الاستراتيجية التركية المستقبلية تجاه الشرق الأوسط

د. وائــل شــديد

استراتيجي وباحث

8 فبراير 2017

منشورة على موقع اكاديميةعلى الرابط التالي:لمزيد من التفاصيل 

https://goo.gl/r0MjKS

 

الاستراتيجية التركية المستقبلية تجاه الشرق الأوسط

مقدمة

لقد وجدت تركيا نفسها منخرطة في الأحداث الجيوستراتيجية في الشرق الأوسط، سواء رغبت بذلك أم لا. تاريخيا كان معظم ما يسمى الآن بدول الشرق الأوسط وعدة دول إسلامية أخرى تحت حكم الإمبراطورية العثمانية، مما أوجد علاقات طويلة وواسعة مع تركيا. وجغرافيا تحتل تركيا موقعاً استراتيجياً بين أوروبا وآسيا، فهي سقف الدول العربية من الشمال، وسواحلها تمتد من البحر الأسود إلى البحر المتوسط. كما أن لها حدودا طويلة مع دول غير مستقرة مثل سوريا والعراق التي تشهد كلتيهما حالة من الفوضى والتعقيد الداخلي. إن هذه الفوضى تؤثر على تركيا كأمر حتمي لا مفر منه. ومن جهة أخرى لدى تركيا حدود مع إيران التي هي اللاعب الجيوستراتيجي الإقليمي الفعال في المنطقة وتحاول أن ترسخ مصالحها الاستراتيجية عبر تدخل علني لتفرض نفسها كجزء من المعادلة الجيوستراتيجية في الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك ليس لدى تركيا أي خيار سوى أن تنخرط بنفسها في الصيغة الجيوستراتيجية من أجل تحقيق مصالحها الاستراتيجية ولتأمين حدودها ولمنع أي تقدم متنام تجاه الداخل التركي. في خضم هذا الفراغ الاستراتيجي في المنطقة تبدو تركيا على أنها اللاعب الجيوستراتيجي الواعد والمؤهل جيداً للعب دورا جيوستراتيجيا في المنطقة.

وتلقي هذه الورقة من خلال أسلوب وصفي وتحليلي الضوء على السياق الجيوستراتيجي في الشرق الأوسط وعلى اللاعبين الإقليميين والدوليين، وتقترح ملامح لمبادرة استراتيجية تركية مستقبلية تجاه الشرق الأوسط.

السياق الاستراتيجي في الشرق الأوسط

يشمل الشرق الأوسط الدول العربية وتركيا وإيران. ويشهد هذا الجزء من العالم اضطرابا وتعقيداً ودينامية عالية جداً. حيث تمر الدول العربية في الشرق الأوسط بتغيرات ثورية حقيقية بسبب الربيع العربي والثورات المضادة له. حيث أصبح عدم الاستقرار وعدم اليقين والفوضى والاضطراب هي السمة العامة للدول العربية التي شهدت الربيع العربي مثل: مصر، واليمن، وسوريا، وليبيا، والعراق من قبلها. أيضاً هناك تفاعلات القضية الفلسطينية والتي هي رمز للصراع العربي – الإسرائيلي. بالإضافة إلى تشكّل بعض التنظيمات الإسلامية المتطرفة في ظل هذه الفوضى، مثل داعش التي برزت كوحش دولي، هذا الوحش استدعى مجدداً الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها وروسيا إلى المنطقة لوضع حد لتوسع داعش.

يحيط بتركيا من الجنوب والشرق سوريا والعراق وإيران. وكل دولة منها لديها اعتباراتها الجيوستراتيجية الخاصة بها. فكلا من سوريا والعراق في حالة عدم استقرار واضطراب هائل. حيث تشهد سوريا صراعاً داخلياً معقداً بين النظام مدعوماً من إيران وروسيا، ومقاتلو المعارضة المدعومين إلى حد ما من بعض الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية وقطر. وتدخلت الولايات المتحدة في الصراع السوري من خلال الحفاظ على التوازن بين الجانبين والأخذ بعين الاعتبار المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، ونزلت روسيا على الأرض السورية لدوافع جيواستراتيجية لتعزز موقعها المضاد للغرب. وبالتالي أضحت المشكلة السورية تعكس الصراع الدائر بين اللاعبين الخارجين أكثر مما تعكس الصراع الدائر بين اللاعبين المحليين.

أما في العراق فالوضع في تعقيد آخر يعكس الصراع بين الشيعة المدعومين من إيران، والأكراد المدعومين من الولايات المتحدة، والسنة وهم بدون أي دعم خارجي. وبهذا يبقي أهل السنة الجزء الأضعف في العراق، وفي نفس الوقت هم الجزء الأكثر أهمية إذا ما أريد تحقيق الاستقرار هناك. لكن الدور السني قُلِّصَ ولا يتم تمثيله كما ينبغي بما يتناسب مع الموارد الكامنة لديهم، وهم كذلك لا يستفيدوا من مواردهم وإمكاناتهم إلى الحد الأقصى، وغير مدعومين ومؤيدين خارجياً مثل الشيعة أو الأكراد، ويعانون من خلافات داخلية، وغير قادرين على ملائمة أنفسهم في موضع استراتيجي يعكس حجمهم الحقيقي، بالرغم من أنهم هم أصحاب الثورة الحقيقيين ضد الاحتلال الأمريكي وقد دفعوا الثمن وقدموا التضحيات لهذه المقاومة.

