قطر تقف موقفا متقدمة من الثورات العربية وفي صف الشعوب الثائرة (بغض النظر عن دوافع قطر) وبالتالي فإن قطر اكثر قربا من الحركات الاسلامية والشعوب العربية، وبدا التوجه القطري معاكسا لنظيره السعودي مما اغضب موجه الاستراتيجية السعودية. كانت هذه المبادرة باتجاه هز النهج السعودي المذكور سابقا وهو استخدام مجلس التعاون الخليجي كغطاء لها في المواقف الاقليمية من خلال ابراز موقف خليجي موحد امام القضايا المهمة بحيث يظهر هذا الموقف  كأنه موقف خليجي وليس موقف سعودي. وبالتالي تسقط السعودية بنفسها إحدى أدواتها الاستراتيجية التي تستعين بها منذ أكثر من ثلاثين عاما.

تتيه الاستراتيجية السعودية في تعقيدات أم القضايا العربية وهي القضية الفلسطينية ليجد موجه الاستراتيجية السعودية نفسه  غارقا في صراع فصائلي فلسطيني بدلا من أن يكون راعيا استراتيجيا موجها للبوصلة نحو الحق العربي كما هي الوقفة الفيصلية السابقة (نسبة الى الملك فيصل) . تجد الاستراتيجية السعودية نفسها امام حركة مقاومة فلسطينية اسلامية من أهل السنة والجماعة (حسب المصطلح الديني المعتمد في السعودية) فتدخل معها في حالة انكار. تفقد الاستراتيجية السعودية البوصلة الفيصلية  في اهم قضية عربية واسلامية في التاريخ الحديث وتضع الاستراتيجية السعودية نفسها في طرف فصيل ضد فصيل بدلا من أن تكون في صف حق عربي ضد مغتصب. تهاجم اسرائيل قطاع غزة في فلسطين ثلاث مرات عام 1988-1989، وفي عام 2012 ثم في عام 2014 وتدمر ما يقارب من 25% من القطاع وتقتل وتجرح عشرات الالاف ليأتي المقف الرسمي السعودي خجولا في الحرب الشرسة الأخيرة عام 2014. يأتي هذا الموقف من راسم الاستراتيجية السعودية الرسمية ليتقاطع مع ظلال الاسراتيجية الأمريكية المعادية لحركة المقاومة الاسلامية في فلسطين. ولابد من التنويه هنا على مصطلح الاستراتيجية السعودية الرسمية خصوصا في موقفها من فلسطين وليس الموقف السعودي الشعبي العام الذي ظل محافظا على البوصلة في موقفه من المقاومة الاسلامية في فلسطين ومن مفهوم الجهاد في سبيل الله حسب الفهم الديني الشعبي المعتدل.

استطاع المنافس الاستراتيجي الايراني في المنطقة أن يكون نقطة المثابة وأن يكون الراعي الاستراتيجي لكل الحركات الشيعية ليس في الدول العربية فحسب بل في كل البلدان الاسيوية والافريقية وحتى في امريكا اللاتينية. واستطاع أن يكوِن منهم حلفاء وأذرع استراتيجية في جميع انحاء العالم من خلال تبنيه لمختلف الحركات والاحزاب والفصائل الشيعية ويكون مرجعا عمليا لها. إن تكوين الحلفاء الاستراتيجين من الدول والحركات والشعوب والمنظمات غير الحكومية هو أمر في غاية الأهمية في تنفيذ الاستراتيجيات حيث أنه يجمع الفرص ويركز الأعمال والأهداف ويوزع المخاطر ويقلل الكلفة الاقتصادية والمعنوية والسياسية. لم تكتفي إيران بذلك بل استطاعت إيران في ظل حالة الانكار السعودية الرسمية لحركة المقاومة الاسلامية في فلسطين بمختلف مكوناتها من دعم هذه الحركات لتبدو إيران وبكل براعة استراتيجية وكأنها الداعمة والراعية لحركات المقاومة الاسلامية ليس فقط من الشيعة بل ومن أهل السنة والجماعة. تحقق إيران هذا الخرق الاستراتيجي الهام  بينما تقف الاستراتيجية السعودية مكتوفة الأيدي. تخطف الاستراتيجية الايرانية حلم الشعوب العربية بأمل تحرير المسجد الأقصى الذي أصر الملك فيصل على الصلاة فيه وتقف الاستراتيجية السعودية معزولة عن هذا الأمل العربي الشعبي. تحقق ايران تحالفات استراتيجية مع حركات اسلامية من اهل السنة والجماعة، وفي المقابل تقف الاستراتيجية السعودية عاجزة عن ايجاد صورة استراتيجية تتحالف فيها مع الحركات والاحزاب الاسلامية التوجه، في حين أن السعودية تعتبر نفسها عنوانا للدين. تقف الاستراتيجية السعودية غير قادرة على اجتراح مبادرات أو حلول توجه الحراك الديناميكي في المنطقة العربية باعتبرها محورا استرتيجيا مهما. وفي المقابل تخطف إيران منها هذا الدور لتجد الاستراتيجية السعودية نفسها محاصرة ومنهكة في خانة محاربة الحركات الاسلامية والاسلام السياسي تحت راية مكافحة الارهاب.

