حرب مع إيران… أم لا حرب مع إيران A war with Iran … or not a war with Iran

د. وائـل شـديد

استراتيجي وباحث

28/5/2019

حرب مع إيران… أم لا حرب مع إيران

A war with Iran … or not a war with Iran

ملخص

في الآونة الأخيرة ارتبكت المنطقة بالتصعيد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ووصلت الأمور إلى حد التوقع بحدوث حرب بين الطرفين، وبعض المحللين اسْتبعد الحرب بينهما ولكلِّ رأيه وتحليله. لقد شّوَّشّتْ التحركات الأمريكية العسكرية الأخيرة في الخليج العربي على المشهد الجيوستراتيجي الحقيقي كمن أطلق قنبلة دخان فَفُقدت الرُّؤية وحدث الارتباك. وفي هذا المقال سنحلل الأمور من البعد الاستراتيجي ومن زوايا عدة منها: إيران والغرب، وماذا تريد أمريكا من إيران، وزاوية الاستراتيجية الأمريكية تجاه إشعال حرب معها، وزاوية الموقف الإيراني من الحرب. كما سيتم تحليل المحركات الأساسية التي تدفع الأحداث في المنطقة وأوزانها لمحاولة التنبؤ باتجاهات واحتمالات نشوب حرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.

كلمات مفتاحية: إيران، محركات استراتيجية، الإسلام السياسي، المتشددين الأمريكيين، الثورة الشيعية، مصالح اقتصادية، مكاسب استراتيجية، الأقليات، الدعم الغربي

بداية هناك موقف غربيّ من الإسلام السياسي، تطور هذا الموقف بشكل واضح وظهر في فترة الربيع العربي ومازال إلى الآن، ليصبح حقيقة ماثلة في تعاملات الغرب مع الربيع العربي وثوراته، وهو: أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية يقفون ضد وصول الإسلام السياسي لسدَّة الحكم، والتعاون مع من يتخذ نفس الموقف من قوى المنطقة من أجل تثبيت تلك الحقيقة.

ولكن من الملفت للنظر أنّ الغرب وأمريكا لم يتخذا هذا الموقف ضد الثورة الشيعية الإسلامية الإيرانية، بل انطلق الإمام الخميني من باريس إلى طهران دون أية ممانعة بل بتسهيل ذلك الانطلاق. كذلك قامت إيران برفع شعار” تصدير الثورة للخارج” وعملت على ذلك وخصوصا في دول الجوار كالعراق ودول الخليج، ولم يتخذ الغرب موقفا حازما ضدها كما فعلت مع الربيع العربي السني. أيضا تغلغلت إيران في العراق ولا يكاد يوجد قرار عراقي استراتيجي يصدر دون الموافقة الإيرانية، بل شكلت إيران ميليشيات عسكرية أفغانية وباكستانية وعراقية ولبنانية وسورية ويمينية ودعمتها بالسلاح والمال دون أن يحرك الغرب ساكنا أو ينتفض غضبا كما انتفض ضد الربيع العربي وضد الإسلام السياسي السني. وما موقف أمريكا والغرب من انتخابات إندونيسيا قبل أشهر ببعيد. ثم إن الغرب بدا متعاونا من الناحية الاقتصادية مع إيران خصوصا ألمانيا وفرنسا وغير ذلك من الدول الأوربية منذ نجاح الثورة الإسلامية في إيران وإلى الآن. صحيح أن أمريكا فرضت عقوبات في المدة الماضية وخصوصا بعد البرنامج النووي الإيراني إلا أن الغرب ظل متعاطفا ومتعاونا مع إيران في التحايل على العقوبات الأمريكية وفي تسهيل الوصول للاتفاق النووي.

وفي المقابل فإن الإيراني استطاع أن يَنْفَذَ بذكاء إلى المنطقة العربية تحت مظلة دعم المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي سواء للمقاومة اللبنانية أو الفلسطينية. وقدمت إيران مساعدة هائلة لحزب الله اللبناني الذي وقف نِدا لإسرائيل في حرب 2006 ووقف العرب والمسلمين السنة داعمين لحزب الله في تلك الحرب، وكأن المقاومة ضد الاحتلال توحِّد الجميع، وكذلك فعلت في دعمها للمقاومة الفلسطينية أيضا.

كل ذلك وضع إيران في تموضع يبدو متناقضا بين دعم غربي لمصالح اقتصادية بينه وبين إيران، وتأييد غربي للموقف الإيراني في المواقف السياسية في العراق وسوريا، وعدم وقوف الغرب بحزم تجاه الإسلام السياسي الشيعي، وتقبله بشكل عام التّغلغل الإيراني في الوطن العربي مع بعض الاعتراضات غير الجادة بين الفينة والأخرى، وفي نفس الوقت تقف إيران بشكل واضح جهارا نهارا في دعمها للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

إذا ما مساحة الارتكاز التي تجعل الموقف الغربي والموقف الإيراني يبدو متناقضا وفي نفس الوقت يبدو متعاونا؟

تتقاطع العلاقة الإيرانية مع الغرب والولايات المتحدة في مساحة مشتركة تتكون من أربعة محركات حاكمة: الأقلية والمصالح الاقتصادية والمكاسب الجيوستراتيجية والعلاقة مع إسرائيل. حيث تتفاعل هذه المحركات مع بعضها ولكن بأوزان مختلفة. فتارة ما يكون وزن المصالح الاقتصادية أعلى من غيرها وتارة ما تكون المكاسب الجيوستراتيجية هي الأعلى وزنا وهكذا دواليك.

مع العلم أن هناك محركات داخلية في كل بلد تتفاعل هي الأخرى داخليا، ولكنها تصب في النهاية في أحد المحركات الأربعة الحاكمة. فالتيار المتشدد في أمريكا يدفع باتجاه توجيه ضربة عسكرية لها بسبب دوافع دينية لتثبيت إسرائيل ضمن تصورات المسيحية الصهيونية، وهذا المحرك الداخلي يصب في النهاية في المحرك الأساس الرابع وهو العلاقة مع إسرائيل.

إن سلوك قوى الاستعمار يشي باستغلال الأقليات الدينية أو العرقية في نشر التفرقة من أجل إحكام سيطرتها على الدول. وهذا لا يعني أبدا أن كل أقلية أو أفراد الأقليات متعاونون مع قوى الاستعمار، وإنما يكونون مستهدفين من قبل هذه القوى أكثر من غيرهم. ولما كان الشيعة أقلية دينية في دول العالم الإسلامي السني أصبحوا هدفا ليس فقط لقوى الاستعمار ولكن أيضا من قبل إيران ذاتها بحجة الدفاع عنهم. كما أن إيران تصبح هدفا لقوى الاستعمار من أجل ابتزاز الدول الإسلامية الأخرى، وذلك يمكن أن يتم بطرق مباشرة أو غير مباشرة.

 كما أن محرك المصالح الاقتصادية من العوامل الهامة جدا في مساحة التقاطع بين إيران والغرب خصوصا وأن إيران دولة مصدرة للنفط والغاز ودولة مستهلكة للعديد من المنتجات الغربية في نفس الوقت. وهنا يَحسُن الفصل بين الغرب متمثلا في الدول الأوربية وبين الولايات المتحدة الأمريكية في مساحة التعامل الاقتصادي، حيث أن الغرب له علاقات اقتصادية وطيدة مع إيران خصوصا ألمانيا وفرنسا، بينما أمريكا تمارس مقاطعة اقتصادية ضدها منذ عقود.

أما المحرك الثالث وهو: المكاسب الجيوستراتيجية؛ فهو المساحة التي لا تمارس فيها أمريكا مقاطعة مع إيران بل تتبادل هي والغرب المناورة مع إيران لتحقيق المصلحة لكل منهم، وهو المحرك الذي يولد الضبابية في حقيقة العلاقة بين إيران وأمريكا. في حين أن العنصر الرابع وهو العلاقة مع إسرائيل تتولى زعامته الولايات المتحدة أكثر من غيرها وهو محرك يظهر بين الحين والآخر لِلْعلن وتارة ما يكون خفيا، لكنه عامل حاكم في العلاقة الإيرانية الأمريكية حيث تسعى أمريكا لتوفير الحماية والطمأنينة لدولة الاحتلال.

 إن فحص هذه المحركات الأربعة يسهل على المحلل استنتاج واستنباط طبيعة العلاقة والنتائج المتوقعة من كل مناورة غربية أو أمريكية مع إيران. وينبغي الفصل بين المناورات الغربية والأمريكية والإيرانية فكل مناورة لها محركها الأساس غير المناورة الأخرى.

وبالتالي قد يكون محرك حماية إسرائيل نشطا في موقف أو مناورة ما ويبدو للناظر أن الأمر سيتعقد مع إيران، ولكن في المقابل يكون محرك تخويف دول الخليج بعصى الأقليات الشيعية وسطوة إيران من أجل انجاز صفقات سلاح بمليارات الدولارات هما الأكثر نشاطا. وهذا ما يفسر الضبابية في العلاقة، ولكن الأصل هو النظر إلى المحرك الأكثر نشاطا من المحركات الأخرى حتى يُفهم الموقف بدقة وتوقع اتجاه المناورة.

