مآلات تقويض المؤسساتية الأمريكية Purposes of undermining the American institutionalism

لتحميل التحليل يرجى الرجوع إلى الرابط التالي

https://goo.gl/6kdMbz

ملخص

جاء ترمب من خارج دائرة المجمع الصناعي، ولا يحمل أجندة ولا عقلية حزبية، ولا يتبنى دبلوماسية بعينها ولا أفكارَ النخبة، ولا ينقصه المال؛ ولذا فهو رجل سيتصرف بعيدا عن كل الأطر الأربعة المؤثرة تاريخيا في توجهات ومواقف الإدارة الأميركية، وهذا يجعل التنبؤ بأفعاله حاليا صعبا إلى حد ما.  لقد سار ترمب بتصرفاته الغريبة وغير المسبوقة في درب تهشيم المؤسساتية الأميركية، التي ميزت أميركا طوال السنين الماضية وأصبحت بها مثلا على الدولة المستقرة التي تحكمها المؤسسات، ولا يستطيع أي رئيس العبث بمقدراتها أو توجهاتها الاستراتيجية إلا بموافقة المؤسساتية.

تعيش الولايات المتحدة اليوم مشهدا فريدا من نوعه في تاريخها السياسي تحت حكم دونالد ترمب؛ فهو يعدّ نموذجا مختلفا عن الرؤساء الأميركيين السابقين حيث يقوم بإقالة كبار المسئولين بطريقة مهينة ولا ينصاع للمستشارين. هكذا بدأ ترمب في تصرفات وإجراءات لا تليق برئيس دولة عظمى، تقوم إدارتها على العمل المؤسسي المنضبط، واتباع بروتوكولات عالمية في العمل الدبلوماسي الداخلي والخارجي. والسؤال المطروح هنا هو: لمصلحة من تحطيم وانهيار المؤسساتية الأميركية؟ وماذا يراد من ذلك؟ ومن هو المستفيد؟

المؤسساتية في عهد جورج بوش الابن

في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن ومعه مجموعة الصقور من المحافظين الجدد أمثال: ديك شيني ورامسفيلد، قدمت وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) بقيادة جورج تنت أدلة غير دقيقة، بل مزيفة عن سلاح الدمار الشامل في العراق، وذلك كمبرر لغزوه عام 2003، ونفذ الجيش الأمريكي عملية غزو العراق في ثاني أكبر عملية عسكرية في الشرق الأوسط بعد عملية تحرير الكويت.

وفي مايو 2005 رفضت مجموعة الصقور العرض المقدم من إيران عن طريق السفير السويسري في طهران حيث تتعهد إيران بتحويل حزب الله إلى حزب سياسي، وبوقف أي مساعدات مادية لفصائل المعارضة الفلسطينية مثل حماس والجهاد وغيرها، وأن تضغط على هذه الفصائل لوقف عمليات العنف ضد المدنيين في حدود مناطق 1967 [1]. وقد حافظ المحافظون الجدد على عدائهم لإيران ومهدوا لتوجيه ضربة لها عام 2007 حيث قال جورج بوش في كتابه “نقاط القرار” أنه وجه البنتاغون لدراسة متطلبات توجيه ضربة لإيران لوقف أو على الأقل تعطيل القنبلة النووية الإيرانية[2]. استمرت مجموعة المحافظين الجدد بقيادة ديك شيني بالتحريض ضد إيران وبضرورة توجيه ضربة لها. ومن الملاحظ أن موقف المؤسسات الأمريكية وعلى رأسها البنتاغون ووكالة الاستخبارات الأمريكية كان من أشد المعرضين لذلك، بعكس ما كان عليه الموقف عام 2003 حيث دعم كلا من وكالة الاستخبارات والجيش الأمريكي عملية غزو العراق.

فقد كتب مراسل مجلة “تايم” جو كلاين في مايو 2007 كيف رفض بوش الحرب مع إيران بعد زيارته للبنتاغون، حيث كان وزير دفاعه المتشدد دون رامسفيلد يخرج من الإدارة. وقال جو كلاين أن بوش اجتمع برؤساء الأركان المشتركة في البنتاغون وسأل بوش عن حكمة “زيادة” القوات في العراق، فعارضوا بالإجماع. ثم سأل بوش عن إمكانية هجوم ناجح على قدرة إيران النووية. وقيل له إن الولايات المتحدة يمكن أن تشن هجومًا جويًا مدمرًا على الحكومة والجيش الإيرانيين، مما يقضي على سلاح الجو الإيراني، ومركز القيادة والسيطرة وبعض المنشآت النووية، لكن الرؤساء – مرة أخرى – وبالإجماع عارضوا هذا التوجه، ومن الواضح أن بوش قد أخذ بهذه النصيحة بعد هذا الاجتماع وذهب إلى الخطة ( باء ) -وهي حملة سرية لزعزعة الاستقرار في إيران[3].

