متى تتضح استراتيجية ترمب وشلته؟

د. وائــل شـديـد

استراتيجي وباحث

18 فبراير 2017

منشورة على موقع عربي 21   arabi21.com

متى تتضح استراتيجية ترمب وشلته؟ 

منذ انتخاب الرئيس الأمريكي ترمب، وهو يشغل الأخبار بتصريحاته وتغريداته، أو بتعليقات فريقه المثيرة للجدل؛ من حظر السفر على سبع دول إسلامية إلى موقفهم من العملة الأوربية “اليورو” إلى موقفهم السلبي من الاتحاد الأوروبي. ابتداء فإن الرئيس ترمب يعدّ نموذجا مختلفا عن الرؤساء الأمريكيين السابقين من عدة جوانب نذكر منها أولا: أنه لم يأتي من المجمع الصناعي الذي ما فتئ يؤّثر بالسياسة الأمريكية، وهذا المجمع يشمل بشكل رئيسي قطاعي السلاح والنفط. بينما جاء ترمب من قطاع العقارات والفنادق والترفيه وبالتالي فإن ترمب لا ينتمي إلى هذا المجمع المؤثر تاريخيا في الإدارة الأمريكية، ولا يحمل همومهم ولا أطماعهم، وهم كذلك لا يؤثرون عليه ولا يحمل فكرهم أو توجهاتهم. ثانيا: الرئيس ترمب لا ينتمي إلى النخبة التقليدية الأمريكية فهو لم يكن يوما حاكما لولاية أو عضوا في الكونغرس أو مجلس الشيوخ وبالتالي لا ينتمي إلى هذه الفئة المؤثرة أيضا ولا يحمل توجهاتها ولا همومها. ثالثا: لا يعد ترامب عضوا أصيلا في الحزب الجمهوري بل وجد في هذا الحزب وسيلة للوصول للحكم فتبنى النهج المتطرف ليكسب الفئة الغالبة من الأمريكيين العاملين، وبالتالي فهو لا يحمل أجندة ولا توجهات ولا أفكار الحزب الجمهوري، أي أنه خارج التغطية الحزبية. رابعا: ترمب ليس رجلا عاديا يبحث عن وظيفة مرموقة بل هو رجل أعمال وملياردير ولا تنقصه الأموال ولا راتب الرئيس الأمريكي. إذا فترمب خارج كل الحسابات الأربعة المذكورة فهو خارج دائرة المجمع الصناعي، ولا يحمل أجنة ولا عقلية حزبية، ولا يتبنى ديبلوماسية بعينها، ولا أفكارَ النخبة، ولا ينقصه المال. إذا فهو رجل سيتصرف بعيدا عن كل الأطر الأربعة وهذا يجعل التنبؤ بأفعاله حاليا صعبة إلى حد ما. وعليه فإنه يمكن وصف الرئيس ترمب بأنه:

  • رئيس متمرد بامتياز. فهو متمرد على الطبقة النخبوية التقليدية الحاكمة، ومتمرد على المجمع الصناعي المتنفذ والحاكم في الولايات المتحدة، ومتمرد على الحزب الجمهوري، ومتمرد على النخبة السياسية التي لا ينتمي إليها.
  • يصعب التنبؤ بما سيفعله إذ من الصعوبة ليّ ذراعه فهو جاء من خارج الصندوق التقليدي سواء النخبة الحاكمة أو المجمع الصناعي
  • شعبي عنصري خاطب الشعب الأمريكي الأبيض باللغة التي يفهمها فقد كان في كل خطاباته عفويا وصريحا ويذهب إلى الموضوع مباشرة بدون أي اعتبارات ديبلوماسية أو تحفظات – بريستيج -أو اعتبار لأي بروتوكولات، كما استطاع أن يتملص من كل الفضائح بالطريقة الشعبية التي تفهمها هذه الطبقة.

وقد أثبت ترمب أهمية الطبقة الوسطى في حسم الأمور إذا ما تم مخاطبتها بالطريقة الصحيحة. وطرح شعارات تتناسب مع آلام ومعاناة طبقة البيض الوسطى ودغدغ مشاعرهم واستفز غضبهم وخوفهم من فقدان الوظائف فطرح طرد المهاجرين والمسلمين والملونين وذوي الأصول الإسبانية. وبالتالي تحول إلى رجل شعبي (populist) والغريب أن هموم هذه الطبقة -الأصل فيها -أن تُستقطب من قبل اليسار وليس من قبل اليمين المتطرف. لكن يبدو أن الشعبوية (populism) في أمريكا لها طريق مختلف استطاع ترامب أن يشق طريقه فيه ويكسب هذه الفئة بعد أن أيقظها بطريقته العنصرية.