لقد وصل الشيعة إلى ذروتهم القصوى من خلال حكم العراق بواسطة الدعم الكبير من إيران وبموافقة أميركية. فحشدوا كل مواردهم واستفادوا من كل إمكانياتهم ووصلوا إلى سقفهم الأعلى والذي يبقى أقل مما هو مطلوب للسيطرة على العراق كله. فإمكانياتهم القصوى غير كافية لتحكم العراق حتى مع الدعم الإيراني المطلق. فقد فشلوا في حكم العراق بطريقة متوازنة وذلك لعدة أسباب من ضمنها منظورهم الطائفي، ونقص الخبرة، والاعتماد على محاربين شيعة كُثر، وهوس الانتقام من الآخر، وغياب الروح الوطنية لتوحيد العراق.

ومن جهة أخرى فإن وجهة نظر الأكراد مكرسة تجاه كسب استقلالية أكثر بهدف إنشاء دولتهم المنشودة. فهم يستغلون الحالة العراقية المعقدة لاكتساب مصالح أكثر لأنفسهم، ويبدوا أنهم سيجدو أنفسهم متورطون في صراعات مستقبلية مع عدة لاعبين، مثل العرب، والتركمان وإيران إذا بقوا مصريين على مواقفهم.

عند قراءة الموقف التركي من الصراع التاريخي الأساسي في الشرق الأوسط وهو القضية الفلسطينية نجد أن هناك بعض التطورات الهامة حيث تحول الموقف التركي إلى الجانب المؤيد للقضية الفلسطينية، أي باتجاه حلم الأمة الإسلامية. مما وضعها في قلب تطلعات وآمال الأمة الإسلامية فيما يتعلق بتحرير المسجد الأقصى والقدس وفلسطين. وعلاوة على ذلك فإن شعبية تركيا وقادتها تتزايد بسرعة بين العرب والشعوب الإسلامية. ومن جهة أخرى فقد أظهر الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية موقفاً صلباً في مواجهة الحروب الوحشية للاحتلال الإسرائيلي خاصة في غزة بالإضافة إلى إصرار الشعب الفلسطيني وصموده في وجه الاحتلال الإسرائيلي في القدس والضفة الغربية. هذا الإصرار الفلسطيني المتواصل غير المسبوق خلال أكثر من 70 سنة يشكل قاعدة صلبة لأية تحركات استراتيجية، بمعنى آخر يشكل رهاناً رابحاً لأية مناورة جيواستراتيجية جدية في المنطقة.

 

اللاعبون الجيوستراتيجيون الإقليميون

يوجد عدد من اللاعبين الإقليميين في منطقة الشرق الأوسط من ضمنهم مصر، والمملكة العربية السعودية، وإيران، وتركيا. أما بالنسبة لمصر فهي تعيش حالة اضطراب بعد الانقلاب وما تزال غير مستقرة وبالتالي لم يعد باستطاعتها أن تكون لاعباً جيوستراتيجياً مؤثراً حتى هذه اللحظة. وما لم تصل مصر إلى حالة استقرار فستبقى غير قادرة على لعب دور جيوستراتيجي مؤثر في المنطقة.

وفي المقابل لا تبدي المملكة العربية السعودية أيّة استراتيجية واضحة في المنطقة. وبدلاً من ذلك فإنها تنأى بنفسها وترفض التعامل مع ما يسمى بالإسلام السياسي مما موضع المملكة العربية السعودية في زاوية الطرف المعادي لثورة الربيع العربي من خلال دعم الانقلاب في مصر ومعاداة الثورة في اليمن قبل سطوة الحوثي على الموقف. هذا الموقف السعودي من الربيع العربي متناغم مع موقف الولايات المتحدة. وقد أحجمت المملكة العربية السعودية في الماضي وحتى هذه اللحظة عن تقديم دعم سياسي حقيقي لسنة العراق، على الرغم من أنهم كانوا ومازالوا يرزحون تحت معاناة شديدة من الحكومة الشيعية التي تم تعزيزها بشكل واضح من إيران. أيضاً لا تبدي المملكة العربية السعودية دعماً واضحاً للمقاومة الفلسطينية في مواجهتها مع الاحتلال الإسرائيلي في الحروب السابقة في غزة، واكتفى الموقف السعودي بالتزام الموقف الرسمي المتماشي مع توجهات اللجنة الرباعية. فأصبح الموقف السعودي يتماشى تماماً مع وجهة نظر الولايات المتحدة فيما يخص المقاومة الفلسطينية. من جهة أخرى لا تبدي المملكة العربية السعودية أية استراتيجية مستقلة واضحة فيما يتعلق بالمشكلة السورية في حين أن إيران تدعم النظام السوري بكل قدراتها المالية والبشرية والعسكرية. ومرة أخرى يبدو الموقف السعودي غير قادر على فرض رؤيته ولا يستطيع تجاوز الرؤية الأمريكية مما أظهر السعودية وكأنها تقوم بأفعال تصب في المصلحة الاستراتيجية الأمريكية أكثر منها في المصلحة السعودية أو العربية. وعلى ذلك يمكن اعتبار المملكة العربية السعودية كتابع أكثر منها كلاعب جيوستراتيجي مؤثر.