وبإسقاط ذلك على التصعيد الأخير في الخليج، وما واكبه من تحريك قطع عسكرية وبوارج حربية نجد أن المحركات الأربعة جميعا قد اشتغلت معا مما ولد ضبابية عالية في توقعات المشهد ولكن لما كانت هذه المحركات الأربعة تتحرك بأوزان مختلفة، فإن على المحلل أن يتنبأ ويُحدد أي المحركات أعلى وزنا وبالتالي أي المحركات سيقود المشهد.

لقد تحرك محرك الأقلية والتخويف من إيران لتهيئة الجو، وطلب الحماية الأمريكية رسميا للتدخل وحماية مسارات النفط. وانخفض المحرك الاقتصادي تجاه إيران وضغطت أمريكا على الغرب من أجل وقف التعاملات التجارية معها بحجة انسحاب أمريكا من الاتفاقية النووية مع إيران. وفي المقابل ارتفع المحرك الاقتصادي باتجاه دول الخليج التي ستتدفع التكلفة وتنجز المزيد من صفقات السلاح. ونشطَ محرك العلاقة مع إسرائيل باعتبارها مُشعِلةٌ للحرب وترغب بتوجيه ضربة لإيران، ونشط المحرك الداخلي الأمريكي المرتبط بالمسيحية الصهيونية، ولكن هذا المحرك عادة ما يهدأ نشاطه العلني في مثل هذه المناورات، ليتم التركيز على الضربة بدلا من التشويش عليها.

ولكن المحرك الأكثر وزنا هو المحرك الجيوستراتيجي الذي لا يريد أن يوصل الأمر لحالة الحرب، فالابتزاز المالي لدول الخليج مستمرٌ ولم ينقطع ومحرك الأقلية يقوم بالمهمة دون الدخول بحرب لا يُعرف كيف ستنتهي، وخصوصا أن ترمب أعلن بشكل واضح في الرياض أنه لن يقاتل نيابة عن دول الخليج، وأن عليها أن تدفع مقابل حمايتها. كما أن هذا التصعيد قد يعيد إيران لطاولة المفاوضات مع أمريكا حيث يتوقع ترمب أن يعيد تشكيل الاتفاقية كما يراها هو لا كما يراها الأوربيون، تماما كما فعل بإعادة اتفاقية النافتا مع كندا والمكسيك، وكما يحاول مع الأوروبيين والصين لتغيير بعض الاتفاقيات التجارية.

وعليه فليس من المصلحة الاستراتيجية الأمريكية حتى هذه اللحظة أن تندفع في حرب مع إيران، ولكنها تحاول التهويش من أجل تحقيق مكاسب جيواستراتيجية في المنطقة بإعادة تشكيل الاتفاق النووي مع إيران ومحاولة الضغط الاقتصادي عليها لتغيير النظام (أو تغيير سلوكه حسب التعبير الأمريكي) أي بمعنى آخر إعادة بعض الترتيبات في المنطقة.

وفي المقابل لا يوجد أدنى مصلحة إيرانية في الانجرار نحو حرب مع الولايات المتحدة إذ إن الكلف ستكون باهظة جدا. ولما كانت القيادة الإيرانية ذات قدرة على المناورة وتمتلك رصيدا رادعا من القوة العسكرية، فإنها تناور مع الولايات المتحدة في مجالات الردع وتوجه رسائل واضحة من خلال الأذرع التابعة لها، ولسان حالها يقول هذه مجرد بدايات فكيف إذا وقعت الواقعة.

خاتمة

هل احتمالية الحرب قائمة؟ مما لا شك فيه، فإن البيئات المعقدة والمضطربة يمكن أن تتطور وتنزلق فيها الأمور للأسوأ نتيجة حدث صغير قد لا يبدو مهما سواء بسبب سوء الحسابات أو الخطأ في التقدير أو التهور أو حتى نتيجة تدخل طرف ثالث. كما أنه في حالة ارتفاع وزن محرك حماية إسرائيل مدفوعا بتوجه المتشددين في الإدارة الأمريكية المنطلق من معتقدات دينية، فإنه من المحتمل الانزلاق لهاوية الحرب أيضا. خصوصا ان مجالات سوء التقدير أو تدخل طرف ثالث أو توفير المبرر للمتشددين الأمريكيين متوفرة وبكثرة نظرا لتعدد ساحات التداخل والاحتكاك من الخليج واليمن إلى العراق إلى سوريا. لكن وفي جميع الاحتمالات سواء الحرب أو عدم الحرب فإن الخاسر الأكبر هي دول الخليج العربي لا سيما في ظل الانقسام الحالي.

Advertisements

بين التيار الشعبي والحزب السياسي

د. وائل شديد

30/4/2018

بين التيار الشعبي والحزب السياسي

لقد أضحى العمل الجماهيري والنقابي ومؤسسات المجتمع المدني من متطلبات العصر الحديث. ذلك أن الدولة بتركيبتها وهيكليتها لا تستطيع أن تغطي جميع المجالات فكان لا بد من وجود مؤسسات المجتمع المدني والنقابات لسد هذه الثغرة. ونظرا للتركيبة السياسية للدولة الحديثة فلا بد أيضا من وجود عمل سياسي يحاول أن يقوِم أو يعترض على ما يراه غير مناسب لمصلحة الجماهير.

ولكن السؤال المطروح: هل يكون هذا العمل على شكل حزب سياسي أم تيار شعبي وما الفرق بينهما؟

عند تسليط الضوء على المفهومين نلاحظ: أن هناك خلطا بينهما ليس بين الجمهور فحسب بل وبين الممارسين أيضا. إذ يبدو أحيانا أن أصحاب الحزب السياسي يتبنون استراتيجية التيارات الشعبية مما يؤثر سلبا على مقاصدهم السياسية ويجعل أهدافهم تتعارض مع وسائلهم، والعكس صحيح إذ تتعارض وسائل أصحاب التيار الشعبي مع أهدافهم وبالتالي إعاقة تحقيق المراد من سبب وجود التيار الشعبي أو الحزب السياسي.

فالحزب السياسي هو مجموعة من الناس تؤمن بفكر ما، أو تتبنى أهدافا سياسية أو أيديولوجية أو دينية أو اقتصادية أو فكر مركب من تلك الأهداف السابقة، وينظمون أنفسهم بإطار تنظيمي بهدف الوصول إلى السلطة وتنفيذ برنامجهم السياسي. بينما التيار الشعبي هو شكل من أشكال الالتقاء أو التجمع الجماهيري حول مصالح أو مطالب ثقافية أو اجتماعية أو وطنية أو سياسية من أجل الضغط على من هم في السلطة لتحقيق مطالبهم ولا يسعون للوصول للسلطة. ولذا يحاول التيار الشعبي إشراك أوسع قاعدة من الجمهور بهدف تحقيق مطالبه وتنتهي مهمة التيار الشعبي بتحقيق مرادهم المنشود. وهذا يقتضي توحيد الجماهير لتلبية مطالبها في مواجهة السياسات غير العادلة أو غير المناسبة للسلطة.

ومن حيث المقصد، فإن الحزب يهدف لتشكيل قاعدة حزبية مؤمنة بالفكرة، ويعمل على نشر فكره بين المواطنين ليشكل قاعدة جماهيرية واسعة تؤهله لدخول المعترك السياسي للوصول للحكم، ولذا فإن حياة الحزب مستمرة حتى بعد الوصول للحكم، وقد يشكل ائتلافا حاكما مع أحزاب أخرى أو يكون في المعارضة. في حين أن هدف التيار الشعبي هو تشكيل قاعدة شعبية تؤمن بالمطالب التي ينادي بها وينشر الوعي بين الجماهير، معتمدا على عدالة المطالب التي يتبناها من أجل الضغط على السلطة لتلبيتها دون الوصل إلى الحكم، ولذا فإن التيار الشعبي يتوقف عند تحقيق المطالب أو انتهاء أسباب تكوينه في الأصل، ويمكن أن يستمر طالما المطالب لم تتحقق أو دوافع تأسيسه ما زالت قائمة. ويتم تحديد أهداف التيار الشعبي المستقلة من خلال جمهوره نفسه ومنها على سبيل المثال؛ بناء قاعدة مجتمعية واسعة تؤمن بالتغيير الذي تطالب به وتسعى له، ونشر الوعي القانوني والحقوقي المتعلق بالقضية المنشودة، والعمل على تشكيل ثقافة خاصة بها قادرة على مواجهة الثقافة المناقضة لها، إضافة إلى نشر الوعي بمصالحها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للعمل على تحسينها.