 تتوسع وتتمد الاستراتيجية الايرانية في المنطقة  وتتجاوز الحدود وحدود الحدود لتصل إلى العراق ولبنان وسوريا وشواطئ البحر البيض المتوسط، ثم تتجه من خلال الحوثي إلى اليمن جنوب السعودية حيث شواطئ البحر الأحمر وباب المندب، إضافة إلى دعمها لشيعة البحرين ولشيعة المنطقة الشرقية للسعودية. أي أن إيران قد أحكمت الإلتفاف حول السعودية من الشمال والجنوب والشرق. يبادر الحليف الاستراتيجي التاريخي الامريكي بعمل استدارة لا تخفى على اي محلل سياسي أو استراتيجي باتجاه ايران وتبقى الاستراتيجية السعودية على نفس النهج القديم بل تُتهم الاستراتيجية السعودية بأنها غير قادرة على الخروج من حدود ظل الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. في الطرف الآخر عندما شعرت السعودية بالخطر الايراني يقترب منها من بوابة البحرين تقدمت مع دول الخليج بقوات درع الجزيرة في مارس 2013 ودخلت البحرين حفاظا على وجود النظام الحاكم في البحرين، وتعتبر هذه خطوة استراتيجية ذات رسائل واضحة منها أن السعودية لا ترضى عن أي تغيير استراتيجي في جارتها البحرين ومنها أن السعودية تستبق الأحداث قبل أن تنتقل إلى المنطقة الشرقية في السعودية ومنها أن السعودية لا تسمح بأي تغيير مدعوم من إيران في دول الخليج، ولكن الأهم أن هذه الخطوة توحي بأنه مازال في الاستراتيجية السعودية بقية من رمق يمكن البناء عليها في أي خطوة استراتيجية حقيقية مستقبلا.

الاستراتيجية السعودية أمام مفترق طرق  

عند الحديث عن امكانية احداث نقلة نوعية أو تغير رئيسي في الاستراتيجية السعودية تبرز مجموعة من الاسئلة منها:

ما هي الفرص والامكانات الاستراتيجية المتاحة أمام الاستراتيجية السعودية؟

هل الظروف مواتية لإحداث تغييرات جوهرية أو تبني تعديلات استراتيجية أساسية؟

هل تتوفر الامكانات لدى الدولة السعودية لإحداث نقلة استراتيجية نوعية؟

ماهي المعوقات والتحديات التي تواجه هذه النقلة الاستراتيجية؟

ماذا لو لم تنفذ السعودية أي تغيرات حقيقية في استراتيجيتها؟

لقد اتخذت الاستراتيجية السعودية ثلاثة نهج على مدى تاريخها تتمثل في عدم التصادم مع أي منافس والدخول في صراع عسكري معه، وعدم التدخل المباشر في شؤونه الداخلية، مع محاولة استخدام أطراف أخرى للتصادم معه إن امكن. واستخدام مجلس التعاون الخليجي كحلف يساعد في مواجهة المشاكل الاقليمية وفي اتخاذ قرارات ومواقف مشتركة تجاه الأحداث تشكل حصنا أوليا للاستراتيجية السعودية. إضافة إلى تجيير قوة المنافس لتحقيق مصلحة استراتيجية لها. إلا أن الاستراتيجية السعودية في فترة الربيع العربي أخلت بأحد النهج وأضافت نهجا آخر. أخلت بنهج مجلس التعاون الخليجي بل كادت تشقه عندما سحبت سفيرها من دولة قطر في بادرة ملفتة للنظر لولا أنه تم امتصاص هذا الأثر من خلال مرونة أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الذي قدم ليونة في موقفه من النظام الجديد في مصر. أما النهج المستحدث فهو الوقوف في وجه الاسلام السياسي عموما. إنه من المفهوم أن تقف السياسة السعودية الخارجية والداخلية في وجه الحركات الاسلامية المتطرفة كالقاعدة وداعش وإلى غير ذلك من الاتجاهات المتطرفة، ولكن الاستراتيجية السعودية لم تكتفي بذلك بل أضافت إليها الحركات الاسلامية المعتدلة والتي أوصلتها شعوبها بصناديق الاقتراع إبان الربيع العربي إلى سدة الحكم كما في حالة مصر وتونس والمغرب وتركيا. وبالتالي وضعت الاستراتيجية السعودية الرسمية نفسها في مواجهة مع كل التيار الاسلامي المتطرف والمعتدل ومن هم في سدة الحكم ومن هم ينتظر. ومما لا شك فيه أن هذا الموقف قد عزل السعودية عن محيط شعبي كبير وموضَعها حصرا في صف الأنظمة التي تتوقع التغيير أو في صف الثورات المضادة للربيع العربي. لم تستطع الاستراتيجية السعودية أن تكون حاضنة للإسلام السياسي الذي بدا فارسا متوقعا في فترة الربيع العربي وفي اللعبة السياسية الداخلية في أغلب الدول العربية. أصبح الاسلام السياسي حقيقة واقعة على خريطة السياسة والحكم بغض النظر عن كفائتهم وقدرتهم ولكنهم مازالوا حتى اللحظة في سدة حكم المغرب وتركيا وأصاحب شأن وعلاقة قوية في اليمن ومصر وتونس وفلسطين وغيرها. ناهيك عن أن الشعوب العربية بمجملها شعوب متدينة رضخت تحت سطوة أنظمة حكم قهرية وكان الاسلاميون في تلك الحقبة معارضة بارزة مما ولد تعاطفا شعبيا معهم. لم تستطع الاستراتيجية السعودية قراءة ذلك أو لم ترد أن تره.

وما يلوح في الافق من استدارة واضحة المعالم للاستراتيجية الأمريكية تجاه تقبل إيران والتعامل معها بمنظار تنسيقي تعاوني لا من منظار عدائي كما كان باديا في السابق. وبالتالي استدارة معتبرة عن الحليف السعودي واعتبار المنافس المعمم هو اللاعب القوي في المنطقة. ومن هنا، إذا كان الأمريكي قد  اعطى نفسه الحق من أن يلتفت إلى مصالحه ويتقرب من إيران فإن طرف الحلف الآخر وهو الطرف السعودي يحق له أن يجد له حلفاء ويشكل له استراتيجية يستقل فيها في بعض ابعادها عن ظل الاستراتيجية الأمريكية. أن هذه الاستدارة في الاستراتيجية الامريكية تعطي للقيادة السعودية الجديدة فرصة لاتخاذ أو تبني تغيرات وتعديلات استراتنيجية تخدم المصلحة السعودية والعربية ومصلحة المنطقة بشكل صريح. كما أن الدولة الأمريكية تواجه مشاكل اقتصادية جادة وهي بطبيعة الحال لن تستطيع أن تهيمن على كل العالم بأسره وحالها حال كل الامبراطوريات السابقة التي اصبحت تاريخا بعد ذكر وما الامبراطورية اليابان وبريطانيا العظمى والامبراطورية العثمانية عنا ببعيد.