ومن الملفت أن اختيار فريقه لم يتم بمشورة حزبه كما هي العادة ولا مشورة المجمع الصناعي ولا النخبة بل كانت تبدو بمشورة عائلته من ابنته وابنه وصهره والعديد من المقابلات تمت في برج ترامب. ومن الملفت أنه بالرغم من أن هناك صفات مشتركة بين من تم تعيينهم إلى الآن إلا أن هناك بعض الاختلافات في الرؤى بينهم. فهناك مجموعة منهم من رجال الأعمال وأصحاب الملايين والمليارات مثل وزير الخارجية والمستشار الاستراتيجي ووزيرة التربية ووزير الطاقة. والعديد منهم من العنصرين البيض والمحافظين المتشددين.

فمايكل بانون مواليد 1953 المستشار الاستراتيجي لترمب من رجال الأعمال وعسكري سابق، دعا لحريبين كبيرتين إحداهما: مع الصين والثانية: في الشرق الأوسط، وهو معادي للإسلام وللمهاجرين، بينما ترمب أكد قبل أيام دعمه لصين واحدة!! في حين أن وزير الأمن القومي الجنرال فلين المستقيل يعدّ الإسلام والإسلاميين الراديكاليين عدوا استراتيجيا. على أية حال فقد استقال من منصبه بسبب اتصالاته مع الروس. في حين أن وزير الدفاع الجنرال جيمس ماتيس المولود عام 1950 يعدّ إيران عدوا رئيسيا باعتبارها داعمة للإرهاب ويعتبرها أخطر من تنظيم الدولة الإسلامية، ويقال إنه يؤيد حل الدولتين ولا يؤيد الاستيطان. أما وزير الطاقة جيمس بيري المولود عام 1950، فهو من المحافظين ومدعوم من حزب الشاي، وضد الإجهاض وزاوج المثليين، ومؤيد لصناعة النفط والغاز، وضد الاتفاقية النووية مع إيران.

ويشارك مايك بومبيو مواليد 1963 كرئيس لوكالة الاستخبارات الأمريكية وهو عضو في حزب الشاي اليميني المحافظ، ويؤيد برامج المراقبة ويعارض إغلاق سجن غوانتنامو، ومعارض للاتفاقية مع إيران، ورجل أعمال.  بينما وزير الخارجية تيليرسون من مواليد 1952 فهو رجل أعمال والمدير التنفيذي السابق لشركة النفط العالمية اكسون موبيل، وليس لديه خبرة سابقة في العمل السياسي، وله علاقة مميزة مع الرئيس الروسي بوتن وغير مؤيد لمقاطعة روسيا.

والسؤال هنا كيف ستكون استراتيجية ترمب وفريقه؟ من الملاحظ أن الفريق المُعتمد حاليا يحتاج إلى عدة أمور منها: أنه نفسه بحاجة إلى أن يتكيف مع نفسه حتى يستطيع أن يرسم معالم استراتيجيته القادمة وهذا بالتأكيد سيستغرق بضعة أشهر، حتى يستطيع الفريق تحقيق وفاق معقول بينهم. كما أن الفريق يحتاج إلى أن يتلاءم مع المؤسسات الأمريكية الرئيسية ذات العلاقة برسم الاستراتيجية الأمريكية العليا وهذا سيُدخل الفريق في صراع مع بعض هذه المؤسسات، فإما أن يتناغموا كليا أو جزئيا، أو قد يختلفوا وتبدأ المشادات بينهم.  وبالتالي فإن استراتيجية ترمب وفريقه ستأخذ عدة أشهر حتى تظهر ملامحها وتستبين خطوطها الرئيسية حتى يمكن التعامل معها تنبؤا وتوقعا لمسارات الأحداث القادمة. وعموما هل ستكون هذه الاستراتيجية المفترضة هي الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة أم أنها ستتنافر مع الأطر المؤسسية الأمريكية العريقة وتصبح عندها استراتيجية ترمب وشلّته؟

 

Advertisements