لم يكن هذا الموقف المعارض للحرب من وكالة الاستخبارات بقيادة مايكل هيدن[4]، والأدميرال ويليام فالون قائد القيادة المركزية للجيش الأمريكي الذي عارض الحرب وتسبب ذلك في إقالته[5]، ووزير الدفاع روبرت غيتس، بل أيضا عارضته كونداليزا رايس وزيرة الخارجية (2005-2009) التي أيدت مع وزير الدفاع فرض العقوبات على أيران تمهيدا لعزلها[6].

لقد أوقفت المؤسساتية الأمريكية متمثلة بوكالة الاستخبارات وقيادة الجيش ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية اندفاع المحافظين الجدد بزعامة ديك شيني، وأقنعوا الرئيس بعدم شن ضربة عسكرية ضد إيران، واكتفت الإدارة الأمريكية بفرض العقوبات ضد إيران من أجل زيادة عزلتها العالمية.

الخلفية السياسية للرئيس رونالد ترمب

أما اليوم، فإن الولايات المتحدة تعيش مشهدا فريدا من نوعه في تاريخها السياسي تحت حكم دونالد ترمب.

فالرئيس ترمب يعدّ نموذجا مختلفا عن الرؤساء الأمريكيين السابقين من عدة جوانب منها:

 أولا: لم يأتِ من المُجمَّع الصناعي الذي ما فتئ يؤّثر بالسياسة الأمريكية، وهذا المجمع يشمل بشكل رئيسي قطاعي السلاح والنفط. بينما جاء ترمب من قطاع العقارات والفنادق والترفيه وبالتالي فإن ترمب لا ينتمي إلى هذا المجمع المؤثر تاريخيا في الإدارة الأمريكية، ولا يحمل همومهم ولا أطماعهم، وهم كذلك لا يؤثرون عليه ولا يحمل فكرهم أو توجهاتهم.

ثانيا: الرئيس ترمب لا ينتمي إلى النخبة التقليدية الأمريكية فهو لم يكن يوما حاكما لولاية أو عضوا في الكونغرس أو مجلس الشيوخ وبالتالي لا ينتمي إلى هذه الفئة المؤثرة أيضا، ولا يحمل توجهاتها ولا همومها. ثالثا: لا يعد ترمب عضوا أصيلا في الحزب الجمهوري بل وجد في هذا الحزب وسيلة للوصول للحكم فتبنى النهج المتطرف ليكسب الفئة الغالبة من الأمريكيين العاملين، وبالتالي فهو لا يحمل أجندة ولا توجهات ولا أفكار الحزب الجمهوري، فهو خارج التغطية الحزبية.

 رابعا: ترمب ليس رجلا عاديا يبحث عن وظيفة مرموقة، بل هو رجل أعمال وملياردير ولا تنقصه الأموال إذا ترمب خارج دائرة المجمع الصناعي، ولا يحمل أجنة ولا عقلية حزبية، ولا يتبنى ديبلوماسية بعينها ولا أفكارَ النخبة، ولا ينقصه المال. إذا فهو رجل سيتصرف بعيدا عن كل الأطر الأربعة وهذا يجعل التنبؤ بأفعاله حاليا صعبة إلى حد ما[7].

لقد طرح ترمب شعارات تتناسب مع آلام ومعاناة طبقة البيض الوسطى، ودغدغ مشاعرهم واستفز غضبهم وخوفهم من فقدان الوظائف، فطرح طرد المهاجرين والمسلمين والملونين وذوي الأصول الإسبانية وبناء السور بين الولايات المتحدة والمكسيك. وبالتالي تحول الى رجل شعبي (populist) ويبدو أن الشعبوية (populism) في أمريكا لها طريق مختلف فقد استطاع ترمب أن يشق طريقه فيها من خلال إيقاظ العنصرية البيضاء.