ومما يصب في خانة الفرص والامكانات الاستراتيجية هو قلة امكانية الشعوب العربية التي تبحث عن مخلص وهي مصممة على الخلاص. وقد دفعت أمة العرب ما لايقل عن ثلاثمائة الف قتيل وأضعاف هذا العدد من الجرحى والمفقودين والمعتقلين أي ما يزيد عن مليون عربي وعريية بين قتيل وجريح وملايين النازحين، في رسالة واضحة للقاصي والداني ولمخططي الاستراتيجيات أن الشعوب العربية مصممة على التغيير. وهذا يعطي الاستراتيجية السعودية فرصة فريدة من نوعها لتكون محورا استراتيجيا حقيقيا لشعوب المنطقة. صحيح أن هذه الوجاهة الاستراتيجية لها تكلفتها المعنوية والسياسية والمالية، إلا أنها تستحق الاعتبار والتفكير العميق. كذلك هناك فرصة كبيرة جدا لإيجاد رزمة قوية فاعلة من التحالفات الدولية والمحلية والعربية والشعبية، منها تركيا كدولة كبيرة في المنطقة تقف ندا أمام إيران، ومنها قطر كلاعب استراتيجي صحيح أنه صغير الحجم لكنه لاعب صاعد يبحث عن ظهير، ومنها الاحزاب السياسية الفاعلة في المنطقة العربية وخصوصا الاسلامية منها. لكن هذا الجانب من الحلفاء يحتاج إلى تحليل استراتيجي صريح جدا من راسمي الاستراتيجية السعودية خصوصا أن السنوات السابقة كانت تسير بشكل واضح بعكس هذا النوع من التحالفات.

في المقابل هناك مجموعة من المعوقات في ظل أي تغيير حقيقي في الاستراتيجية السعودية منها ظل الاستراتيجية الامريكية الذي ظل يعكس ظلاله بثقل على الاستراتيجية السعودية لدرجة أن ثقل هذا الظل يحجب عن الاستراتيجي السعودي ضوء الإبصار (على أخف تقدير). والتحدي هو قدرة الاستراتيجية السعودية على ترك مسافة بينها وبين الاستراتيجية الامريكية لصالح المصالح الاستراتيجية السعودية والعربية. إن مثل هذه المسافة إن كانت كافية فإنها ستعطي للسعودية مجالا معقولا للتحرك بالفضاء العربي بحجم معقول من الحرية، وتناغما مع المبادئ الاسلامية والعربية، وتقاربا أكثر من شعوب المنطقة وخصوصا في دعم المقاومة في فلسطين بعد فشل كل المبادرات والمفاوضات السسياسية على طيلة اكثر من عشرين عاما. هناك بعض المعوقات التي نتجت من آثار المواقف السعودية السابقة إبان عهد الملك الراحل عبدالله وخصوصا تجاه دعم النظام في مصر. وكذلك معوقات طرأت تجاه الاسلام السياسي مما يستوجب صياغة ثقافة تصالحية مع العديد من أصحاب الشأن (stakeholders) في المنطقة العربية وعلى رأسهم الاسلام السياسي ممثلا بالحركات الاسلامية ذات المد الشعبي الواسع. لايسع الاستراتيجية السعودية حاليا إلا ان تسارع في التصالح مع الاسلام السياسي لتضمن قاعدة شعبية معتبرة تستطيع معها أن تحدث التوازن الاستراتيجي في الداخل السعودي أولا وعلى مستوى المنطقة ثانيا. إن وصول الاستراتيجية السعودية لمرحلة التوازن مع الاستراتيجية الايرانية المنافسة أمر ملح بكل المعايير الاستراتيجية في هذه الفترة. إضافة إلى بعض النقلات الضرورية المطلوبة على مستوى البيئة الداخلية السعودية كالحريات والانفتاح الايجابي وحقوق المرأة التي لا تتنافى مع الشريعة إلى غير ذلك مما هوأكثر وضوحا عند راسم الاستراتيجية السعودية.