وتظهر تركيا بتغيراتها الجيوستراتيجية بعد وصول أردوغان وحزبه للحكم وكأنها فارس الأحلام، وتبدي تركيا موقفاً واضحاً تجاه القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى، وتتخذ موقفاً صارماً حيال الأفعال العدائية لإسرائيل. وفي المقابل فإن تركيا تحت اختبارٍ كبير فيما يخص استقرارها الداخلي بسبب المعارضة الداخلية والدولية. وحتى الآن استطاع أردوغان مع حزبه أن يتغلب على الاضطرابات الداخلية ومنعها من تحقيق زعزعة الاستقرار الداخلي. وبالرغم من الأحداث الخارجية المحيطة بها إلا أنها ظلت لوقت قريب متحفظة في المجال الجيوستراتيجي الخارجي نتيجة لنقص الاستقرار الداخلي، ولعدم بلورة رؤية جيواستراتيجية في ظل هذه البيئة المعقدة، ولأنها ماتزال في مرحلة انتقالية. لذلك ركزت القيادة التركية على القضايا الداخلية والاستقرار أكثر من الأحداث الخارجية، خاصة مع هكذا أحداث خارجية معقدة، ومع ذلك تبقى لاعباً جيوستراتيجياً واعداً فيما يشاهد اللاعبون الإقليميون والدوليون الآخرون ويرصدون تطور هذا الاعب المتَوقع الجديد. ومما لا شك فيه ان الاستراتيجية التركية بعد فشل الانقلاب قد انطلقت نحو التعامل مع الفضاء الاستراتيجي الخارجي بشكل واضح واندفعت في قوات درع الفرات نحو فرض واقع على الأرض في الشمال السوري.

في الحقيقة، إن اللاعب الجيوستراتيجي الفعال الوحيد في المنطقة هو إيران، فإيران لها تاريخ طويل من التدخل في المنطقة منذ أيام الشاه الذي لعب دور الشرطي عن الولايات المتحدة في منطقة الخليج. لقد اعتبرت إيران البحرين جزءا من إيران، واحتلت الجزر الإماراتية الثلاثة. لقد عادت الرغبة الإيرانية في التوسع مرة أخرى بعد الثورة الإسلامية عندما حاولت أن تصدّر الثورة إلى دول إسلامية أخرى، ثم هدأت قليلا ثم عادت الرغبة في التوسع مجدداً وبشدة أكثر تحت مصطلح “حماية المصالح الاستراتيجية الإيرانية”. ولم تقف إيران عند هذا الحد لكنها تجاوزته بدعم الأحزاب الشيعية في لبنان والعراق والبحرين واليمن التي أصبحت ذراعها في نشر استراتيجيتها ومصالحها في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك فقد نجحت إيران في اختراق العراق بعد صدام حسين، وأصبحت المحرك الرئيسي للأحداث الداخلية في العراق، كما استطاعت أن تستغل تأثيرها في العراق في المفاوضات النووية مع الغرب. لقد أصبحت العراق تماماً كما ترغب إيران: عراقٌ ضعيف خاضع لحكومة شيعية مع أدوار متواضعة للسنة، وبالتالي استطاعت إيران أن تستثمر الحالة العراقية إلى حد كبير لتحقيق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. كما استطاعت إيران أن تحقق تغلغلاً عميقا في لبنان من خلال حزب الله ودفعه للقتال في سوريا.  وفي جميع الحالات فإن التدخل الأوضح لإيران هو في سوريا، حيث تتواجد بصورة مباشرة عبر إرسالها الحرس الثوري للمشاركة في الحرب ضد المعارضة، وبدفع أذرعها من المليشيات الشيعية مثل حزب الله والمليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية للقتال بصورة مباشرة في سوريا بحجة الدفاع عن النظام السوري. كما تعمقت إيران في جنوب غرب الجزيرة العربية حيث اليمن بدعم الحوثيين أيضاً لتثبت وتعمق مصالحها في تلك المنطقة. إنه توسع إيراني واضح فهو يستغل حالة عدم الاستقرار والاضطراب في محاولة لإثبات قوتها ومصالحها وتأثيرها وهكذا تكون إيران هي اللاعب الجيوستراتيجي الإقليمي الفعال الوحيد الذي يتدخل بصورة مباشرة وغير مباشرة في كل أرجاء منطقة الشرق الأوسط.