أما من حيث الهيكلية، فإن الحزب السياسي يعتمد بالغالب على هيكلٍ هرميّ وله سلطة تنظيمية، وتراعي فيه التراتب الهيكلي، والتفويض في الحزب السياسي محدود إلا من خلال الأطر الحزبية. ويكون التفويض للحزبي الملتزم وليس لصاحب الكفاءة. أما التيار الشعبي فيعتمد على هيكل بسيط غير معقد قائم في الأغلب على التوافق مع بعض الضوابط والسياسات لتنظيم الأمور. والتيار الشعبي فيه تفويض أكثر بكثير من الحزب. ويعتمد على العمل بروح الفريق وتجميع الكفاءات.

وفي حين يكون الانتماء للحزب، فإن التيار الشعبي لا ينتمي لحزب محدد ولا ينفذ أجندة أي من الأحزاب ولا يخضع لقرارات أي منها، وغير مقيد بعقلية حزبية، بل منفتح على جميع الأطياف من جميع قطاعات الشعب المختلفة التي تتشارك معه في المطالب.

ومن الصعب احتواء التيارات الشعبية المستقلة من خلال الأحزاب التي قد تحاول ذلك، حيث سترفض الأغلبية في التيار الشعبي الاحتواء وتصر على رفضه. ومن المحتمل أن يتناقض الحزب مع التيار الشعبي إذا كانت مطالب التيار الشعبي تعارض فكر أو سياسة الحزب. كما قد يقوم حزب ما بتشكيل منظمه جماهيرية تشابه التيار الشعبي في الظاهر لكسب واستقطاب الناس الذين لا يريدون الانتماء الحزبي، ولكن هذه المنظمة الشعبية تبقى محكومة بتوجهات الحزب ولا تملك الاستقلالية، ويفرض الحزب عليها أجندته وسرعان ما تكتشف الجماهير تبعية هذه المنظمة الشعبية للحزب بعد مدة وجيزة من الزمن.

والتيار الشعبي ليس معزولا في حركته عن المكونات السياسية، فيستطيع التيار الشعبي أن ينشئ علاقة تنسيق وتفاهم مع أي حزب يتقاطع معه في المصلحة المشتركة ولكن دون الخضوع لبرنامجه من خلال التعاون والتنسيق. وعلى التيار الشعبي حينها أن يحافظ على هويته فلا يبدو وكأنه تابع للحزب الذي تقاطعت مصلحته معه.

وحتى تنجح التيارات الشعبية في تحقيق رسالتها فلا بد من الانتباه لمجموعة من عوامل النجاح لعل من أهمها: نشر الرؤية والرسالة للجماهير وفهمها لإيجاد قاعدة واسعة واعية لمهمتها، وعدم التفرد في اتخاذ القرارات بل العمل بروح الفريق. والمطلوب توسيع المشاركة في حل المشاكل التي تواجه التيار الشعبي بشكل عام، مما يتطلب نشر مفهوم التشارك مع الآخرين، وعدم البدء من الصفر بل التعاون مع المؤسسات القائمة التي تتقاطع مع فكرة التيار. ومن المتطلبات المهمة المرونة في التعامل دون التنازل عن المبادئ، والمقصود هنا المرونة الإدارية إضافة إلى المساواة والعدل بين الجميع. ويتوجب على قيادة التيار الشعبي توضيح المخرجات والنتائج المطلوبة والإنجازات المراد تحقيقيها للجميع والمحاسبة على ذلك والتشجيع، مع إعطاء الفروع والتنسيقيات الفرعية التابعة للتيار الشعبي صلاحيات ضمن مقاييس متفق عليها لتشجيع الإنجاز وتوفير الدافع للعمل. وهذ يقتضي منح التفويض من أجل زيادة الكفاءة من حيث تقليل الجهد والوقت والكلفة ومن أجل زيادة الشعور بالولاء والانتماء لفكرة التيار الشعبي. ونظرا لأن التيار الشعبي يتعامل مع مختلف التركيبات الاجتماعية والديمغرافية، فلابد هنا من التوازن بين نظام الرعاية والوجاهة والامتيازات وبين نظام الجدارة والكفاءة والعطاء.

ونظرا لقلة التكلفة السياسية للتيار الشعبي، ونظرا للتركيبة السياسية في العديد من الدول كالممالك والإمارات، فإنه من المتوقع أن يكون المستقبل لتبني مفهوم التيارات الشعبية في السنوات القادمة. كما ستجد العديد من الجماعات والأحزاب في فكرة التيار الشعبي مخرجا لها من مأزقها الفكري خصوصا عندما تكتشف أنها كانت في جوهرها تيارا شعبيا وتتبنى في واقعها وسائل التيارات الشعبية بينما كانت تظن أنها حزبا سياسيا.

متى تتضح استراتيجية ترمب وشلته؟

د. وائــل شـديـد

استراتيجي وباحث

18 فبراير 2017

منشورة على موقع عربي 21   arabi21.com

متى تتضح استراتيجية ترمب وشلته؟ 

منذ انتخاب الرئيس الأمريكي ترمب، وهو يشغل الأخبار بتصريحاته وتغريداته، أو بتعليقات فريقه المثيرة للجدل؛ من حظر السفر على سبع دول إسلامية إلى موقفهم من العملة الأوربية “اليورو” إلى موقفهم السلبي من الاتحاد الأوروبي. ابتداء فإن الرئيس ترمب يعدّ نموذجا مختلفا عن الرؤساء الأمريكيين السابقين من عدة جوانب نذكر منها أولا: أنه لم يأتي من المجمع الصناعي الذي ما فتئ يؤّثر بالسياسة الأمريكية، وهذا المجمع يشمل بشكل رئيسي قطاعي السلاح والنفط. بينما جاء ترمب من قطاع العقارات والفنادق والترفيه وبالتالي فإن ترمب لا ينتمي إلى هذا المجمع المؤثر تاريخيا في الإدارة الأمريكية، ولا يحمل همومهم ولا أطماعهم، وهم كذلك لا يؤثرون عليه ولا يحمل فكرهم أو توجهاتهم. ثانيا: الرئيس ترمب لا ينتمي إلى النخبة التقليدية الأمريكية فهو لم يكن يوما حاكما لولاية أو عضوا في الكونغرس أو مجلس الشيوخ وبالتالي لا ينتمي إلى هذه الفئة المؤثرة أيضا ولا يحمل توجهاتها ولا همومها. ثالثا: لا يعد ترامب عضوا أصيلا في الحزب الجمهوري بل وجد في هذا الحزب وسيلة للوصول للحكم فتبنى النهج المتطرف ليكسب الفئة الغالبة من الأمريكيين العاملين، وبالتالي فهو لا يحمل أجندة ولا توجهات ولا أفكار الحزب الجمهوري، أي أنه خارج التغطية الحزبية. رابعا: ترمب ليس رجلا عاديا يبحث عن وظيفة مرموقة بل هو رجل أعمال وملياردير ولا تنقصه الأموال ولا راتب الرئيس الأمريكي. إذا فترمب خارج كل الحسابات الأربعة المذكورة فهو خارج دائرة المجمع الصناعي، ولا يحمل أجنة ولا عقلية حزبية، ولا يتبنى ديبلوماسية بعينها، ولا أفكارَ النخبة، ولا ينقصه المال. إذا فهو رجل سيتصرف بعيدا عن كل الأطر الأربعة وهذا يجعل التنبؤ بأفعاله حاليا صعبة إلى حد ما. وعليه فإنه يمكن وصف الرئيس ترمب بأنه:

  • رئيس متمرد بامتياز. فهو متمرد على الطبقة النخبوية التقليدية الحاكمة، ومتمرد على المجمع الصناعي المتنفذ والحاكم في الولايات المتحدة، ومتمرد على الحزب الجمهوري، ومتمرد على النخبة السياسية التي لا ينتمي إليها.
  • يصعب التنبؤ بما سيفعله إذ من الصعوبة ليّ ذراعه فهو جاء من خارج الصندوق التقليدي سواء النخبة الحاكمة أو المجمع الصناعي
  • شعبي عنصري خاطب الشعب الأمريكي الأبيض باللغة التي يفهمها فقد كان في كل خطاباته عفويا وصريحا ويذهب إلى الموضوع مباشرة بدون أي اعتبارات ديبلوماسية أو تحفظات – بريستيج -أو اعتبار لأي بروتوكولات، كما استطاع أن يتملص من كل الفضائح بالطريقة الشعبية التي تفهمها هذه الطبقة.

وقد أثبت ترمب أهمية الطبقة الوسطى في حسم الأمور إذا ما تم مخاطبتها بالطريقة الصحيحة. وطرح شعارات تتناسب مع آلام ومعاناة طبقة البيض الوسطى ودغدغ مشاعرهم واستفز غضبهم وخوفهم من فقدان الوظائف فطرح طرد المهاجرين والمسلمين والملونين وذوي الأصول الإسبانية. وبالتالي تحول إلى رجل شعبي (populist) والغريب أن هموم هذه الطبقة -الأصل فيها -أن تُستقطب من قبل اليسار وليس من قبل اليمين المتطرف. لكن يبدو أن الشعبوية (populism) في أمريكا لها طريق مختلف استطاع ترامب أن يشق طريقه فيه ويكسب هذه الفئة بعد أن أيقظها بطريقته العنصرية.