إن وفاة الملك عبدالله بن سعود في 23 يناير 2015 أحدثت بداية منعطف يمكن أن ينتج عنه تغيرات جوهرية أو تَبني لتعديلات استراتيجية أساسية. إن استلام قائد جديد لزمام الأمور سواء في بلد أو وزارة أو منظمة أو شركة هو بحد ذاته فرصة حقيقية لإحداث تغيرات جوهرية. وبالتالي يتشكل لدى المنظر الاستراتيجي السعودي الجديد فرصة لإعادة تقيم البيئة الاستراتيجية الداخلية والخارجية من جديد، ولإعادة تقييم المسارات الاستراتيجية للدولة، ولرسم معالم استراتيجية جديدة، وبناء تحالفات جديدة، ولبدء ارساء ثقافة جديدة أو إحداث تعديلات ثقافية. كل ذلك مبني على القيم الاسلامية التي تتناسب مع المملكة العربية السعودية، وعلى القيم والاعراف العربية وعلى القيم المحلية. ذلك لتحقيق الازدهار الداخلي ونشر العدل والمساواة حسب القيم الاسلامية التي تعتمد بالاصل على البعد الأخلاقي بشكل كبير. وكذلك الاستقلال الاستراتيجي الخارجي وضمان هامش استقلال استراتيجي معتبر لمواجهة التحديات الداخلية والتحديات الاستراتيجية الخارجية.

تتطلب النقلة الاستراتيجية النوعية توفر الرؤية الواضحة والاتجاه المحدد للاستراتيجية السعودية وفي أي إتجاه ستكون، مع توفر الامكانات مصحوبة بظروف استراتيجية مناسبة. من السرد أعلاه يتبين توفر فرص استراتيجية تاريخية تهيئ لصانع الاستراتيجية السعودية احداث نقلة نوعية، لكن هذه الفرص لابد أن يرافقها امكانات قادرة على دعم هذه الاستراتيجية ومن هذه الامكانات المطلوبة هي الامكانات المالية وهي بالتاكيد متوفرة حتى مع انخفاض اسعار النفط فانه بالامكان إحداث تغييرات نوعية في الاتجاه الاستراتيجي المنشود. اضافة إلى الامكانات السياسية وطاقم سياسي ينسق العلاقات السسياسية بالاتجاه المطلوب وهذه من السهل توفيرها في دولة بحجم المملكة العربية السعودية. أما بالنسبة للظروف الاستراتيجية، فالمنطقة في حالة فراغ استراتيجي منذ سنوات عديدة واللاعب الوحيد فيه هي ايران، أما تركيا فمازالت تحتاج إلى مزيد من الاستقرار الداخلي اضافة إلى تطوير رؤية استراتيجية تجاه المنطقة من وجهة النظر التركية، ومصر لمًا تتعافى بعد ومازالت في حالة ضعف اقتصادي وعدم استقرار داخلي. وبالتالي فإن هذا الفراغ الاستراتيجي يبحث عمن يملؤه حتى لا يترك لايران وحدها. كما أن الشعوب العربية تنتظر ظهيرا معتبرا يعينها على التخلص مما هي فيه. صحيح أن بعض المحللين يذهب على اعتبار أن الربيع العربي عبارة عن مؤامرة تحاك على الأمة وأن الشعوب مجرد أداة لمن يقف خلف هذه الثورات. وسواء كانت الثورات العربية مؤامرة أم حقيقة فلا أحد ينكر أن هناك حراكا شعبيا قويا في الشارع العربي أصبح واقعا وقد ثبت نفسه على الخريطة الجيوسياسية العربية. إن المطلوب هو التعامل مع هذا الحراك فان كان حقيقيا يتم التعامل معه على هذا الأساس ولمصلحة الوطن، وإن كان صنيع مؤامرة فالمطلوب استيعابه بهدوء واحتواء هذه المؤامرة المزعومة دون تحطيم للوطن.