اللاعبون الجيوستراتيجيون الدوليون

الدول الشرق أوسطية مثل: مصر، وسوريا، وتركيا، والعراق، والمملكة العربية السعودية، ومنطقة الخليج، وفلسطين موجودون في قلب المصالح الجيوستراتيجية للولايات المتحدة، وأوروبا، وروسا، والصين. إذ يقع الشرق الأوسط في مكان استراتيجي مميز فهو يحتوي على أغنى مصادر الطاقة مثل النفط والغاز والطاقة المتجددة، أي الرياح والشمس. إن موقعه الجيوستراتيجي يجلب اهتمام الآخرين إليه جلبا، فالعيون على المنطقة طوال الوقت. وأصحاب المصالح الخارجية لن يتوقفوا عن التدخل في المنطقة لدوافع وأهداف مختلفة، زد على ذلك الصراع العربي-الإسرائيلي وهو سببٌ آخر للاهتمام والتركيز على هذه المنطقة. كما أن دول الشرق الأوسط تقع في نطاق “حزام الاستقرار” بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا، وحزام الاستقرار هو المنطقة المحيطة بروسيا وأوروبا الشرقية من الجهة الجنوبية.  كما تسيطر دول الشرق الأوسط على طرق ملاحة بحرية وممرات جوية هامة، وتفصل روسيا عن المياه الدافئة. بالإضافة لذلك هناك الصراع العربي-الإسرائيلي، الذي يؤثر على الجيوسياسية الداخلية لمعظم دول الشرق الأوسط، ويؤثر على التحركات الجيوستراتيجية الخارجية في المنطقة أيضاً.

ووفقاً لذلك فإن المنطقة تحت تركيزٍ ليس فقط من القوى العظمى بل من القوى الناشئة أيضاً مثل الصين. ويضاف إلى ذلك العديد من المشاكل الجيوسياسية الخطيرة في دول الشرق الأوسط كغياب الديمقراطية، والحوار، والتسامح، وفن الاختلاف، والانقسامات الطائفية، والمشاكل السياسية القومية، والأيديولوجيات القسرية، وقلة القواعد المشتركة في البلد نفسه، وعدم قبول الرأي الآخر، والاقصاء، والتهميش، والمفاهيم الخاطئة، وإثارة وإعادة الأحقاد التاريخية إلى الذاكرة. هذه المشاكل الجيوسياسية الخطيرة تولّد قضايا جيواستراتيجية صعبة وأزمات تؤدي إلى مواجهات إقليمية معقدة. إن مثل هذه المواجهات الجيوستراتيجية تخلق منافذاً سهلة لتدخل دولي في المنطقة.  تحت بند الحاجة إلى الحماية. حيث أن القوى العظمى لها مداخل مختلفة للتدخل في السياسات الداخلية والخارجية للشرق الأوسط. فأحد أنواع المداخل هو مدخل الحماية من قوى إقليمية أخرى كما هو الحال في بعض دول الخليج العربي الطامحة في حماية أمريكية ضد تدخلٍ إيراني متوقع في دولها. وهناك مدخل امتلاك الأسلحة للوصول إلى تكافئ استراتيجي مع معارضين آخرين في المنطقة، مما يفتح الباب على مصراعيه على تدخل جيوستراتيجي كبير كما حدث إبان غزو الكويت، ثم غزو العراق في 2003، ثم التدخل الروسي في سوريا. ومن قبل اندفاع بعض الدول لطلب الحماية الأمريكية ضد حركة التوسع الإيرانية وتصدير الثورة وبالتالي التوجه بعيداً نحو تعزيز أمنهم متحالفين مع واشنطن. وهناك أيضا المدخل الاقتصادي والتكنولوجي للمساعدة في استخراج الموارد الطبيعية ولتطوير البلاد وهو يمهد الطريق لهذه التدخلات أيضاً. وليس ذلك فقط بل أصبح وللأسف مبدأ السيادة قابلاً للمساومة.

ورغم أن القوى الأوروبية لها اعتبار جيد في المنطقة غير أن الاقتصاد الغربي الضعيف في ظل الأزمات الاقتصادية الحالية منذ عام 2008 لن يسمح للغرب بأن يكون قادرا على فرض قيادته ورغباته على المنطقة كما كان في العادة.  وما من شك فإن الولايات المتحدة هي القوة الأساسية في وتلعب دوراً حيوياً في تشكيل استراتيجية المنطقة وتبقى هي اللاعب الجيوستراتيجي الأساسي.

الجيوستراتيجية التركية المستقبلية

في هذه البيئة الخارجية المضطربة والمعقدة لن تستطيع تركيا أن تقف على الحياد بدون تحركات جيواستراتيجية، فحتى لو رغبت في أن تفصل نفسها عن الأحداث الديناميكية العالية الخطورة فسينتهي المطاف بهذه الأحداث إلى أن تنتقل وتضرب تركيا من الداخل.