ومن الملفت أن اختيار فريقه لم يتم بمشورة حزبه كما هي العادة ولا مشورة المجمع الصناعي ولا النخبة بل كانت تبدو بمشورة عائلته من ابنته وابنه وصهره والعديد من المقابلات تمت في برج ترامب. ومن الملفت أنه بالرغم من أن هناك صفات مشتركة بين من تم تعيينهم إلى الآن إلا أن هناك بعض الاختلافات في الرؤى بينهم. فهناك مجموعة منهم من رجال الأعمال وأصحاب الملايين والمليارات مثل وزير الخارجية والمستشار الاستراتيجي ووزيرة التربية ووزير الطاقة. والعديد منهم من العنصرين البيض والمحافظين المتشددين.

فمايكل بانون مواليد 1953 المستشار الاستراتيجي لترمب من رجال الأعمال وعسكري سابق، دعا لحريبين كبيرتين إحداهما: مع الصين والثانية: في الشرق الأوسط، وهو معادي للإسلام وللمهاجرين، بينما ترمب أكد قبل أيام دعمه لصين واحدة!! في حين أن وزير الأمن القومي الجنرال فلين المستقيل يعدّ الإسلام والإسلاميين الراديكاليين عدوا استراتيجيا. على أية حال فقد استقال من منصبه بسبب اتصالاته مع الروس. في حين أن وزير الدفاع الجنرال جيمس ماتيس المولود عام 1950 يعدّ إيران عدوا رئيسيا باعتبارها داعمة للإرهاب ويعتبرها أخطر من تنظيم الدولة الإسلامية، ويقال إنه يؤيد حل الدولتين ولا يؤيد الاستيطان. أما وزير الطاقة جيمس بيري المولود عام 1950، فهو من المحافظين ومدعوم من حزب الشاي، وضد الإجهاض وزاوج المثليين، ومؤيد لصناعة النفط والغاز، وضد الاتفاقية النووية مع إيران.

ويشارك مايك بومبيو مواليد 1963 كرئيس لوكالة الاستخبارات الأمريكية وهو عضو في حزب الشاي اليميني المحافظ، ويؤيد برامج المراقبة ويعارض إغلاق سجن غوانتنامو، ومعارض للاتفاقية مع إيران، ورجل أعمال.  بينما وزير الخارجية تيليرسون من مواليد 1952 فهو رجل أعمال والمدير التنفيذي السابق لشركة النفط العالمية اكسون موبيل، وليس لديه خبرة سابقة في العمل السياسي، وله علاقة مميزة مع الرئيس الروسي بوتن وغير مؤيد لمقاطعة روسيا.

والسؤال هنا كيف ستكون استراتيجية ترمب وفريقه؟ من الملاحظ أن الفريق المُعتمد حاليا يحتاج إلى عدة أمور منها: أنه نفسه بحاجة إلى أن يتكيف مع نفسه حتى يستطيع أن يرسم معالم استراتيجيته القادمة وهذا بالتأكيد سيستغرق بضعة أشهر، حتى يستطيع الفريق تحقيق وفاق معقول بينهم. كما أن الفريق يحتاج إلى أن يتلاءم مع المؤسسات الأمريكية الرئيسية ذات العلاقة برسم الاستراتيجية الأمريكية العليا وهذا سيُدخل الفريق في صراع مع بعض هذه المؤسسات، فإما أن يتناغموا كليا أو جزئيا، أو قد يختلفوا وتبدأ المشادات بينهم.  وبالتالي فإن استراتيجية ترمب وفريقه ستأخذ عدة أشهر حتى تظهر ملامحها وتستبين خطوطها الرئيسية حتى يمكن التعامل معها تنبؤا وتوقعا لمسارات الأحداث القادمة. وعموما هل ستكون هذه الاستراتيجية المفترضة هي الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة أم أنها ستتنافر مع الأطر المؤسسية الأمريكية العريقة وتصبح عندها استراتيجية ترمب وشلّته؟

 

الاستراتيجية التركية المستقبلية تجاه الشرق الأوسط

د. وائــل شــديد

استراتيجي وباحث

8 فبراير 2017

منشورة على موقع اكاديميةعلى الرابط التالي:لمزيد من التفاصيل 

https://goo.gl/r0MjKS

 

الاستراتيجية التركية المستقبلية تجاه الشرق الأوسط

مقدمة

لقد وجدت تركيا نفسها منخرطة في الأحداث الجيوستراتيجية في الشرق الأوسط، سواء رغبت بذلك أم لا. تاريخيا كان معظم ما يسمى الآن بدول الشرق الأوسط وعدة دول إسلامية أخرى تحت حكم الإمبراطورية العثمانية، مما أوجد علاقات طويلة وواسعة مع تركيا. وجغرافيا تحتل تركيا موقعاً استراتيجياً بين أوروبا وآسيا، فهي سقف الدول العربية من الشمال، وسواحلها تمتد من البحر الأسود إلى البحر المتوسط. كما أن لها حدودا طويلة مع دول غير مستقرة مثل سوريا والعراق التي تشهد كلتيهما حالة من الفوضى والتعقيد الداخلي. إن هذه الفوضى تؤثر على تركيا كأمر حتمي لا مفر منه. ومن جهة أخرى لدى تركيا حدود مع إيران التي هي اللاعب الجيوستراتيجي الإقليمي الفعال في المنطقة وتحاول أن ترسخ مصالحها الاستراتيجية عبر تدخل علني لتفرض نفسها كجزء من المعادلة الجيوستراتيجية في الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك ليس لدى تركيا أي خيار سوى أن تنخرط بنفسها في الصيغة الجيوستراتيجية من أجل تحقيق مصالحها الاستراتيجية ولتأمين حدودها ولمنع أي تقدم متنام تجاه الداخل التركي. في خضم هذا الفراغ الاستراتيجي في المنطقة تبدو تركيا على أنها اللاعب الجيوستراتيجي الواعد والمؤهل جيداً للعب دورا جيوستراتيجيا في المنطقة.

وتلقي هذه الورقة من خلال أسلوب وصفي وتحليلي الضوء على السياق الجيوستراتيجي في الشرق الأوسط وعلى اللاعبين الإقليميين والدوليين، وتقترح ملامح لمبادرة استراتيجية تركية مستقبلية تجاه الشرق الأوسط.

السياق الاستراتيجي في الشرق الأوسط

يشمل الشرق الأوسط الدول العربية وتركيا وإيران. ويشهد هذا الجزء من العالم اضطرابا وتعقيداً ودينامية عالية جداً. حيث تمر الدول العربية في الشرق الأوسط بتغيرات ثورية حقيقية بسبب الربيع العربي والثورات المضادة له. حيث أصبح عدم الاستقرار وعدم اليقين والفوضى والاضطراب هي السمة العامة للدول العربية التي شهدت الربيع العربي مثل: مصر، واليمن، وسوريا، وليبيا، والعراق من قبلها. أيضاً هناك تفاعلات القضية الفلسطينية والتي هي رمز للصراع العربي – الإسرائيلي. بالإضافة إلى تشكّل بعض التنظيمات الإسلامية المتطرفة في ظل هذه الفوضى، مثل داعش التي برزت كوحش دولي، هذا الوحش استدعى مجدداً الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها وروسيا إلى المنطقة لوضع حد لتوسع داعش.

يحيط بتركيا من الجنوب والشرق سوريا والعراق وإيران. وكل دولة منها لديها اعتباراتها الجيوستراتيجية الخاصة بها. فكلا من سوريا والعراق في حالة عدم استقرار واضطراب هائل. حيث تشهد سوريا صراعاً داخلياً معقداً بين النظام مدعوماً من إيران وروسيا، ومقاتلو المعارضة المدعومين إلى حد ما من بعض الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية وقطر. وتدخلت الولايات المتحدة في الصراع السوري من خلال الحفاظ على التوازن بين الجانبين والأخذ بعين الاعتبار المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، ونزلت روسيا على الأرض السورية لدوافع جيواستراتيجية لتعزز موقعها المضاد للغرب. وبالتالي أضحت المشكلة السورية تعكس الصراع الدائر بين اللاعبين الخارجين أكثر مما تعكس الصراع الدائر بين اللاعبين المحليين.

أما في العراق فالوضع في تعقيد آخر يعكس الصراع بين الشيعة المدعومين من إيران، والأكراد المدعومين من الولايات المتحدة، والسنة وهم بدون أي دعم خارجي. وبهذا يبقي أهل السنة الجزء الأضعف في العراق، وفي نفس الوقت هم الجزء الأكثر أهمية إذا ما أريد تحقيق الاستقرار هناك. لكن الدور السني قُلِّصَ ولا يتم تمثيله كما ينبغي بما يتناسب مع الموارد الكامنة لديهم، وهم كذلك لا يستفيدوا من مواردهم وإمكاناتهم إلى الحد الأقصى، وغير مدعومين ومؤيدين خارجياً مثل الشيعة أو الأكراد، ويعانون من خلافات داخلية، وغير قادرين على ملائمة أنفسهم في موضع استراتيجي يعكس حجمهم الحقيقي، بالرغم من أنهم هم أصحاب الثورة الحقيقيين ضد الاحتلال الأمريكي وقد دفعوا الثمن وقدموا التضحيات لهذه المقاومة.