لكن الأمر الأكثر اهمية بالنسبة للدولة السعودية هو ضرورة وضوح الرؤية وعلى أي اساس ستنطلق الاستراتيجية السعودية وما هي ثوابتها ورؤيتها وقيمها وغاياتها وفي أي إتجاه ستسير. كل ذلك يحتاج إلى حوار سعودي داخلي حقيقي وصريح حتى يتم تحديد الحلفاء وطرائق التحرك في هذا الوضع المعقد. وبالتأكيد فإن مصمم الاستراتيجية السعودية لابد له أن يجيب على مجموعة من الاسئلة الحرجة الصعبة منها: ما موقف الاستراتيجية السعودية الجديدة وأين ستتموضع بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة؟ وهل ستبقى في ظلها أم أنها ستستقل وإلى أي حد؟ وإلى أي مدى تستطيع أن تفرض الاستراتيجية السعودية نفسها مقابل الاستراتيجية الأمريكية؟ وهل ستستطيع السعودية تنفيذ استراتيجيتها بعيدا عن الظل الامريكي؟ وأي نوع من الحلفاء سيتم التعامل معهم وخصوصا الاسلام السياسي؟ وهل ستستطيع الاستراتيجية السعودية أن تفرض قيمها تجاه الصراع العربي الاسرائيلي على أرض فلسطين؟ وما هو المدى الذي تستطيع أن تذهب اليه الاستراتيجية السعودية تجاه المقاومة الفلسطينية ؟ مجموعة من الاسئلة الحرجة لابد لمخططي الاستراتيجية السعودية أن يجيبوا عليها بكل وضوح مع أنفسهم. ولو تم فرضا أن حدث اتفاق على احداث تغيير حقيقي في الاستراتيجية السعودية، فهل سيؤخذ القرار؟ ثم، هل ستتوفر الارادة لتنفيذ القرار.

لقد وصلت الاستراتيجية السعودية نقطة حرجة حتى دخلت في فخ التناقض الاستراتيجي والمفارقات غير المتقابلة (strategic paradox) الذي أوصلها إلى حالة لاتستطيع الحراك فيه وتعجز عن اجتراح مبادرات حقيقية. فهي إن انتفضت ودعمت السنة في العراق لتحقيق التوازن الاستراتيجي مع ايران فإن ذلك سيتقاطع مع الولايات المتحدة الامريكية. وإن هي اندفعت نحو الحق العربي في فلسطين لتحقق التوازن مع الاسرائيلي فإن تبعات الاستراتيجة السعودية السابقة بتحالفها مع النظام المصري المحاصر لغزة وموقفها السابق غير الايجابي من حركة المقاومة الاسلامية ستلقي بظلالها، ولكن التحدي الأكبر سيكون مع الاستراتيجية الأمريكية المؤيدة لإسرائيل. وهي إن اندفعت ضد الحوثي بدعم من الاسلام السياسي اليمني والحراك اليمني الشعبي فستجد نفسها في تناقض مع سكوتها السابق عن الحوثي وفي تناقض مع موقفها السابق من الاسلام السياسي، وستجد أن القاعدة ستقاتل بعد حين في صف السعودية مما سيغضب حليفها الأمريكي. وهي إن اندفعت في تعديل مسارها في سوريا تجاه وقفة استراتيجية صارمة توازي على الاقل وقفة المنافس الايراني فإن الاستراتيجة الأمريكية الحليفة لها ستكون بالمرصاد للاستراتيجية السعودية.

في البيئات ذات الديناميكية العالية حيث التعقيد والاضطراب فإن البقاء على نفس الاستراتيجية دون تغيير يقود إلى التدهور والانحدار على المنحنى الاستراتيجي باتجاه نقطة اللاعودة. إن الاستراتيجية شبه الثابته ستواجه بسبب الحراك العالي والتعقيد والاضطراب قوتين الأولى قوة التنافس الاستراتيجي في البيئة الخارجية والثانية وهي قوة التصحيح الاستراتيجي الذاتي وكلا القوتين تعملان باتجاه الدفع نحو انحدار الاستراتيجية القديمة، هذا الدفع الانحداري غالبا ما يؤثر سلبيا على موجه الاستراتيجية القديمة. والاصرار والاستمرار بالتوجهات القديمة غالبا مايؤدي إلى الفشل وتزداد احتمالية الخروج من حلبة التنافس انتهاء إلى الخروج الكلي من البيئة.