مخاوف تركيا الخارجية

في الحقيقة إن إحدى المخاوف الرئيسية هي القضية العراقية التي كانت أول حدث. والعراق كواحد من البلدان الهامة في المنطقة يعاني من اضطراب دائم منذ عام 1990 وحتى الآن. ومازالت الحالة هناك متصاعدة وتتطور باتجاه التعقيد يوماً بعد يوم وهذا من آثار الاحتلال الأمريكي، والتباينات الديموغرافية، والنزاعات الداخلية، وكذلك مشكلة داعش والتدخلات الدولية والإقليمية كلها تساهم في اضطراب المشهد العراقي. والعراق بتعقيده وغموضه يجاور تركيا ويحدث تأثيراً في العديد من شؤونها مثل السياسة الخارجية، والعناصر الداخلية، والقضية الكردية، والعلاقات الاقتصادية.

وهنا تبرز بقوة مجموعة من المخاوف قادمة من العراق ولها تأثير سلبي على تركيا، منها كيفية الحصول على معلومات كافية لإدارة نتائج التعقيدات العراقية، وكيفية تجنب استعمال القوة والتورط المباشرة في حل المشاكل الناجمة عن الوضع هناك، ومخاوف من جر تركيا إلى الدوامة العراقية، ومخاوف بأن تصبح مشتتة الانتباه بإدارة الأزمات أكثر من إيجاد حلول جذرية وحقيقية، ومخاوف من توسع إيراني في المكونات العراقية يمتد نحو تركيا، ومخاوف من استغلال الأكراد في الجانب العراقي لمشكلة حزب العمال الكردستاني.

أما القلق الآخر فهو المنبثق من سوريا متمثلاً بالعدد الكبير من اللاجئين السوريين في تركيا والمتزامن مع نتائج اجتماعية واقتصادية وسياسية سلبية. وأيضاً الارتباك السياسي الناجم عن الصراع العسكري بالقرب من الحدود مع سورية، كالمواجهات الدائرة عند نقاط العبور والحدود البرية، إضافة لذلك العداوة التي تعززت بين النظام السوري والحكومة التركية والتي قد تؤدي إلى أعمال عدائية من قبل النظام السوري داخل تركيا، أو استغلال بعض أفراد الطائفة العلوية التركية لزعزعة الأمن والسلم الداخليين، وإمكانية استغلال تداعيات المشكلة السورية من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، وروسيا، لفرض نوعٍ من الضغط عليها.

أما القلق الثالث فهو المشكلة الفلسطينية والعناد الإسرائيلي. في الواقع هذا القلق جليٌّ لأن قادة حزب العدالة والتنمية يعتبرون المساعدة في قضية المسجد الأقصى، والقدس، ودعم الشعب الفلسطيني واجباً دينياً. إن العناد الإسرائيلي أدى إلى مقتل عددٍ من النبلاء من الشعب التركي كانوا على متن سفينة مساعدات إنسانية، مما أدى إلى نزاع سياسي جدي مع إسرائيل، لذلك فإن هذا الصراع المستمر في فلسطين سيؤثر على الاستراتيجية التركية أيضاً، وسيلقي بظله على سياساتها الخارجية.

السياق الجيوستراتيجي بخصوص تركيا

إن عملية التغيير في المنطقة ليست منفصلة عن البيئة المحيطة، وما من شكٍ بأن دول الجوار تتأثر بصورة مباشرة، وفي وسط هذا التعقيد وجدت تركيا نفسها متورطة، ليس لأنها ترغب في الانخراط، بل لأنه فرض عليها بسبب موقعها الجغرافي، والمتطلبات الدولية، والمسؤولية الإنسانية، والواجب الإنساني. والتحرك التركي الأخير باتجاه الداخل السوري لم يكن خيارا بل اجبارا للانخراط في هذه الصيغة الجيوستراتيجية الإقليمية، وإلا فإنها ستدفع ثمناً أغلى داخلياً وخارجياً وستظهر نتائجه سلباً على المكونات السياسية والاجتماعية الداخلية التركية. ليس هذا فحسب بل ستجد نفسها محاطة بمصالح استراتيجية لدول أخرى، مما سيؤدي إلى تآكل مصالحها. على الرغم من أن تركيا اتجهت نحو صفر مشاكل خارجية في السنوات الماضية إلا أن الواقع فرض أحداث خارجية ضخمة تضاعفت أكثر مما أملت. في واقع الأمر تواجه تركيا حالة جيواستراتيجية معقدة تستوجب تكيفاً سريعاً، وتحديدا لموقعها الجيوستراتيجي، وإلا فإنها تخاطر بنفسها إذا ظلت ثابتة في موقفها دون أي مناورة استراتيجية، إذ أنه من وجهة النظر الاستراتيجية فإن البقاء على حالة وضع السكون في بيئة معقدة سيمكّن القوى المنافسة وقوى التوازن الاستراتيجي الداخلية من دفع الكيان (تركيا) نحو نقطة اللاعودة.