وبالتالي أصبح ترمب متحصنا بالعنصرية للعرق الأبيض، ومتمردا على الطبقة النخبوية الحاكمة التقليدية المنتفعة فهو ليس منهم ولم يكن يوما منهم، وبالتالي فيمكن وصفه بأنه رئيس متمرد بامتياز. فهو متمرد على الطبقة النخبوية التقليدية الحاكمة، ومتمرد على المجمع الصناعي المتنفذ والحاكم في الولايات المتحدة، ومتمرد على الحزب الجمهوري. وبدا من الصعوبة لي ذراعه فهو جاء ولأول مرة في تاريخ أمريكا من خارج الصندوق التقليدي.

تقويض المؤسساتية في عهد ترمب

لكن الأصعب من ذلك أن ترمب سار في درب تهشيم المؤسساتية الأمريكية التي ميزت أمريكا طوال السنين الماضية وأصبحت مثلا على الدولة المستقرة التي تحكمها المؤسسات ولا يستطيع أي رئيس العبث في مقدراتها أو توجهاتها الاستراتيجية إلا بموافقة المؤسساتية. فها هو يفك عرى الاستراتيجية الأمريكية التاريخية من خلال طرح شعار أمريكا أولا، فيخلخل التحالف مع أوربا وحلف الناتو ويطالب حلفاءه بدفع مستحقاتهم وخصوصا ألمانيا، وينسحب من اتفاقية كيوتو، ويريد أن يراجع الاتفاقيات السابقة كاتفاقية التجارة الدولية، واتفاقية النافتا مع كندا والمكسيك، ويشن حربا تجارية مع الصين، ويتصرف لوحده بعيدا عن مشاورات المؤسسات الأمريكية وشعاره اتبعوني وبرروا لي ما أفعل.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، فبدأ بإقالة كبار الوزراء والمسئولين بطريقة مهينة غير معهودة لا في الولايات المتحدة ولا في غيرها من الدول. حيث فصل كبار المسئولين بتغريدات على تويتر كما فعل مع رئيس الـ FBI  مكابي ثم الرئيس الذي تلاه جيمس كومي، وفصل وزير الخارجية ريكس تيلرسون بتغريده على تويتر، ومن قبله المدعية العامة بالنيابة سالي ياتس، ومستشار الأمن القومي مايكل فلين، وفصل برييت بهارارا المدعي السابق لمنطقة نيويورك الجنوبية، وفصل 45 مدعيا كان قد عينهم الرئيس الأسبق أوباما، وفصل مستشاره الاستراتيجي ستيفن بانون، وكذلك أقال ماك ماستر مستشار الأمن القومي، وأعلن عن نقل رئيس المخابرات المركزية إلى موقع وزير الخارجية، واستقال أكثر من اثني عشر مسئولا[8]، وهكذا بدأ بتصرفات وإجراءات لا تليق برئيس دولة عظمى تقوم على العمل المؤسسي المنضبط ويتبع بروتوكولات عالميا في العمل الدبلوماسي الداخلي والخارجي.

وبالرغم من الفضائح التي تلاحق ترمب، سواء المتعلقة بالعلاقات النسائية، أو التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، أو تعين أقربائه كمستشارين واستغلالهم لنفوذهم في تحقيق مكاسب شخصية لأعمالهم الخاصة. مع كل هذا لم يتوقف عن مسلكه الغريب في العمل السياسي، بل لا يعبأ بأصوليات العمل وأدبياته المتعارف عليها، بل اتهم وزارة الخارجية والعدل والـ FBI بقول الأكاذيب، وكأنه يهشم هيبة هذه المؤسسات العريقة.

والسؤال هنا لمصلحة من تحطيم وانهيار المؤسساتية الأمريكية؟ وماذا يراد من ذلك؟ ومن هو المستفيد؟

وهنا تبرز عدة مآلات ومقاصد من تهشيم المؤسساتية في أمريكا، ولعل من أهمها أن يكون القصد هو التخلص من كل من يخالف ترمب ولا ينسجم معه من أجل تشكيل فريق منسجم تماما مع ما يريده ترمب وبالتالي يقود الولايات المتحدة بعقلية المنفرد المتسلط وتتحول الولايات المتحدة إلى شكل من أشكال الديكتاتورية، وإنهاء صورة أمريكا الدولة القائدة للعالم وإنهائها كقطب أساس في السيطرة والتحكم بالقرار الدولي ومصائر الدول.