إن الحراك العربي ماانفك مستمرا، وايران ستستمر بالتوسع في المنطقة مالم يحدث تغيير في الداخل الايراني، والديناميكية عالية جدا في المنطقة، والاضطراب في سوريا وليبيا واليمن سيرتد أثره على كل البلدان العربية وإن كان بأوزان مختلفة، والتعنت الاسرائيلي سيزداد، وفي المقابل فإن المقاومة الاسلامية في فلسطين من المتوقع أن تستمر، والحراك في العراق من المتوقع أن يتفاقم وسيبقى في اضطراب، وكذلك لبنان فمن الواضح صعوبة وصول الأطراف اللبنانية إلى اتفاق داخلي ينهي الصراع والانقسام الداخلي، وسيبقى الاسلام السياسي حاضرا في المشهد. إن أحداث الربيع العربي ستدفع السعودية دفعا لأن تتخذ مواقف استراتيجية جادة تجاه ما يجري من أحداث في اليمن وسوريا والعراق ومصر وليبيا والبحرين وكل هذه الاحداث في هذه الدول وغيرها ستعكس نفسها بطريقة أو أخرى على الاستراتيجية السعودية بالذات. كل ذلك ومع وصول الاستراتيجية السعودية إلى نقطة الصدمة في اليمن يفرض على الدولة السعودية ضرورة تبني استراتيجية جديدة تستوعب هذا التعقيد وتطور استراتيجية فاعلة تتعامل مع أصحاب الشأن المحليين دون انكار وتحقق أهداف مقبولة للشعوب على مستوى المنطقة. إن الاستراتيجية السعودية مدعوة وبسرعة لإيجاد وبعث دورة حياة جديدة لها منطلقة من استثمار التغييرات والحراك العالي في المنطقة العربية والفرص المتوفرة كوجود حلفاء ذوي اعتبار ووزن في المنطقة مثل تركيا، ,ومصر في حالة تعافيها، وحلفاء محليين مثل قطر، إضافة إلى امكانية توفير حلفاء ذوي وزن شعبي كبير مثل الاسلام السياسي. يضاف لذلك عطش الشعوب العربية لمخلص يحقق شيئا من أحلامها، والشعوب العربية ستبقى وفية لكل مناورة جادة.  مطلوب من الاستراتيجي السعودي أن يغير ويتبنى تعديلات أساسية جذرية وبسرعة حتى يشكل دورة حياة جديدة للدولة السعودية وإلا فإن الاستراتيجية السعودية إذا ظلت على ما هي عليه دون تغيير حقيقي وجذري وسريع فستفقد ميزاتها التنافسية وستزداد اضطرابا وستجد نفسها تنحدر على منحناها الاستراتيجي إلى نقطة اللاعودة.

The Changing process in the Middle East A Strategic Implementation Perspective An Initiative for a Leading Team

No doubt that the Middle East Arab countries are witnessing not only substantial changes but revolutionary ones after high oppression levels, poverty, exclusion of others, and the security-based regimes that have made winds of change inevitable. The changing process in the region is not separated from the surroundings and its external context. No doubt that the neighboring countries are being and are going to be influenced directly. It is very essential for the actors interested in the region to develop appropriate polices and strategies in order to maintain not only the stability in the region but also their strategic interests in this region. Furthermore, it is their duty to participate in spreading freedom and dignity after decades of oppression and humiliation. The changing process In the Middle East needs to be honestly guided to achieve its Noble goals. The paper sheds the light on an initiative for a leading team. Continue reading The Changing process in the Middle East A Strategic Implementation Perspective An Initiative for a Leading Team

Analyzing Iraq’s complexity from Turkey’s strategic perspective

Turkey is playing a strategic role in the Middle East due to many factors. Historically, the Ottoman Empire was controlling most of what is now called Middle East countries and many other Islamic countries which created long and strong relationship with Turkey. Geographically, Turkey occupies a strategic position between Europe and Asia. It is the ceiling of the Arab countries from the north. Its coasts are extended from the black sea to the Mediterranean Sea. Moreover it has long boarders with Iraq and Iran. Therefore, Turkey is very well qualified to play a strategic role in the Area.

This paper provides a strategic analysis to the Iraqi complexity from the Turkish perspective.

http://goo.gl/lHWoQm Continue reading Analyzing Iraq’s complexity from Turkey’s strategic perspective

Crucial Geostrategic Concepts towards Achieving Strategic Harmony amongst OIC Countries

The current era is witnessing serious geopolitical changes during the Arab spring and its waves in the Arab countries specifically. This geopolitics change is reflecting serious geostrategic changes on the OIC (Organization of Islamic Countries) as well, which causes serious impacts on all OIC internally and externally. Under the forum theme “Unity in diversity: Source of power”, the paper introduces some crucial geostrategic concepts to develop common national and regional understanding in order to avoid geostrategic confrontation, and to exploit the strategic opportunities. The paper calls for geostrategic interests’ integration management, and for reaching the point of geostrategic equilibrium so as to start developing, what is called by the writer, geostrategic regional initiatives. This paper will propose crucial strategic imperatives within the context of the complex dynamic of the Arab spring’s transitional period and its impact on the region in order to support the unity of the OIC countries in this dilemma.