لقد وصل الشيعة إلى ذروتهم القصوى من خلال حكم العراق بواسطة الدعم الكبير من إيران وبموافقة أميركية. فحشدوا كل مواردهم واستفادوا من كل إمكانياتهم ووصلوا إلى سقفهم الأعلى والذي يبقى أقل مما هو مطلوب للسيطرة على العراق كله. فإمكانياتهم القصوى غير كافية لتحكم العراق حتى مع الدعم الإيراني المطلق. فقد فشلوا في حكم العراق بطريقة متوازنة وذلك لعدة أسباب من ضمنها منظورهم الطائفي، ونقص الخبرة، والاعتماد على محاربين شيعة كُثر، وهوس الانتقام من الآخر، وغياب الروح الوطنية لتوحيد العراق.

ومن جهة أخرى فإن وجهة نظر الأكراد مكرسة تجاه كسب استقلالية أكثر بهدف إنشاء دولتهم المنشودة. فهم يستغلون الحالة العراقية المعقدة لاكتساب مصالح أكثر لأنفسهم، ويبدوا أنهم سيجدو أنفسهم متورطون في صراعات مستقبلية مع عدة لاعبين، مثل العرب، والتركمان وإيران إذا بقوا مصريين على مواقفهم.

عند قراءة الموقف التركي من الصراع التاريخي الأساسي في الشرق الأوسط وهو القضية الفلسطينية نجد أن هناك بعض التطورات الهامة حيث تحول الموقف التركي إلى الجانب المؤيد للقضية الفلسطينية، أي باتجاه حلم الأمة الإسلامية. مما وضعها في قلب تطلعات وآمال الأمة الإسلامية فيما يتعلق بتحرير المسجد الأقصى والقدس وفلسطين. وعلاوة على ذلك فإن شعبية تركيا وقادتها تتزايد بسرعة بين العرب والشعوب الإسلامية. ومن جهة أخرى فقد أظهر الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية موقفاً صلباً في مواجهة الحروب الوحشية للاحتلال الإسرائيلي خاصة في غزة بالإضافة إلى إصرار الشعب الفلسطيني وصموده في وجه الاحتلال الإسرائيلي في القدس والضفة الغربية. هذا الإصرار الفلسطيني المتواصل غير المسبوق خلال أكثر من 70 سنة يشكل قاعدة صلبة لأية تحركات استراتيجية، بمعنى آخر يشكل رهاناً رابحاً لأية مناورة جيواستراتيجية جدية في المنطقة.

 

اللاعبون الجيوستراتيجيون الإقليميون

يوجد عدد من اللاعبين الإقليميين في منطقة الشرق الأوسط من ضمنهم مصر، والمملكة العربية السعودية، وإيران، وتركيا. أما بالنسبة لمصر فهي تعيش حالة اضطراب بعد الانقلاب وما تزال غير مستقرة وبالتالي لم يعد باستطاعتها أن تكون لاعباً جيوستراتيجياً مؤثراً حتى هذه اللحظة. وما لم تصل مصر إلى حالة استقرار فستبقى غير قادرة على لعب دور جيوستراتيجي مؤثر في المنطقة.

وفي المقابل لا تبدي المملكة العربية السعودية أيّة استراتيجية واضحة في المنطقة. وبدلاً من ذلك فإنها تنأى بنفسها وترفض التعامل مع ما يسمى بالإسلام السياسي مما موضع المملكة العربية السعودية في زاوية الطرف المعادي لثورة الربيع العربي من خلال دعم الانقلاب في مصر ومعاداة الثورة في اليمن قبل سطوة الحوثي على الموقف. هذا الموقف السعودي من الربيع العربي متناغم مع موقف الولايات المتحدة. وقد أحجمت المملكة العربية السعودية في الماضي وحتى هذه اللحظة عن تقديم دعم سياسي حقيقي لسنة العراق، على الرغم من أنهم كانوا ومازالوا يرزحون تحت معاناة شديدة من الحكومة الشيعية التي تم تعزيزها بشكل واضح من إيران. أيضاً لا تبدي المملكة العربية السعودية دعماً واضحاً للمقاومة الفلسطينية في مواجهتها مع الاحتلال الإسرائيلي في الحروب السابقة في غزة، واكتفى الموقف السعودي بالتزام الموقف الرسمي المتماشي مع توجهات اللجنة الرباعية. فأصبح الموقف السعودي يتماشى تماماً مع وجهة نظر الولايات المتحدة فيما يخص المقاومة الفلسطينية. من جهة أخرى لا تبدي المملكة العربية السعودية أية استراتيجية مستقلة واضحة فيما يتعلق بالمشكلة السورية في حين أن إيران تدعم النظام السوري بكل قدراتها المالية والبشرية والعسكرية. ومرة أخرى يبدو الموقف السعودي غير قادر على فرض رؤيته ولا يستطيع تجاوز الرؤية الأمريكية مما أظهر السعودية وكأنها تقوم بأفعال تصب في المصلحة الاستراتيجية الأمريكية أكثر منها في المصلحة السعودية أو العربية. وعلى ذلك يمكن اعتبار المملكة العربية السعودية كتابع أكثر منها كلاعب جيوستراتيجي مؤثر.

وتظهر تركيا بتغيراتها الجيوستراتيجية بعد وصول أردوغان وحزبه للحكم وكأنها فارس الأحلام، وتبدي تركيا موقفاً واضحاً تجاه القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى، وتتخذ موقفاً صارماً حيال الأفعال العدائية لإسرائيل. وفي المقابل فإن تركيا تحت اختبارٍ كبير فيما يخص استقرارها الداخلي بسبب المعارضة الداخلية والدولية. وحتى الآن استطاع أردوغان مع حزبه أن يتغلب على الاضطرابات الداخلية ومنعها من تحقيق زعزعة الاستقرار الداخلي. وبالرغم من الأحداث الخارجية المحيطة بها إلا أنها ظلت لوقت قريب متحفظة في المجال الجيوستراتيجي الخارجي نتيجة لنقص الاستقرار الداخلي، ولعدم بلورة رؤية جيواستراتيجية في ظل هذه البيئة المعقدة، ولأنها ماتزال في مرحلة انتقالية. لذلك ركزت القيادة التركية على القضايا الداخلية والاستقرار أكثر من الأحداث الخارجية، خاصة مع هكذا أحداث خارجية معقدة، ومع ذلك تبقى لاعباً جيوستراتيجياً واعداً فيما يشاهد اللاعبون الإقليميون والدوليون الآخرون ويرصدون تطور هذا الاعب المتَوقع الجديد. ومما لا شك فيه ان الاستراتيجية التركية بعد فشل الانقلاب قد انطلقت نحو التعامل مع الفضاء الاستراتيجي الخارجي بشكل واضح واندفعت في قوات درع الفرات نحو فرض واقع على الأرض في الشمال السوري.

في الحقيقة، إن اللاعب الجيوستراتيجي الفعال الوحيد في المنطقة هو إيران، فإيران لها تاريخ طويل من التدخل في المنطقة منذ أيام الشاه الذي لعب دور الشرطي عن الولايات المتحدة في منطقة الخليج. لقد اعتبرت إيران البحرين جزءا من إيران، واحتلت الجزر الإماراتية الثلاثة. لقد عادت الرغبة الإيرانية في التوسع مرة أخرى بعد الثورة الإسلامية عندما حاولت أن تصدّر الثورة إلى دول إسلامية أخرى، ثم هدأت قليلا ثم عادت الرغبة في التوسع مجدداً وبشدة أكثر تحت مصطلح “حماية المصالح الاستراتيجية الإيرانية”. ولم تقف إيران عند هذا الحد لكنها تجاوزته بدعم الأحزاب الشيعية في لبنان والعراق والبحرين واليمن التي أصبحت ذراعها في نشر استراتيجيتها ومصالحها في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك فقد نجحت إيران في اختراق العراق بعد صدام حسين، وأصبحت المحرك الرئيسي للأحداث الداخلية في العراق، كما استطاعت أن تستغل تأثيرها في العراق في المفاوضات النووية مع الغرب. لقد أصبحت العراق تماماً كما ترغب إيران: عراقٌ ضعيف خاضع لحكومة شيعية مع أدوار متواضعة للسنة، وبالتالي استطاعت إيران أن تستثمر الحالة العراقية إلى حد كبير لتحقيق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. كما استطاعت إيران أن تحقق تغلغلاً عميقا في لبنان من خلال حزب الله ودفعه للقتال في سوريا.  وفي جميع الحالات فإن التدخل الأوضح لإيران هو في سوريا، حيث تتواجد بصورة مباشرة عبر إرسالها الحرس الثوري للمشاركة في الحرب ضد المعارضة، وبدفع أذرعها من المليشيات الشيعية مثل حزب الله والمليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية للقتال بصورة مباشرة في سوريا بحجة الدفاع عن النظام السوري. كما تعمقت إيران في جنوب غرب الجزيرة العربية حيث اليمن بدعم الحوثيين أيضاً لتثبت وتعمق مصالحها في تلك المنطقة. إنه توسع إيراني واضح فهو يستغل حالة عدم الاستقرار والاضطراب في محاولة لإثبات قوتها ومصالحها وتأثيرها وهكذا تكون إيران هي اللاعب الجيوستراتيجي الإقليمي الفعال الوحيد الذي يتدخل بصورة مباشرة وغير مباشرة في كل أرجاء منطقة الشرق الأوسط.