ويظهر في السياق المنافس الآخر وهو إيران التي اندفعت بقوة في المنطقة للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية إلى الحد الذي أصبح فيه من الصعب تطوير تفاهم مع إيران لتهدئة المنطقة. وما لم يكن لدى تركيا القوة لتكون لاعباً مهماً في الصيغة الجيوستراتيجية سيكون من الصعب وضع حدٍ لتأثير توسع المصالح الإيرانية عليها داخلياً وخارجياً. لقد أصبح واضحاً على وجه التحديد أن المصالح الإيرانية تعارض المصالح التركية في المنطقة، ليس في العراق فقط بل في سورية أيضاً. إن الاندفاع الإيراني حافزٌ آخر لتركيا لتصبح جزءا من الصيغة الجيوستراتيجية في المنطقة بدلاً من كونها مراقباً فقط.

وهنا تجدر الملاحظة أنه بالرغم أن إيران واحدة من اللاعبين الرئيسيين إلا أنها هي ذاتها تعاني من التعقيدات في العراق وسوريا بل في المنطقة كلها. لقد اقحمت إيران نفسها في العراق إلى حد كبير ثم اقحمت نفسها في سورية ثم في اليمن، مما يشير إلى أن إيران تغرق الآن في ثلاثة مستنقعات. وفي نفس الوقت تعاني إيران من العقوبات الاقتصادية وإنفاق الكثير من الأموال على مشروعيها النووي والصاروخي اللذان يستهلكان الكثير من دخلها القومي. إذاً، الغرق في ثلاثة مستنقعات مترافقٌ مع عقوبات اقتصادية يشير إلى أنه ليس من السهل على إيران أن تتحمل أربعة أعباءٍ ثقيلةٍ معاً وهي: العراق، وسورية، واليمن، والمشروع النووي. وعلى ذلك فإن إيران معرضة لصعوبات جمة ولفشل في خطتها الجيوستراتيجية في ظل هذه الظروف، أو أنها ستدفع ثمناً باهظاً لتعزيز مصالحاها التي ستهدد جدياً وضعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي. إضافة إلى ذلك، فهناك روسيا التي انغمست في التعقيد في سبتمبر 2015 ولم يكن التدخل الروسي لأسباب سياسية روسية داخلية ولا لأسباب اقتصادية ظاهرة إنما لمصالح جيواستراتيجية بحتة من خلال فرض نفسها في المعادلة الاستراتيجية في الشرق الأوسط وأروبا لتستعيد مجدها السابق ولتعزيز موقفها في أوكرانيا، وبذلك تصبح روسيا عاملا مؤثرا في التموضع الاستراتيجي التركي.

وبالتالي، فأنه من المنظور التركي، فقد تجمعت مجموعة من المخاوف الاستراتيجية الحقيقية منها على سبيل المثال لا الحصر: صدى المواجهات الداخلية السورية عليها، والقلاقل التي قد يسببها النظام السوري في الداخل التركي، ومشكلة اللاجئين السوريين وتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية، وآثار القلاقل في العراق، والاستغلال الإسرائيلي أو الأمريكي لهذا الوضع والضغط عليها، والموقف الأمريكي السلبي والمتمثل بدعمه لأكراد سوريا على الحدود التركية، والمشكلة الكردية الداخلية، والتحالف الروسي الإيراني في سوريا، والتوجه الطائفي الإيراني في المنطقة، وعواقب الانقلاب العسكري الفاشل. وبناء على كل ذلك فان الانخراط التركي في تعقيد البيئة الخارجية قد يكون أصبح حتمية استراتيجية لحمايتها من ارتدادات التدخلات الخارجية، ولإعاقة تقدم الخطر الخارجي نحو الداخل التركي، وللمحافظة على المصالح التركية في المنطقة. علما بأن مثل هذا التوجه يستوجب عليها امتلاك عناصر وأدوات القوة الاستراتيجية قبل انغماسها فيه. وبالرغم من هذا التعقيد إلا أن هناك مجموعة من الفرص التي تستطيع تركيا استغلالها لتشكيل استراتيجيتها.

  بما أن اللاعبين الآخرين هم أنفسهم غير متأكدين من صوابيه خطواتهم القادمة فإن ذلك يعطي تركيا فرصة لموضع قدم مناسب لها، كما أن جميع المناورات والتحالفات والنوايا أصبحت معروفة وبالتالي أضحى فهم اللعبة سهلا. كذلك فإن جميع اللاعبين أصبحوا تحت ظروف التعقيد وعدم اليقين والضعف في التنبؤ ويجدر التنويه إلى أن حدوث تغيرات درامية واردة في ظل هذه الظروف إلا أن أقل المتضررين هو الأكثر جهوزية. وكما أن لإيران أذرع محلية في المنطقة، فإن على تركيا أن تشكل لها أذرعا حتى تستطيع المناورة على الأرض خصوصا أن الموقف التركي من القضية الفلسطينية أوجد لها قبولا في الشارع العربي والإسلامي ممكن أن يسهل تشكيل تحالفات شعبية وسياسي رسمية مع السعودية وقطر وغيرها من الدول.