http://goo.gl/8hriFI

Continue reading Crucial Geostrategic Concepts towards Achieving Strategic Harmony amongst OIC Countries

Lights On Middle East Geostrategy

Part II: Geostrategic Problems on the Ground

There are many serious geopolitical problems on the ground in Middle East countries, such as the absence of democracy, dialogue, tolerance, art of dispute, and sectarian divisions. Moreover, the Middle east suffers from multiple geopolitical problems, such as: national political problems, forced ideology, lack of common grounds in the same country, not accepting the others’ opinion, exclusion and marginalization, misconceptions, evoking and calling to minds historical confrontations. These serious geopolitical problems generate serious geostrategic issues and crisis which lead to serious strategic goals confrontation. Such geostrategic confrontations create easy access for international intervention in the region under the need of protection, and achieving strategic equilibrium with opponents in the area.

The geostrategic impact is prone to the Middle East area not only recently, but since the early days before Islam was in the region as well.  For instance, early in the 19th century, Iran was subjected to the Russian-UK great game in the Middle East. Eventually, in 1907 Iran territory was divided into three parts. In 1921, Tehran and Moscow signed a treaty of friendship. Moscow retained the right to intervene in Iran in any event of foreign attack, and that the Soviet would support Tehran in fighting the separatists in the country’s north. In 1937, Afghanistan, Iran, Iraq, and Turkey founded the Sadabad pact, which settled several border disputes and thus erased potential sources of conflict.

After World War II, SU (Soviet Union) and Iran agreed to grant SU several oil concessions and to recognize the autonomy of Azerbaijan. In return, Moscow withdrew its troops from Iran in 1946. UK, whose BP oil company controlled the majority of Iranian oil reserves, refused to give up its influence on the domestic policy of Iran. A new oil treaty was signed in 1949 with BP (Inat & Yesitlas, 2005). Although the elections in Gaza strip was supervised by the international community in 2006; USA and EU rejected the Hamas government as an explicit stance to refuse the political Islam, and to reject the participation of Islamic parties in formulating the geostrategy in the region.

Lights on Middle East Geostrategy

Part I: the Middle East in the World Geostrategy

Middle East countries are located in the heart of the geostrategic interests of the United States, Europe, Russia, and China. They are located in the stability belt of the United States and Europe (stability belt is the zone surrounding Russia and Eastern Europe). The MIDDLE EAST countries control important navy lanes and air corridors; own the oil which is the source of the global energy; and separate Russia from the warm waters. In addition to the Arab- Israeli conflict that is influencing all the internal geopolitics of most the Middle East countries, and influencing the external geostrategic moves in the region.

Accordingly, the area is always under focusing not only by all the great powers but also by the emerging powers as well. Emerging powers such as China and regional emerging powers such as Turkey and Iran are very interested in the region. They scan the geopolitics and geostrategic changes regardless of the intention of each of them.

Globalization does not ease the geostrategic concerns because trades occur through the sea lanes, air corridor, and land routes. In contrast, globalization pushes towards protecting trade gains and accords. No doubt, the United States is the main power in the region and plays a vital role in shaping the geostrategy of the region. The global powers have not only an indirect effect on the geopolitics of the local countries but also they have a direct effect in some cases.

For example, Shah Riza was forced to abdicate in 1941 and succeeded by his son Mohammad as a sort of punishment because of his support to the German Rich in World War II.  In Syria: USA, Saudi Arabia, and their alliance from one side are supporting the rebels; while Russia, Iran, and China on the other side are supporting the Syrian regime. The United States, France, and Britain intervened coercively in Libya to force Ghadafi to step down; while the United States supported the Yemeni president Ali Saleh before his stepping down. In fact, most Middle East countries in the t are exposed to geostrategic intervene from external powers if serious geopolitical changes occur in any local country, or if serious geostrategic changes occur in the region. Most Middle East countries are vulnerable and prone to the danger of interference. No country is immune.