اللاعبون الجيوستراتيجيون الدوليون

الدول الشرق أوسطية مثل: مصر، وسوريا، وتركيا، والعراق، والمملكة العربية السعودية، ومنطقة الخليج، وفلسطين موجودون في قلب المصالح الجيوستراتيجية للولايات المتحدة، وأوروبا، وروسا، والصين. إذ يقع الشرق الأوسط في مكان استراتيجي مميز فهو يحتوي على أغنى مصادر الطاقة مثل النفط والغاز والطاقة المتجددة، أي الرياح والشمس. إن موقعه الجيوستراتيجي يجلب اهتمام الآخرين إليه جلبا، فالعيون على المنطقة طوال الوقت. وأصحاب المصالح الخارجية لن يتوقفوا عن التدخل في المنطقة لدوافع وأهداف مختلفة، زد على ذلك الصراع العربي-الإسرائيلي وهو سببٌ آخر للاهتمام والتركيز على هذه المنطقة. كما أن دول الشرق الأوسط تقع في نطاق “حزام الاستقرار” بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا، وحزام الاستقرار هو المنطقة المحيطة بروسيا وأوروبا الشرقية من الجهة الجنوبية.  كما تسيطر دول الشرق الأوسط على طرق ملاحة بحرية وممرات جوية هامة، وتفصل روسيا عن المياه الدافئة. بالإضافة لذلك هناك الصراع العربي-الإسرائيلي، الذي يؤثر على الجيوسياسية الداخلية لمعظم دول الشرق الأوسط، ويؤثر على التحركات الجيوستراتيجية الخارجية في المنطقة أيضاً.

ووفقاً لذلك فإن المنطقة تحت تركيزٍ ليس فقط من القوى العظمى بل من القوى الناشئة أيضاً مثل الصين. ويضاف إلى ذلك العديد من المشاكل الجيوسياسية الخطيرة في دول الشرق الأوسط كغياب الديمقراطية، والحوار، والتسامح، وفن الاختلاف، والانقسامات الطائفية، والمشاكل السياسية القومية، والأيديولوجيات القسرية، وقلة القواعد المشتركة في البلد نفسه، وعدم قبول الرأي الآخر، والاقصاء، والتهميش، والمفاهيم الخاطئة، وإثارة وإعادة الأحقاد التاريخية إلى الذاكرة. هذه المشاكل الجيوسياسية الخطيرة تولّد قضايا جيواستراتيجية صعبة وأزمات تؤدي إلى مواجهات إقليمية معقدة. إن مثل هذه المواجهات الجيوستراتيجية تخلق منافذاً سهلة لتدخل دولي في المنطقة.  تحت بند الحاجة إلى الحماية. حيث أن القوى العظمى لها مداخل مختلفة للتدخل في السياسات الداخلية والخارجية للشرق الأوسط. فأحد أنواع المداخل هو مدخل الحماية من قوى إقليمية أخرى كما هو الحال في بعض دول الخليج العربي الطامحة في حماية أمريكية ضد تدخلٍ إيراني متوقع في دولها. وهناك مدخل امتلاك الأسلحة للوصول إلى تكافئ استراتيجي مع معارضين آخرين في المنطقة، مما يفتح الباب على مصراعيه على تدخل جيوستراتيجي كبير كما حدث إبان غزو الكويت، ثم غزو العراق في 2003، ثم التدخل الروسي في سوريا. ومن قبل اندفاع بعض الدول لطلب الحماية الأمريكية ضد حركة التوسع الإيرانية وتصدير الثورة وبالتالي التوجه بعيداً نحو تعزيز أمنهم متحالفين مع واشنطن. وهناك أيضا المدخل الاقتصادي والتكنولوجي للمساعدة في استخراج الموارد الطبيعية ولتطوير البلاد وهو يمهد الطريق لهذه التدخلات أيضاً. وليس ذلك فقط بل أصبح وللأسف مبدأ السيادة قابلاً للمساومة.

ورغم أن القوى الأوروبية لها اعتبار جيد في المنطقة غير أن الاقتصاد الغربي الضعيف في ظل الأزمات الاقتصادية الحالية منذ عام 2008 لن يسمح للغرب بأن يكون قادرا على فرض قيادته ورغباته على المنطقة كما كان في العادة.  وما من شك فإن الولايات المتحدة هي القوة الأساسية في وتلعب دوراً حيوياً في تشكيل استراتيجية المنطقة وتبقى هي اللاعب الجيوستراتيجي الأساسي.

الجيوستراتيجية التركية المستقبلية

في هذه البيئة الخارجية المضطربة والمعقدة لن تستطيع تركيا أن تقف على الحياد بدون تحركات جيواستراتيجية، فحتى لو رغبت في أن تفصل نفسها عن الأحداث الديناميكية العالية الخطورة فسينتهي المطاف بهذه الأحداث إلى أن تنتقل وتضرب تركيا من الداخل.

مخاوف تركيا الخارجية

في الحقيقة إن إحدى المخاوف الرئيسية هي القضية العراقية التي كانت أول حدث. والعراق كواحد من البلدان الهامة في المنطقة يعاني من اضطراب دائم منذ عام 1990 وحتى الآن. ومازالت الحالة هناك متصاعدة وتتطور باتجاه التعقيد يوماً بعد يوم وهذا من آثار الاحتلال الأمريكي، والتباينات الديموغرافية، والنزاعات الداخلية، وكذلك مشكلة داعش والتدخلات الدولية والإقليمية كلها تساهم في اضطراب المشهد العراقي. والعراق بتعقيده وغموضه يجاور تركيا ويحدث تأثيراً في العديد من شؤونها مثل السياسة الخارجية، والعناصر الداخلية، والقضية الكردية، والعلاقات الاقتصادية.

وهنا تبرز بقوة مجموعة من المخاوف قادمة من العراق ولها تأثير سلبي على تركيا، منها كيفية الحصول على معلومات كافية لإدارة نتائج التعقيدات العراقية، وكيفية تجنب استعمال القوة والتورط المباشرة في حل المشاكل الناجمة عن الوضع هناك، ومخاوف من جر تركيا إلى الدوامة العراقية، ومخاوف بأن تصبح مشتتة الانتباه بإدارة الأزمات أكثر من إيجاد حلول جذرية وحقيقية، ومخاوف من توسع إيراني في المكونات العراقية يمتد نحو تركيا، ومخاوف من استغلال الأكراد في الجانب العراقي لمشكلة حزب العمال الكردستاني.

أما القلق الآخر فهو المنبثق من سوريا متمثلاً بالعدد الكبير من اللاجئين السوريين في تركيا والمتزامن مع نتائج اجتماعية واقتصادية وسياسية سلبية. وأيضاً الارتباك السياسي الناجم عن الصراع العسكري بالقرب من الحدود مع سورية، كالمواجهات الدائرة عند نقاط العبور والحدود البرية، إضافة لذلك العداوة التي تعززت بين النظام السوري والحكومة التركية والتي قد تؤدي إلى أعمال عدائية من قبل النظام السوري داخل تركيا، أو استغلال بعض أفراد الطائفة العلوية التركية لزعزعة الأمن والسلم الداخليين، وإمكانية استغلال تداعيات المشكلة السورية من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، وروسيا، لفرض نوعٍ من الضغط عليها.

أما القلق الثالث فهو المشكلة الفلسطينية والعناد الإسرائيلي. في الواقع هذا القلق جليٌّ لأن قادة حزب العدالة والتنمية يعتبرون المساعدة في قضية المسجد الأقصى، والقدس، ودعم الشعب الفلسطيني واجباً دينياً. إن العناد الإسرائيلي أدى إلى مقتل عددٍ من النبلاء من الشعب التركي كانوا على متن سفينة مساعدات إنسانية، مما أدى إلى نزاع سياسي جدي مع إسرائيل، لذلك فإن هذا الصراع المستمر في فلسطين سيؤثر على الاستراتيجية التركية أيضاً، وسيلقي بظله على سياساتها الخارجية.