وبناء عليه فإنه بإمكان تركيا تطوير مبادرة جيواستراتيجية باتجاه الشرق الأوسط وستطرح تركيا هذه المبادرة كلاعب أساسي في المنطقة بدلاً من ترك الملعب للآخرين ليفرضوا استراتيجياتهم ومصالحهم، كما أن ملأ الفراغ سيمنع الآخرين من التدخل لوحدهم في المنطقة، وستحد من التأثير على المصالح التركية، علاوة على ذلك فالمبادرة الجيوستراتيجية ستساعد في تحقيق توازن في العلاقات الإقليمية السياسية، وستوجد حراكا سياسيا بين الحكومات والكيانات الجديدة المتوقعة، وستدعم المكون السني الذي يشكل حجر زاوية في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، مضافا لذلك تطبيق دور أخلاقي وتأدية واجب إسلامي أيضاً.

ملامح المبادرة الجيوستراتيجية التركية المستقبلية

بما أن هناك فراغ استراتيجي في المنطقة فيجب أن تشغل تركيا حيزاً بارزاً فيه، وإلا فإن هذا الفراغ سيملأ تماماً بواسطة لاعبين آخرين، هذا الفراغ لا يجذب القوى الأجنبية العظمى فقط، بل يجذب القوى الناشئة في المنطقة، مثل إيران، وفي نفس الوقت جذب وسيجذب قوى صاعدة أخرى، مثل الصين، وروسيا. أما في حقبة أوباما فقد انكفأت واشنطن عن المنطقة معتمدة على حلفائها لتأدية مصالحها الاستراتيجية المطلوبة. وهم من الدول الأعضاء في الناتو ودورهم الاستراتيجي مقدر تماما من قبل الولايات المتحدة وأروبا، على الرغم مما يبدو من صعوبة الموقف فليس من المستحيل تغيير الوضع الجيوستراتيجي في المنطقة. خاصةً وأن هناك حدٌ لقوة الولايات المتحدة وقدراتها في السيطرة على المتغيرات الاستراتيجية المستقبلية.

إن تغيير الخريطة الجيوستراتيجية يستلزم استيعاباً للحالة الجيوستراتيجية تحديداً حاجات القوى العظمى، ومعرفة بالإمكانات والقدرات الإقليمية وحدودها. وتركيا لديها إمكانيات اقتصادية عظيمة وموارد طبيعية وتمثل أحد ركائز مكونات الأمة الإسلامية وهم (العرب، والترك، والفرس). وعليه فإن تركيا مؤهلة تماماً لتخطو خطوة نحو تبني مبادرة جيواستراتيجية منطقية وجدية.

وفي المقابل فإن العرب وهم الأضعف في السياق الجيوستراتيجي مطالبين بالمثل أيضاً. فمشكلة العرب هي في عدم وجود ممثل لهم متفق عليه مثل الأطراف الأخرى مما يتركهم دون وحدة وفي تفكك، جاعلاً إياهم في موضع هشّ ومن السهل أن يتم التلاعب بهم من قبل القوى الخارجية. في المقابل تواجه الأمة العربية في معظمها عملية تغيير حادة في دولهم بما يسمى بــ “الثورات المضادة” ضد “الربيع العربي” وقد دفعوا ومازالوا يدفعون ثمناً باهظاً لتحقيق التغيير. حيث قتل مئات الألوف منهم وشرد الملايين في عملية التغيير القاسية هذه. إن هذا الوضع يزيد من الضغط على تركيا لتقود التغيرات الجيوستراتيجية في المنطقة حتى تتعافى الأمة العربية (الحليف المستقبلي لها) من نتائج عملية التغيير الحادة هذه.

وهنا ينبغي لتركيا عند التقدم باتجاه المبادرة الجيوستراتيجية المستقبلية ملاحظة بعض المحددات والتي من ضمنها على سبيل المثال لا الحصر: الاستقرار الداخلي التركي من ناحية التماسك الاجتماعي والوضع الاقتصادي اللائق والاستقرار السياسي. طبعاً إن الاستقرار لا يعني صفراً من المشاكل، لكن الاستقرار يعني أن المشاكل تتجه نحو حدها الأدنى، أو أنها عند درجة معقولة تجعل التحرك نحو مبادرة جيواستراتيجية ممكنا. بالإضافة إلى ذلك فإن هذه المبادرة تتطلب دعماً من الشعب التركي مع تطوير عوامل داخلية مهمة مثل بلورة رؤية جيوسياسية محلية للانتقال نحو الاستراتيجية الإقليمية. إن التركيز على الأولويات الداخلية يجب أن يظل مستمراً للحفاظ على الازدهار الداخلي حياً. كما يجب الانتباه إلى عدم الانزلاق نحو التشتت وفقد التركيز والتوجه نحو معالجات سطحية في إدارة الأزمات في دول الجوار وتجاهل الأسباب الحقيقية وعدم تقديم الحلول الجذرية. وعلى هذا الأساس يمكن لتركيا أن تستفيد من عدة معطيات في صياغة وتصميم مبادرتها الاستراتيجية مثل:

  • السنة في العراق وهم الجزء الأضعف فيه لكنهم يمثلون حجر الزاوية في العراق فما من حل دائم يمكن أن يصمد دون موافقتهم.
  • جزء – معتبر -من الأكراد شمال العراق الساعين إلى إنشاء الدولة الكردية يرغبون في إقامة علاقات جيدة مع تركيا، على الرغم من وجود حزب العمال الكردستاني.
  • الحركة الإسلامية المعتدلة التي أثبتت أنها متجذرة في العالم العربي، وقد فازت في العديد من الانتخابات كما حدث في تونس، ومصر، والمغرب. وهم لاعبون رئيسيون في اليمن، وليبيا، والسودان، والكويت.
  • جزء كبير من الشعب العربي يدعم الموقف التركي وخاصة أردوغان الذي يتمتع بشعبية كبيرة، ليس فقط في العالم العربي فحسب بل في الأمة الإسلامية أيضاً.
  • معظم أطياف المعارضة السورية الذين أثبتوا مقدرتهم على الوقوف وتحدي النظام السوري على الرغم من الدعم الروسي والإيراني
  • العديد من علماء المسلمين الذين يمثلون كيانات إسلامية عديدة ومرجعيات دينية ذات وزن وثقل ومصداقية.

إن المبادرة الجيوستراتيجية المقترحة ضرورية لتركيا للوصول إلى نقطة التكافؤ الجيوستراتيجي مع اللاعبين الإقليميين. بعد الوصول إلى نقطة التكافؤ هذه يمكن تطوير فهم إقليمي مشترك بهدف تجنب مواجهة استراتيجية والاستفادة العادلة من الفرص الاستراتيجية المتاحة. ثم بعد ذلك التقدم نحو مرحلة الإدارة التكاملية للمصالح الاستراتيجية حيث يتمكن اللاعبون الإقليميون من إدارة مصالحه استراتيجية لوحدهم، وبعد ذلك الوصول إلى نقطة تكافؤ أخرى ولكن هذا التكافؤ سيكون مع اللاعبين الدوليين، لكي يستطيعوا تطوير مبادرات جيواستراتيجية إقليمية ودولية متماسكة.

بالرغم من الوضع الحالي بالغ التعقيد، إلا أن تركيا مع تحالفاتها المستقبلية ما تزال قادرة على لعب دورٍ مهم في تشكيل هذه النقلة الجيوستراتيجية وتحقيق الأهداف والنتائج اللازمة، آخذين بعين الاعتبار أنه وعند تنفيذ المقاربة الاستراتيجية قد لا تتناسب المخرجات مع المدخلات بسبب النمط غير الخطي للحالة المعقدة. لذلك على تركيا أن تكون مستعدة لتكيفٍ سريعٍ مع أية تطورات خلال هذه العملية لمواجهة الحالات المعقدة بطريقة مرنة وليست جامدة.

الخلاصة

يشهد الوضع العام في منطقة الشرق الأوسط تغيرات جيواستراتيجية عميقة نتيجة للربيع العربي وارتداداته في المنطقة، ونتيجة للتورط الإيراني الطائفي، والتدخل الروسي، والانكفاء الأمريكي عن المنطقة، وتعكس هذه الدينامية العالية تغيرات استراتيجية حقيقية على تركيا بشكل خاص.

كما تتعرض منطقة الشرق الأوسط لحالة من الاضطرابات والتعقيدات حيث تتدخل بها القوى العظمى ليس في سياساتها الإقليمية فحسب بل حتى في سياستها الداخلية. وبالرغم من ذلك فإن للقدرات الأمريكية والقوى الكبرى الأخرى حدودا لا تستطيع تجاوزها، مما يفسح المجال لطرح مبادرة جيواستراتيجية على مستوى المنطقة.  وبما أن تركيا حققت مستويات اقتصادية مميزة وتحاول جاهدة للوصول إلى استقرار سياسي داخلي، ووقفت بجانب الشعوب العربية، ولا تضع عقبات في وجه التعامل مع الحركات الإسلامية المعتدلة الجادة أو ما يسمى بالإسلام السياسي فإنها مؤهلة للتقدم بمبادرة استراتيجية للمحافظة على مصالحها الاستراتيجية ولتقود المنطقة نحو التوازن والاستقرار. وهذا يستلزم من تركيا تبني استراتيجية متطورة ومدروسة بشكل جيد من أجل تأمين مصالحها الاستراتيجية الخارجية، وتأمين حدودها، ولتكون جزءا معتبرا من أي معادلة استراتيجية تتشكل في المنطقة.

 

Advertisements