وقد يكون المقصد هو تهشيم الدولة الأمريكية على فلسفة المليشيات العنصرية البيضاء التي لا تؤمن بوجود الدولة المؤسسية أصلا، وبالتالي إغراق الولايات المتحدة في نزاعات ميلشياتيه مسلحة ضد الملونين والسود وأهل الأديان الأخرى، ومن ثم انتهاء الولايات المتحدة الأمريكية كدولة عظمى.

وقد يكون المراد هو تنفيذ عمل ضخم في الساحة الدولية لا يمكن أن يتم إلا بتحطيم المؤسساتية مما يعني إفراغ هذه المؤسسات من العقلانية (Rationality)، حتى لا تقف عائقا أمام تنفيذ مثل هذا الحدث الكبير كما تم في عام 2007 عندما وقفت المؤسسات كوزارة الدفاع ووكالة المخابرات المركزية ووزارة الخارجية ضد توجيه ضربة عسكرية لإيران. ويبرز هنا تساؤلان:

 أولا: أين سيكون هذا الحدث؟ هل هو في منطقة الشرق الأوسط شاملة على إيران وتركيا وسوريا؟

والسؤال الثاني: لمصلحة من سيكون هذا الحدث الكبير؟ ولماذا لن يُتخذ إلا إذا فقدت المؤسساتية الأمريكية رشدها وعقلانيتها !!! أي تحولها إلى دولة غير مسئولة؟

إن المآلات الثلاثة كلها تنتهي بتحول الولايات المتحدة الأمريكية إلى دولة ديكتاتورية أو غير عقلانية أو التخلص منها كدولة عظمى، وهذا مما يثير الشك في عمق المقصد ومن هي الجهة التي يعنيها هذا المآل خصوصا إذا كان المقصد هو تنفيذ عمل كبير يحتاج إلى فقد العقلانية والحكمة. وما مصير ترمب عند تحقيق هذا المأرب، هل التخلص منه أم مكافأته. وهل ستتغير مجريات الأحداث العالمية عندما تفقد الولايات المتحدة مكانتها العالمية المهيمنة وتحولها لدولة عادية أو تنقسم إلى عشرات الدول؟ وهل سيكون عندئذ مصطلح الحكومة الخفية حقيقة[9] واقعية؟

[1] Fagernes, T. (2011). Persia Lost: How the Foreign Policy Hawks of the George W. Bush Administration Blocked Rapprochement with Iran (Master’s thesis). Retrieved from https://www.duo.uio.no/bitstream/handle/10852/26220/Fagernes-Thesis.pdf?sequence=1

[2] MacAskill, E., & McGreal, C. (2010, November 8). George Bush’s memoirs reveal how he considered attacks on Iran and Syria. The Guardian. Retrieved from https://www.theguardian.com/world/2010/nov/08/george-bush-memoir-decision-points

[3] Weinstein, Adam. “Remember When Bush and Cheney Fought Over Bombing Iran?.” FORTRESSAMERICA, 8 Apr. 2015, fortressamerica.gawker.com/remember-when-bush-and-cheney-fought-over-bombing-iran-1699232707. Accessed 24 Mar. 2018.

[4] Rogin, Josh. “Bush’s CIA director: We determined attacking Iran was a bad idea.” Foreign Policy, 19 Jan. 2012, https://goo.gl/58wN72. Accessed 25 Mar. 2018.

[5] Barnett, Thomas. “The Man Between War and Peace.” http://www.esquire.com, 23 June 2010, https://www.esquire.com/news-politics/a4284/fox-fallon/. Accessed 26 Mar. 2018.

[6] Shipman, Tim. “Will President Bush bomb Iran?” The Telegraph, 20 Sept. 2007, https://www.telegraph.co.uk/news/worldnews/1561974/Will-President-Bush-bomb-Iran.html. Accessed 25 Mar. 2018.

[7] Shadid, W. (2017, February 19). “متى تتضح استراتيجية ترامب و”شلته”. In Arabi21.com. Retrieved from https://goo.gl/UyDr5Q

[8] Berke, Jeremy. “McMaster is out — here are all the casualties of the Trump administration so far.” Business Insider, 22 Mar. 2018, https://goo.gl/jL72fi. Accessed 25 Mar. 2018.

[9] “ماذا تعني “حكومة العالم الخفية”؟.” http://www.aljazeera.net, https://goo.gl/ueWunx. Accessed 26 Mar. 2018.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s