السياق الجيوستراتيجي بخصوص تركيا

إن عملية التغيير في المنطقة ليست منفصلة عن البيئة المحيطة، وما من شكٍ بأن دول الجوار تتأثر بصورة مباشرة، وفي وسط هذا التعقيد وجدت تركيا نفسها متورطة، ليس لأنها ترغب في الانخراط، بل لأنه فرض عليها بسبب موقعها الجغرافي، والمتطلبات الدولية، والمسؤولية الإنسانية، والواجب الإنساني. والتحرك التركي الأخير باتجاه الداخل السوري لم يكن خيارا بل اجبارا للانخراط في هذه الصيغة الجيوستراتيجية الإقليمية، وإلا فإنها ستدفع ثمناً أغلى داخلياً وخارجياً وستظهر نتائجه سلباً على المكونات السياسية والاجتماعية الداخلية التركية. ليس هذا فحسب بل ستجد نفسها محاطة بمصالح استراتيجية لدول أخرى، مما سيؤدي إلى تآكل مصالحها. على الرغم من أن تركيا اتجهت نحو صفر مشاكل خارجية في السنوات الماضية إلا أن الواقع فرض أحداث خارجية ضخمة تضاعفت أكثر مما أملت. في واقع الأمر تواجه تركيا حالة جيواستراتيجية معقدة تستوجب تكيفاً سريعاً، وتحديدا لموقعها الجيوستراتيجي، وإلا فإنها تخاطر بنفسها إذا ظلت ثابتة في موقفها دون أي مناورة استراتيجية، إذ أنه من وجهة النظر الاستراتيجية فإن البقاء على حالة وضع السكون في بيئة معقدة سيمكّن القوى المنافسة وقوى التوازن الاستراتيجي الداخلية من دفع الكيان (تركيا) نحو نقطة اللاعودة.

ويظهر في السياق المنافس الآخر وهو إيران التي اندفعت بقوة في المنطقة للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية إلى الحد الذي أصبح فيه من الصعب تطوير تفاهم مع إيران لتهدئة المنطقة. وما لم يكن لدى تركيا القوة لتكون لاعباً مهماً في الصيغة الجيوستراتيجية سيكون من الصعب وضع حدٍ لتأثير توسع المصالح الإيرانية عليها داخلياً وخارجياً. لقد أصبح واضحاً على وجه التحديد أن المصالح الإيرانية تعارض المصالح التركية في المنطقة، ليس في العراق فقط بل في سورية أيضاً. إن الاندفاع الإيراني حافزٌ آخر لتركيا لتصبح جزءا من الصيغة الجيوستراتيجية في المنطقة بدلاً من كونها مراقباً فقط.

وهنا تجدر الملاحظة أنه بالرغم أن إيران واحدة من اللاعبين الرئيسيين إلا أنها هي ذاتها تعاني من التعقيدات في العراق وسوريا بل في المنطقة كلها. لقد اقحمت إيران نفسها في العراق إلى حد كبير ثم اقحمت نفسها في سورية ثم في اليمن، مما يشير إلى أن إيران تغرق الآن في ثلاثة مستنقعات. وفي نفس الوقت تعاني إيران من العقوبات الاقتصادية وإنفاق الكثير من الأموال على مشروعيها النووي والصاروخي اللذان يستهلكان الكثير من دخلها القومي. إذاً، الغرق في ثلاثة مستنقعات مترافقٌ مع عقوبات اقتصادية يشير إلى أنه ليس من السهل على إيران أن تتحمل أربعة أعباءٍ ثقيلةٍ معاً وهي: العراق، وسورية، واليمن، والمشروع النووي. وعلى ذلك فإن إيران معرضة لصعوبات جمة ولفشل في خطتها الجيوستراتيجية في ظل هذه الظروف، أو أنها ستدفع ثمناً باهظاً لتعزيز مصالحاها التي ستهدد جدياً وضعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي. إضافة إلى ذلك، فهناك روسيا التي انغمست في التعقيد في سبتمبر 2015 ولم يكن التدخل الروسي لأسباب سياسية روسية داخلية ولا لأسباب اقتصادية ظاهرة إنما لمصالح جيواستراتيجية بحتة من خلال فرض نفسها في المعادلة الاستراتيجية في الشرق الأوسط وأروبا لتستعيد مجدها السابق ولتعزيز موقفها في أوكرانيا، وبذلك تصبح روسيا عاملا مؤثرا في التموضع الاستراتيجي التركي.

وبالتالي، فأنه من المنظور التركي، فقد تجمعت مجموعة من المخاوف الاستراتيجية الحقيقية منها على سبيل المثال لا الحصر: صدى المواجهات الداخلية السورية عليها، والقلاقل التي قد يسببها النظام السوري في الداخل التركي، ومشكلة اللاجئين السوريين وتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية، وآثار القلاقل في العراق، والاستغلال الإسرائيلي أو الأمريكي لهذا الوضع والضغط عليها، والموقف الأمريكي السلبي والمتمثل بدعمه لأكراد سوريا على الحدود التركية، والمشكلة الكردية الداخلية، والتحالف الروسي الإيراني في سوريا، والتوجه الطائفي الإيراني في المنطقة، وعواقب الانقلاب العسكري الفاشل. وبناء على كل ذلك فان الانخراط التركي في تعقيد البيئة الخارجية قد يكون أصبح حتمية استراتيجية لحمايتها من ارتدادات التدخلات الخارجية، ولإعاقة تقدم الخطر الخارجي نحو الداخل التركي، وللمحافظة على المصالح التركية في المنطقة. علما بأن مثل هذا التوجه يستوجب عليها امتلاك عناصر وأدوات القوة الاستراتيجية قبل انغماسها فيه. وبالرغم من هذا التعقيد إلا أن هناك مجموعة من الفرص التي تستطيع تركيا استغلالها لتشكيل استراتيجيتها.

  بما أن اللاعبين الآخرين هم أنفسهم غير متأكدين من صوابيه خطواتهم القادمة فإن ذلك يعطي تركيا فرصة لموضع قدم مناسب لها، كما أن جميع المناورات والتحالفات والنوايا أصبحت معروفة وبالتالي أضحى فهم اللعبة سهلا. كذلك فإن جميع اللاعبين أصبحوا تحت ظروف التعقيد وعدم اليقين والضعف في التنبؤ ويجدر التنويه إلى أن حدوث تغيرات درامية واردة في ظل هذه الظروف إلا أن أقل المتضررين هو الأكثر جهوزية. وكما أن لإيران أذرع محلية في المنطقة، فإن على تركيا أن تشكل لها أذرعا حتى تستطيع المناورة على الأرض خصوصا أن الموقف التركي من القضية الفلسطينية أوجد لها قبولا في الشارع العربي والإسلامي ممكن أن يسهل تشكيل تحالفات شعبية وسياسي رسمية مع السعودية وقطر وغيرها من الدول.

وبناء عليه فإنه بإمكان تركيا تطوير مبادرة جيواستراتيجية باتجاه الشرق الأوسط وستطرح تركيا هذه المبادرة كلاعب أساسي في المنطقة بدلاً من ترك الملعب للآخرين ليفرضوا استراتيجياتهم ومصالحهم، كما أن ملأ الفراغ سيمنع الآخرين من التدخل لوحدهم في المنطقة، وستحد من التأثير على المصالح التركية، علاوة على ذلك فالمبادرة الجيوستراتيجية ستساعد في تحقيق توازن في العلاقات الإقليمية السياسية، وستوجد حراكا سياسيا بين الحكومات والكيانات الجديدة المتوقعة، وستدعم المكون السني الذي يشكل حجر زاوية في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، مضافا لذلك تطبيق دور أخلاقي وتأدية واجب إسلامي أيضاً.

ملامح المبادرة الجيوستراتيجية التركية المستقبلية

بما أن هناك فراغ استراتيجي في المنطقة فيجب أن تشغل تركيا حيزاً بارزاً فيه، وإلا فإن هذا الفراغ سيملأ تماماً بواسطة لاعبين آخرين، هذا الفراغ لا يجذب القوى الأجنبية العظمى فقط، بل يجذب القوى الناشئة في المنطقة، مثل إيران، وفي نفس الوقت جذب وسيجذب قوى صاعدة أخرى، مثل الصين، وروسيا. أما في حقبة أوباما فقد انكفأت واشنطن عن المنطقة معتمدة على حلفائها لتأدية مصالحها الاستراتيجية المطلوبة. وهم من الدول الأعضاء في الناتو ودورهم الاستراتيجي مقدر تماما من قبل الولايات المتحدة وأروبا، على الرغم مما يبدو من صعوبة الموقف فليس من المستحيل تغيير الوضع الجيوستراتيجي في المنطقة. خاصةً وأن هناك حدٌ لقوة الولايات المتحدة وقدراتها في السيطرة على المتغيرات الاستراتيجية المستقبلية.

إن تغيير الخريطة الجيوستراتيجية يستلزم استيعاباً للحالة الجيوستراتيجية تحديداً حاجات القوى العظمى، ومعرفة بالإمكانات والقدرات الإقليمية وحدودها. وتركيا لديها إمكانيات اقتصادية عظيمة وموارد طبيعية وتمثل أحد ركائز مكونات الأمة الإسلامية وهم (العرب، والترك، والفرس). وعليه فإن تركيا مؤهلة تماماً لتخطو خطوة نحو تبني مبادرة جيواستراتيجية منطقية وجدية.

وفي المقابل فإن العرب وهم الأضعف في السياق الجيوستراتيجي مطالبين بالمثل أيضاً. فمشكلة العرب هي في عدم وجود ممثل لهم متفق عليه مثل الأطراف الأخرى مما يتركهم دون وحدة وفي تفكك، جاعلاً إياهم في موضع هشّ ومن السهل أن يتم التلاعب بهم من قبل القوى الخارجية. في المقابل تواجه الأمة العربية في معظمها عملية تغيير حادة في دولهم بما يسمى بــ “الثورات المضادة” ضد “الربيع العربي” وقد دفعوا ومازالوا يدفعون ثمناً باهظاً لتحقيق التغيير. حيث قتل مئات الألوف منهم وشرد الملايين في عملية التغيير القاسية هذه. إن هذا الوضع يزيد من الضغط على تركيا لتقود التغيرات الجيوستراتيجية في المنطقة حتى تتعافى الأمة العربية (الحليف المستقبلي لها) من نتائج عملية التغيير الحادة هذه.

وهنا ينبغي لتركيا عند التقدم باتجاه المبادرة الجيوستراتيجية المستقبلية ملاحظة بعض المحددات والتي من ضمنها على سبيل المثال لا الحصر: الاستقرار الداخلي التركي من ناحية التماسك الاجتماعي والوضع الاقتصادي اللائق والاستقرار السياسي. طبعاً إن الاستقرار لا يعني صفراً من المشاكل، لكن الاستقرار يعني أن المشاكل تتجه نحو حدها الأدنى، أو أنها عند درجة معقولة تجعل التحرك نحو مبادرة جيواستراتيجية ممكنا. بالإضافة إلى ذلك فإن هذه المبادرة تتطلب دعماً من الشعب التركي مع تطوير عوامل داخلية مهمة مثل بلورة رؤية جيوسياسية محلية للانتقال نحو الاستراتيجية الإقليمية. إن التركيز على الأولويات الداخلية يجب أن يظل مستمراً للحفاظ على الازدهار الداخلي حياً. كما يجب الانتباه إلى عدم الانزلاق نحو التشتت وفقد التركيز والتوجه نحو معالجات سطحية في إدارة الأزمات في دول الجوار وتجاهل الأسباب الحقيقية وعدم تقديم الحلول الجذرية. وعلى هذا الأساس يمكن لتركيا أن تستفيد من عدة معطيات في صياغة وتصميم مبادرتها الاستراتيجية مثل:

  • السنة في العراق وهم الجزء الأضعف فيه لكنهم يمثلون حجر الزاوية في العراق فما من حل دائم يمكن أن يصمد دون موافقتهم.
  • جزء – معتبر -من الأكراد شمال العراق الساعين إلى إنشاء الدولة الكردية يرغبون في إقامة علاقات جيدة مع تركيا، على الرغم من وجود حزب العمال الكردستاني.
  • الحركة الإسلامية المعتدلة التي أثبتت أنها متجذرة في العالم العربي، وقد فازت في العديد من الانتخابات كما حدث في تونس، ومصر، والمغرب. وهم لاعبون رئيسيون في اليمن، وليبيا، والسودان، والكويت.
  • جزء كبير من الشعب العربي يدعم الموقف التركي وخاصة أردوغان الذي يتمتع بشعبية كبيرة، ليس فقط في العالم العربي فحسب بل في الأمة الإسلامية أيضاً.
  • معظم أطياف المعارضة السورية الذين أثبتوا مقدرتهم على الوقوف وتحدي النظام السوري على الرغم من الدعم الروسي والإيراني
  • العديد من علماء المسلمين الذين يمثلون كيانات إسلامية عديدة ومرجعيات دينية ذات وزن وثقل ومصداقية.

إن المبادرة الجيوستراتيجية المقترحة ضرورية لتركيا للوصول إلى نقطة التكافؤ الجيوستراتيجي مع اللاعبين الإقليميين. بعد الوصول إلى نقطة التكافؤ هذه يمكن تطوير فهم إقليمي مشترك بهدف تجنب مواجهة استراتيجية والاستفادة العادلة من الفرص الاستراتيجية المتاحة. ثم بعد ذلك التقدم نحو مرحلة الإدارة التكاملية للمصالح الاستراتيجية حيث يتمكن اللاعبون الإقليميون من إدارة مصالحه استراتيجية لوحدهم، وبعد ذلك الوصول إلى نقطة تكافؤ أخرى ولكن هذا التكافؤ سيكون مع اللاعبين الدوليين، لكي يستطيعوا تطوير مبادرات جيواستراتيجية إقليمية ودولية متماسكة.

بالرغم من الوضع الحالي بالغ التعقيد، إلا أن تركيا مع تحالفاتها المستقبلية ما تزال قادرة على لعب دورٍ مهم في تشكيل هذه النقلة الجيوستراتيجية وتحقيق الأهداف والنتائج اللازمة، آخذين بعين الاعتبار أنه وعند تنفيذ المقاربة الاستراتيجية قد لا تتناسب المخرجات مع المدخلات بسبب النمط غير الخطي للحالة المعقدة. لذلك على تركيا أن تكون مستعدة لتكيفٍ سريعٍ مع أية تطورات خلال هذه العملية لمواجهة الحالات المعقدة بطريقة مرنة وليست جامدة.

الخلاصة

يشهد الوضع العام في منطقة الشرق الأوسط تغيرات جيواستراتيجية عميقة نتيجة للربيع العربي وارتداداته في المنطقة، ونتيجة للتورط الإيراني الطائفي، والتدخل الروسي، والانكفاء الأمريكي عن المنطقة، وتعكس هذه الدينامية العالية تغيرات استراتيجية حقيقية على تركيا بشكل خاص.

كما تتعرض منطقة الشرق الأوسط لحالة من الاضطرابات والتعقيدات حيث تتدخل بها القوى العظمى ليس في سياساتها الإقليمية فحسب بل حتى في سياستها الداخلية. وبالرغم من ذلك فإن للقدرات الأمريكية والقوى الكبرى الأخرى حدودا لا تستطيع تجاوزها، مما يفسح المجال لطرح مبادرة جيواستراتيجية على مستوى المنطقة.  وبما أن تركيا حققت مستويات اقتصادية مميزة وتحاول جاهدة للوصول إلى استقرار سياسي داخلي، ووقفت بجانب الشعوب العربية، ولا تضع عقبات في وجه التعامل مع الحركات الإسلامية المعتدلة الجادة أو ما يسمى بالإسلام السياسي فإنها مؤهلة للتقدم بمبادرة استراتيجية للمحافظة على مصالحها الاستراتيجية ولتقود المنطقة نحو التوازن والاستقرار. وهذا يستلزم من تركيا تبني استراتيجية متطورة ومدروسة بشكل جيد من أجل تأمين مصالحها الاستراتيجية الخارجية، وتأمين حدودها، ولتكون جزءا معتبرا من أي معادلة استراتيجية تتشكل في المنطقة.

 

The Changing process in the Middle East A Strategic Implementation Perspective An Initiative for a Leading Team

No doubt that the Middle East Arab countries are witnessing not only substantial changes but revolutionary ones after high oppression levels, poverty, exclusion of others, and the security-based regimes that have made winds of change inevitable. The changing process in the region is not separated from the surroundings and its external context. No doubt that the neighboring countries are being and are going to be influenced directly. It is very essential for the actors interested in the region to develop appropriate polices and strategies in order to maintain not only the stability in the region but also their strategic interests in this region. Furthermore, it is their duty to participate in spreading freedom and dignity after decades of oppression and humiliation. The changing process In the Middle East needs to be honestly guided to achieve its Noble goals. The paper sheds the light on an initiative for a leading team. Continue reading The Changing process in the Middle East A Strategic Implementation Perspective An Initiative for a Leading Team

Analyzing Iraq’s complexity from Turkey’s strategic perspective

Turkey is playing a strategic role in the Middle East due to many factors. Historically, the Ottoman Empire was controlling most of what is now called Middle East countries and many other Islamic countries which created long and strong relationship with Turkey. Geographically, Turkey occupies a strategic position between Europe and Asia. It is the ceiling of the Arab countries from the north. Its coasts are extended from the black sea to the Mediterranean Sea. Moreover it has long boarders with Iraq and Iran. Therefore, Turkey is very well qualified to play a strategic role in the Area.

This paper provides a strategic analysis to the Iraqi complexity from the Turkish perspective.

http://goo.gl/lHWoQm Continue reading Analyzing Iraq’s complexity from Turkey’s strategic perspective